خمسة أسباب لعدم استدامة الكيان الصهيوني

خمسة أسباب لعدم استدامة الكيان الصهيوني

08 ديسمبر 2023
تظاهرة في تل أبيب ضد سياسات نتنياهو (Getty)
+ الخط -

بعيداً عن النبوءات الدينية العديدة بالزوال الحتمي لإسرائيل، بما فيها اليهودية نفسها، فالحقيقة أن لدينا من الأسباب والشواهد ما يدعونا للاقتناع بالنتيجة نفسها؛ فالكيان الاستعماري الذي تأسّس كبذرة لطموح أكبر بكثير بإسرائيل كبرى تحكم قلب الشرق العربي وتشقّ جناحه الآسيوي عن الأفريقي وتتحكّم في أكبر منافذ الملاحة والتجارة العالمية، يبدو اليوم قد تجاوز ذروة منحناه، بحيث أصبح أقرب للبدء بالذبول والتراجع منه للاستمرار بالنمو والاكتمال، بدفع من بُنى وروافع موضوعية استطاع القفز عليها لعقود، حتى بدأت السياقات الكلية بالتغيّر الجذري، مع نجاحات المقاومة، بتراكمات جهودها عبر عقود، وبالارتقاء النوعي لقدراتها أخيراً، في العودة به للواقع تحت مقصلة تلك البُنى والروافع، بشكل لم يعد يسمح لحالته الاستثنائية تلك بالاستمرار.

ترتيب استعماري مرهون استمراره بهيمنة صانعيه

أولاً، وقبل كل شيء، نشأت إسرائيل ضمن ترتيب استعماري في ظل هيمنة غربية شبه مطلقة على العالم، إنها في الواقع آخر بقايا الاستعمار الكلاسيكي في العالم عموماً، وأبرز معالم استمرار الهيمنة الغربية على المنطقة العربية خصوصاً، لهذا فهي مرتبطة وجوداً وعدماً باستمرار هذه الهيمنة ارتباط الفرع بالأصل؛ ما يعني منطقياً، على الأقل، ذبول هذا الكيان المُصطنع بتراجع هيمنة صانعيه.

لا غرابة في ما يبدو من بوادر لاهتزاز هذا الكيان وتعاظم شعوره بالقلق مع التغيّرات الواضحة في بنية الهيمنة الدولية، فالغرب صانع إسرائيل وضامن أمنها لم يعد كسابق عهده المهيمن الوحيد على شؤون العالم واقتصاده، ولا القوة القادرة على حسم أيّ قضية بمفرده، وما عجزه عن توسيع نطاق فاعلية عقوباته على روسيا وفشله في فرض إرادته في أوكرانيا سوى حلقة أولى ضمن حلقات ستتوالى ضمن ذلك التراجع.

ورغم أن الغرب لا يزال القوة الحضارية الكبرى عالمياً، إلا أنك في الواقع لا تحتاج لإنهاء هيمنةً ما أن تكون نداً كاملاً لها، كما لم ينته الاستعمار التقليدي لأن المستعمَرات اقتربت بأيّ شكل من مستوى قوة مُستعمِريها، بل يكفيك فقط أن تخفض فارق القوة النسبي لمستوى يجعل مواجهاتك مع القوة المهيمنة مكلفاً لحدّ يتجاوز منافع الهيمنة، ناهيك عن أن يمسّ المصالح الاستراتيجية للقوة المهيمنة.

وهذا هو واقع الغرب اليوم مع الصين وروسيا، فحتى مع تنحيّة المخاوف من مواجهة نووية، يكفي التراجع المستمر في فارق القوة بينه وبينهما لإضعاف ليس فقط قدراته في مواجهتهما، بل كامل هيمنته على مستوى العالم كله، تماماً كما ساهم صعود الاتحاد السوفييتي لمرتبة القوة العظمى، بحد ذاته وبصرف النظر عن مساعداته للمستعمَرات، في إضعاف كامل السلسلة الاستعمارية.

كما أنه على المستوى الإقليمي اختلفت توازنات القوى على مستوى المنطقة العربية والإسلامية، فلم تعد دول المنطقة مجرد مستعمرات متخلفة بشعوب محدودة التعليم، ورغم استمرار الفارق الكبير بينها وبين قوى الهيمنة الغربية، فإنه لا يُقارن بأيّ صورة بنظيره وقت تأسيس إسرائيل، وحتى مع تبعية أغلب الأنظمة العربية للغرب، يضع نمو وتطور الشعوب العربية وتصاعد وعيها حدوداً قصوى لانبطاح تلك الأنظمة، وإذا كان تقسيم فلسطين وإعلان إسرائيل وهزيمة العرب أمامها مما ساهم في اندلاع موجة الانقلابات والثورات العربية في خمسينيات القرن الماضي؛ فمن باب أولى توقّع موجة ربيع عربي جديدة حال حقّقت إسرائيل أي توسّع جديد كبير على حساب العرب أو تسامحت الأنظمة معها على حساب الفلسطينيين.

وهكذا، في حد أدنى، يصعب جداً تكرار ما حدث عام 1948 من سيناريوهات تهجير وضمّ وما شابه، لاختلاف السياق الإقليمي والعالمي جذرياً؛ فلا تُتوقع لإسرائيل أيّ نجاحات جديدة كبيرة، بل هي على الأرجح قد وصلت لأقصى إمكاناتها وتجاوزت أفضل لحظاتها التاريخية.

ترتيب وظيفي متراجع الأهمية
يدخل أيضاً ضمن تغيّر السياق العالمي تغيّر مصفوفة الصراعات الدولية، فمركز الصدام العالمي المُنتظر اليوم يقع هناك في تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث أبرز معاقل الهيمنة الغربية في المحيط الحيوي الصيني والمجال الحضاري الآسيوي بعامة، فمهما كانت الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق العربي، أو جوهرية مواردها الطاقية وطرقها الملاحية والتجارية، فإنها ستتراجع إلى المرتبة الثانية ضمن الصراع الدولي، وتصبح وسيلةً للصراعات الكبرى وموضوعاً للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين.
وهكذا ستتراجع أهمية إسرائيل كترتيب وظيفي للهيمنة الغربية في المنطقة، ومعها بطبيعة الحال حدود الدعم الممكن لها في مواجهة جيرانها العرب، وحتى لو ظلّت المنطقة بأهميتها الاستراتيجية نفسها في سياق الصراع الأكبر بين الغرب الأورو-أميركي والشرق الآسيوي، فإن مصالح الغرب نفسه في عدم خسارة العرب ستدفعه لتقليل دعمه الأعمى لإسرائيل وتقديم تنازلات للعرب والمسلمين لئلا يلقوا بكامل رهاناتهم على منضدة الصين، تحت ضغط الشعوب مُتصاعدة العداء للعنجهية الغربية.
ينقلنا هذا لمستوى جديد بالمقارنة بالعامل السابق، فلم تتراجع القوة النسبية للقوى الغربية الداعمة لإسرائيل بشكل يعجزها عن تحقيق نجاحات جديدة كبيرة فحسب، بل إن استعداد الدعم نفسه بسبيله للتراجع النسبي، خصوصاً مع انكشاف الحقائق بالنجاحات التي يحقّقها انتشار الرواية العربية الفلسطينية في صفوف الشعوب الغربية، وبداية تحرّرها من الابتزاز الصهيوني المستمر بالهولوكوست والعداء للسامية.

كيان مُناقض لمنطق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا
يواجه الكيان الصهيوني تناقضين جوهريين في صُلب تكوينه، الأول هو أنه دولة دينية تتقنّع بالعلمانية في القرن الحادي والعشرين، دولة هوياتيه تقوم على دين قومي بينما تدّعي الديمقراطية، وتسوّق نفسها لدى داعميها باعتبارها واحة الديمقراطية العلمانية في الشرق التقليدي الاستبدادي.
أما الثاني، فهو تأكيده على هويته اليهودية في مواجهة محيط إسلامي غالب، في "احتكاك استراتيجي" و"تناقض مشروعية" لا يُحلّ إلا بإدامة تفكيك هذا المحيط، فضلاً عن لبننته وبلقنته إلى دول أقليات تشرعن وتمنطق وجود دولة الأقلية اليهودية، وهو سيناريو شديد الصعوبة في منطقة متجذّرة تاريخياً، مهما بدا على السطح من نزاعات محلية وإقليمية وهشاشة مؤسسية في بعض دولها.
التناقض الأول يدفع بإسرائيل لمواجهة مشكلة سياسية ديموغرافية هي عرب 48 الذين يجب أن يُعاملوا كمواطنين كاملي الحقوق والأهلية أو سيضعونها في مواجهة العالم كدولة فصل عنصري صريحة، خصوصاً مع معدلات نموهم الديموغرافي التي تشير بعض التقديرات لتجاوزها نظيرتها لدى اليهود بحوالي 50%، وما يعزّز خطورتها على إسرائيل ظهور اتجاه للهجرة العكسية كما حدث لأول مرة عام 2004، عندما تجاوز المهاجرون منها المهاجرين إليها، وهو الاتجاه الذي يبدو بسبيله للتزايد مع ما تشير إليه بعض استطلاعات الرأي من أن نحو 80% من الإسرائيليين فكّروا ولو لمرة واحدة في هجرة إسرائيل إلى الأبد.
ويقتصر هذا فقط على حدود 1967، دونما إشارة إلى تجاوز تعداد الفلسطينيين (أكثر من 7 ملايين) لتعداد اليهود (6.8 ملايين)، على مستوى كامل فلسطين التاريخية، دون حساب اللاجئين الفلسطينيين خارجها البالغين 6.4 ملايين آخرين.

وهكذا فمجرد استمرار الاتجاهات الديموغرافية المذكورة كفيل بالاصطدام بجوهر المشروع الصهيوني لإسرائيل كدولة يهودية بالأساس، بما يُفاقم تناقضها السياسي الديموغرافي، وستؤدي بها كافة محاولات المقاومة للاحتفاظ بطبيعتها تلك لصدام قيمي مع منطق العصر الحديث وخسارة للدعم العالمي، وربما احتكاك متصاعد قد يصل لصدام انتحاري مع كامل محيطها الإسلامي، كون هذه الطبيعة نفسها - والمقاومة للمحافظة عليها - ضد الاتجاهات التاريخية الموضوعية ستثير قوىً مضادة من النوع نفسه، مُفاقمةً التناقض الثاني، وربما مُوحّدةً معظم قوى العرب والمسلمين ضدها بدلاً من تفكيكهم.

اقتصاد غير مُستدام في ظل غياب الأمن المستمر

هذه التناقضات المتفاقمة ستؤدي حتماً لتصاعد الصراعات وضعف الاستقرار في المحيط الإسرائيلي، فضلاً عن تعزيز المقاومة الفلسطينية مُتنامية القدرات، بما يضعف جاذبيته الاستثمارية ويحوّله لبلد طارد للمواهب والكفاءات، خصوصاً في اقتصاد 80% خدمات، ما يجعله اقتصاداً، على قوته وتقدمه الظاهرين، هشّ الأساس، تؤثر فيه الصدمات بدرجات حادة، سواء من جهة قطاع الخدمات الاستهلاكية بطبيعته الهوائية، أو من جهة قطاع الخدمات الإنتاجية المُعتمد على قاعدة ضيّقة من القطاعات السلعية، هذه الصدمات حال تواترها وتطاولها لن يعوضّها أي دعم خارجي، بل ستجعل من إسرائيل عبئاً ثقيلاً على داعميها، في سياق تتزايد فيه كلفة دعمها السياسية والأخلاقية أساساً.

كل هذا يجعل اقتصادها غير مُستدام في الأجل الطويل، ولعل هذا أحد أهم التحديات الحالية التي تحاول إسرائيل مواجهتها بمحاولة السيطرة على بعض الموارد الهامة بالمنطقة، وآخرها غاز غزّة، والأهم بالتمركز ضمن المشروعات التجارية الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة وأوروبا في المنطقة في سياق صراعهما مع مشروع الحزام والطريق الصيني، فالأمر لا يتعلّق فقط بتعزيز التطبيع بمصالح اقتصادية مع رؤوس الأموال بالمنطقة، بل يتصل أيضاً بمشكلة الاستدامة هذه، والتي تتمفصل فيها مشكلة الأمن مع الاقتصاد، وتفسّر جزءاً من الرغبة الحارقة في تهجير الفلسطينيين والقضاء على المقاومة نهائياً.

هذا التزاوج بين الأمن والاقتصاد، صلاحاً وفساداً، يلعب أيضاً الدور الأهم في اتجاه تيار الهجرة، فأيّ تدهور مستمر فيها لبضعة أعوام لا غير كفيل بانفجار الهجرة العكسية التي تحمل في ركابها بذور انتهاء المشروع الصهيوني بمُجمله.

السقوط التدريجي للسردية

يُؤثر عن الفيلسوف اليوناني أرسطو قوله "خُلقت الحقيقةُ لتُعرف"، وليست إسرائيل استثناءً من ذلك، خصوصاً في عصر ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي ذات الطابع الأكثر شعبية وديمقراطية من وسائل الإعلام التقليدية، ما فتح أبواباً واسعة لتداول وتوثيق المعلومات والوقائع لحظياً، فضلاً عن كشف الحقائق التاريخية، وهو ما بدأت تظهر آثاره فعلياً على مواقف الشعوب الغربية التي كانت الأكثر جهلاً بحقيقة إسرائيل، حتى أن بعض التقديرات تشير لغضب ما يقرب من 70% من الشباب الأميركي من دعم حكومتهم الأعمى لإسرائيل، وهو الشيء الذي سنرى نتائجه في قادم الأيام مُنعكساً عاجلاً أو آجلاً في المواقف السياسية الغربية، مهما نازع اللوبي الصهيوني بقواه الهائلة لوقف هذا التيار الكاسح.

وستعزّز المقاومة المستمرة انهيار السردية الإسرائيلية كونها تكشف بالممارسة العملية الأكاذيب الإسرائيلية عياناً بياناً على مسمع ومرأى العالم كله، فليست فلسطين أرضا بلا شعب كما زعمت الصهيونية يوماً، ولا الفلسطينيون قوما يتركون أراضيهم برغبتهم الحرة أو مقابل الأموال كما أقنعت حتى بعض العرب، فضلاً عن أن ما كانت إسرائيل تستطيع فعله منذ ثمانية عقود وتردم عليه بالأكاذيب، أصبح مستحيلاً إخفاؤه اليوم بينما توثّقه وسائل التواصل الاجتماعي وجحافل الشباب العربي المتعلّم القادر على حمل الحقائق إلى بقية شعوب العالم.

وفي النهاية لا تعني هذه العوامل الهيكلية بطبيعة الحال زوال هذا الكيان من تلقاء نفسه، فكما نرى، يظل كل شيء مشروطاً باستمرار وتصاعد المقاومة، فهي "العامل الحفّاز" الذي يفعّل كل التفاعلات ويحرّك كل الديناميات، تلك المقاومة التي نفهم لماذا تعاديها بعض الأنظمة العربية، التي تكشف المقاومة انبطاحها وذِلّتها، وتضعها أمام استحقاقات الاستقلال الوطني الكامل للمنطقة، التي أهالت عليها التراب عقود من التبعية المستمرة!

المساهمون