تركيا تعاقب إسرائيل: تعليق اتفاقات الطاقة وتوقعات بالتصعيد

تركيا تعاقب إسرائيل: تعليق اتفاقات الطاقة وتوقعات بالتصعيد

27 أكتوبر 2023
احتجاج أمام السفارة الإسرائيلية في أنقرة (يوغور يلديريم/ Getty)
+ الخط -

علقت تركيا جميع اتفاقات الطاقة مع إسرائيل، بحسب ما نقله موقع "تي رب تي خبر" الحكومي، الخميس، عن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، وأكدت مصادرحكومية لـ"العربي الجديد" هذا الخبر.

وكانت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية قد اشارت، بعد كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في البرلمان الأربعاء، إلى أن تركيا علّقت خطط التعاون مع إسرائيل في مجال الطاقة، وأن وزير الطاقة التركي قد ألغى زيارة إلى تل أبيب.

وأشار اردوغان، خلال كلمته، إلى أن إسرائيل استغلت نوايا تركيا الحسنة، وأنه لن يذهب إلى إسرائيل مثل ما كان مخططاً، وأضاف أن الهجمات الإسرائيلية على غزة ودعم هذه الهجمات "يصل إلى حد الاغتيال"، في إشارة إلى الدعم الغربي للاحتلال الإسرائيلي.

وفي حين لم يتطرق الرئيس التركي علانية إلى أي موقف اقتصادي بحق إسرائيل، كما لم تصدر أنقرة أي قرار رسمي حتى الآن، إلا أن المحلل الاقتصادي يوسف كاتب أوغلو يتوقع، في حديث مع "العربي الجديد"، تطور الموقف التركي "وإلغاء العديد من الاتفاقات، وليس الطاقة فقط، سواء التنقيب المشترك عن النفط والغاز أو نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا"، مشيراً إلى البدائل أمام بلاده، إن بالغاز كروسيا وقطر وليبيا، أو بالسياحة والاستثمارات، كالمنطقة العربية التي وصف تطور العلاقات معها بـ"الممتازة"، خاصة بعد جولة وزير المال محمد شيمشك إلى قطر والسعودية والإمارات وابرامه اتفاقات مالية وتلقيه وعوداً استثمارية.

وحول العلاقات الاقتصادية بين اسرائيل وتركيا، يرى كاتب أوغلو أن التأثيرات ستتنوع، منها مباشرة على السياحة وسعر الصرف وربما الاستثمارات، ومنها غير مباشرة أو خفيفة، خاصة على حجم التبادل التجاري، لأن بلاده تحسن فصل الملفات السياسية عن الاقتصادية.

تأثيرات مختلفة

ويقول المحلل التركي إن علاقات تركيا مع إسرائيل ستتأثر على الصعيد السياحي بالدرجة الأولى، نظراً لعدد السياح الإسرائيليين الذي يصل إلى 500 ألف سنوياً ووجود شركات سياحية مشتركة، من تركيا وإليها.

وفي 2022، قالت وزارة النقل الإسرائيلية إن إسرائيل وتركيا ستوسعان حركة الطيران الثنائية بموجب اتفاق طيران جديد، هو الأول بينهما منذ عام 1951. وقالت الوزارة إنه من المتوقع أن يسفر الاتفاق عن استئناف رحلات الشركات الإسرائيلية إلى عدد من الوجهات في تركيا، إلى جانب رحلات الشركات التركية إلى إسرائيل.

ولكن كاتب أوغلو يلفت إلى أن التبادل التجاري لن يتأثر كثيراً إلى درجة القطيعة، مستدلاً بأزمات سابقة، خاصة بعد حرب اسرائيل على غزة واقترافها جريمة قتل الأتراك الذين سعوا لكسر الحصار على غزة "أسطول الحرية" عام 2010. ويعتبر المحلل التركي أن الآثار على الاقتصاد الاسرائيلي ستكون أكبر، رغم المساعدات والدعم الأميركي، حينما يخسر الاحتلال علاقات التعاون والتبادل مع دول الجوار، وبمقدمتها تركيا.

ولم يستبعد المستشار الاقتصادي التركي علاء الدين شنكولر أن تبدأ آثار الموقف التركي من "الاعتداء الاسرائيلي الوحشي على غزة" بالظهور تباعاً على الاقتصاد التركي، ويضيف شنكولر لـ"العربي الجديد" أن الشارع التركي "بمعظمه" مستعد لدفع أي ثمن، مع تعاظم المقاطعة الشعبية لإسرائيل.

ويشير إلى أن بلاده "بما في ذلك خطاب الرئيس" لم تشر علانية إلى تجميد أو قطع العلاقات أو حتى تعليق المشروعات القائمة، طاقوية كانت أو استثمارية مع الاحتلال، متوقعاً أن يكون التصعيد بالموقف وتجميد العلاقات، بحسب التطورات على الأرض، كما أن السفير التركي لم يزل في تل أبيب.

وحول شكل الأثر وحجمه، يشير المتحدث إلى أنه خلال توتر العلاقات السابقة مع إسرائيل، لم يتأثر حجم التبادل التركي أو الاستثمارات، لكن هذه المرة، برأيه، الوضع سيكون مختلفاً وسيتراجع حجم التبادل الذي يصل إلى نحو 10 مليارات دولار، كما أن بلاده ستلغي، أو تجمّد على الأقل، المشروعات الاقتصادية، وبمقدمتها نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا، بعد إعلان الرئيس إلغاء زيارته إلى تل أبيب وإلغاء زيارة وزير الطاقة التركي، المجدولة سابقاً، خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

ويشير إلى تمدد الأثر إلى الدول الداعمة لـ"القتل والوحشية الاسرائيلية" سواء في القارة الأوروبية أو الولايات المتحدة.

توقعات بالتصعيد

ويقول مصدر خاص من حزب "العدالة والتنمية" لـ"العربي الجديد" إن "العلاقات اليوم مفتوحة على أكثر من صعيد واحتمال، فبالقدر الذي تحرص خلاله تركيا على فصل الملف الاقتصادي، يمكننا تذكّر توتر العلاقات التي وصلت إلى القطيعة وسحب السفراء مرتين خلال العقد الماضي، وكانتا بسبب العمليات العسكرية الاسرائيلية على غزة وحصار شعبها وقتل المدنيين"، متوقعاً أن يُسحب السفير التركي من تل أبيب "ربما بعد التظاهرة المليونية يوم السبت، التي سيحضرها الرئيس أردوغان ويلقي خلالها كلمة".

وفي حين يشير المصدر الخاص إلى أن السلع الاسرائيلية الاستهلاكية تكاد تكون نادرة في السوق التركية، يقدر حجم التبادل التجاري بين بلاده وإسرائيل بنحو 10 مليارات دولار، وهي مرشحة، كما أعلن السفير التركي الذي عُيّن أخيراً في تل أبيب، للوصول إلى 15 مليار دولار.

ويوضح أن التبادل التجاري لم ينقطع خلال فترات التوتر والقطيعة السياسية والدبلوماسية، بل زاد في بعض السنوات، وأن أهم صادرات بلاده هي المركبات والحديد والفولاذ والآلات والمعدات الكهربائية والصناعات البلاستيكية والملابس الجاهزة والأثاث المنزلي، في حين تستورد تركيا الوقود المعدني ومنتجات التقطير والآلات الميكانيكية، والميزان التجاري لصالح أنقرة.

ويتوقع الاقتصادي التركي أوزجان أويصال أن تأخذ الحرب الوحشية الاسرائيلية على غزة العلاقات الاقتصادية والسياسية إلى ما حدث في مؤتمر دافوس، وقت انسحب الرئيس اردوغان بعد مشادة مع شيمون بيريز، أو ما حدث عام 2014، خاصة على صعيد المقاطعة الشعبية التي بدأت تتعالى بعد وضوح الموقف الرسمي الذي رشحه للزيادة واستدعاء السفير وتجميد الاتفاقات.

ويشير أويصال خلال حديثه لـ"العربي الجديد" إلى استمرار إرسال المساعدات الغذائية والطبية إلى غزة عبر مصر وإمكانية زيارات رسمية "برلمانية" إلى غزة، معتبراً أن التظاهرة، التي دعا إليها حزب "العدالة والتنمية" الحاكم السبت، هي اكتمال شرعية الشارع للحكومة والرئاسة لتذهب إلى الأقصى مع إسرائيل.

ويقول إن الأمر الوحيد الواضح حتى اليوم هو تجميد اتفاقات الطاقة، ويضيف أويصال أن إسرائيل طلبت الاستعانة بتركيا، كشريك ثان، بعد مصر، لنقل الغاز إلى أوروبا، وكان من المفترض أن يزور الوزير ألب أرسلان بيرقدار إسرائيل هذا الشهر لمناقشة إمكانية شحن الغاز الطبيعي من الأراضي المحتلة إلى أوروبا عبر أنابيب مرورية في تركيا، وكذلك استخدام هذا الغاز لتلبية الاحتياجات المحلية لتركيا.

ويأتي ذلك بعد لقاء جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك مطلع الشهر الماضي، وإشارة أردوغان إلى إمكانية التعاون المشترك في مجال التنقيب عن مصادر الطاقة.

علاقة مضطربة منذ سنوات

ومرت العلاقات بين تركيا وإسرائيل بأطوار متباينة، تخللتها قطيعة بعد تأزّم إثر الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2008، لتتدهور وتصل إلى حد القطيعة، بعد اعتراض البحرية الإسرائيلية "أسطول الحرية" في 31 مايو/ أيار 2010، وقتل الكوماندوز الإسرائيلي عشرة ناشطين أتراك.

ما دفع أنقرة وقتذاك، لطرد السفير الإسرائيلي وجمدت التعاون العسكري وتبادل المعلومات المخابراتية وألغتا تدريبات عسكرية مشتركة، من دون أن يتم التطرق للاقتصاد أو وقف التبادل التجاري.

وبعد عودة العلاقات واستئناف التبادل الدبلوماسي عام 2016، صرح الرئيس أردوغان وقتها بأن "العلاقات الاقتصادية ستبدأ بالتحسن"، ثم عاد التوتر عام 2018 من جديد في العلاقات بين البلدين، بسبب الموقف التركي من العدوان الإسرائيلي في غزة، لتصبح العلاقات الدبلوماسية بينهما على مستوى القائم بالأعمال، قبل أن تنتعش خلال العام الأخير.

وكان حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وتركيا في العام 2002 وقت وصل حزب "العدالة والتنمية" للسلطة بتركيا، 850 مليون دولار سنوياً، كما لم تزد الاستثمارات التركية في إسرائيل عن 3 ملايين دولار، لكنها تعدت عام 2020 أكثر من 105 ملايين دولار، فيما تبلغ الاستثمارات الإسرائيلية بتركيا نحو 770 مليون دولار وفق إحصاءات عام 2020 وبيانات البنك المركزي التركي.

المساهمون