انحسار الطبقة المتوسطة في غزة وسط إعصار من الأزمات المعيشية

انحسار الطبقة المتوسطة في غزة وسط إعصار من الأزمات المعيشية

15 سبتمبر 2023
معاناة متواصلة من موجات غلاء للسلع الضرورية (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)
+ الخط -

تتآكل الطبقة المتوسطة في قطاع غزة بشكل متسارع ومتصاعد خلال السنوات الأخيرة في ظل الأزمات المعيشية والاقتصادية التي تعصف بالبقعة الجغرافية المحاصرة إسرائيليًا للعام السابع عشر على التوالي، وسط سيل من الأزمات المالية وشح السيولة النقدية التي ترخى بظلالها على الأسواق.

ووفق تقديرات مؤسسات المجتمع المدني في القطاع، فإن معدل الفقر بلغ 64% وهو أكثر بمرتين منه في الضفة الغربية، كما أن 33.8% من السكان يعيشون تحت خط الفقر المدقع، في الوقت الذي تعاني فيه 57% من الأسر الفلسطينية من انعدام الأمن الغذائي، أي ما يقارب 6 من كل 10 عائلات في القطاع.

وإلى جانب ذلك تقترب نسبة البطالة العامة من 50%، في حين ترتفع في صفوف الشباب إلى 60% وفي صفوف الإناث إلى 80%، علمًا أنها كانت عند بداية الحصار الإسرائيلي عام 2006 ومع بداية صعود حركة حماس إلى سدة الحكم تلامس الـ 30% فقط.

في الوقت ذاته، فإن لتلاحق الحروب الإسرائيلية وجولات التصعيد التي تزيد عن 10 معارك شهدها القطاع أثرًا بالغًا حيث دمر الاحتلال آلاف المباني السكنية والمنشآت الاقتصادية، وهو الأمر الذي أدى لانضمام آلاف الأسر لقوائم الفقر والفقر المدقع على مدار عقد ونصف العقد.

ويلعب غياب تطبيق الحد الأدنى للأجور دورًا رئيسًا في انحسار الطبقة المتوسطة، إذ لا تزيد التقديرات شبه الرسمية للأجور عن 10 دولارات في المتوسط بإجمالي شهري لا يتخطى حاجز 210 دولارات، في حين يبلغ الحد الأدنى المعلن عنه من قبل السلطة الفلسطينية 1880 شيكلاً إسرائيليًا. (الدولار=3.80 شيكلات إسرائيلية).

وعلى صعيد موظفي الحكومة في غزة التي تديرها حركة حماس، فإن الموظفين يتقاضون رواتب شهرية غير منتظمة خلال الشهور الثلاثة الأخيرة بنسبة 60% بحد أدنى 1800 شيكل، في حين يتقاضى الموظفون المحسوبون على السلطة أجورًا لا تتجاوز نسبة 80%.

ولعبت الإجراءات التي فرضتها السلطة الفلسطينية عام 2017 على القطاع دورًا في تعزيز تآكل الطبقة المتوسطة نظرًا لكون الموظفين هم الرافد الرئيسي للسيولة النقدية التي انحدرت بشكلٍ لافت وأثرت على الحركة التجارية والقدرة الشرائية لأكثر من مليوني مواطن.

وفي السابق، بلغ معدل التشغيل في القطاع الخاص 65% ووصل إلى 70%، في بعض السنوات فيما انخفض اليوم ليصل إلى 50% مع توقعات بانخفاضه إذا ما استمرت الظروف المعيشية والاقتصادية في غزة بفعل الحصار الإسرائيلي وتلاحق الحروب.

ووفقًا لبعض المعايير الدولية الصادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" ومؤسسات دولية أخرى فإن أي مواطن فلسطيني يتقاضى أجرًا أقل من 2200 شيكل، يتم التعامل معه على أنه في إطار نطاق خط الفقر، إلا أن المشهد في التعامل الحكومي والخاص يبدو مختلفًا.

في الأثناء، يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في غزة سامي العمصي إن حالة التآكل متصاعدة في الطبقة المتوسطة منذ سنوات وهو الأمر الذي يتضح في ارتفاع نسبة الفقر لتصل إلى 60% من صفوف نسبة السكان في الوقت الذي كانت نسبة الطبقة المتوسطة هي الأكثر في السابق.

ويضيف العمصي لـ"العربي الجديد" أن متوسط الأجور الشهرية في القطاع يتراوح ما بين 600 و800 شيكل إسرائيلي وهو ما يعني أن غالبية العاملين لا يقدرون على تلبية الحد الأدنى من احتياجات أسرهم الشهرية، في ظل غلاء المعيشة الذي أعقب الحرب الأوكرانية وجائحة كورونا.

ويشير رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال إلى أن حالة التآكل الحاصلة بالطبقة المتوسطة حولت الآلاف منهم ليصبحوا ضمن نطاق دائرة الفقر مع الخشية مع أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي لاحقًا لتحول المجتمع نحو طبقتين فقط طبقة غنية وهي محدودة، وفقيرة.

ويلفت إلى أن من بين مظاهر انحسار الطبقة المتوسطة ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع الفلسطيني في غزة، إلى جانب ظاهرة احتجاز الشهادات الجامعية لآلاف الطلبة الخريجين من الجامعات والكليات في القطاع، فضلاً عن التدني الكبير في الأجور.

ويؤكد أن الفئة الفقيرة هي الأكثر حضورًا في حالة القطاع خلال الأعوام الأخيرة نتيجة لعوامل الحصار الإسرائيلي وغياب فرص العمل وانسداد الأفق السياسي والاقتصادي، وصعوبة التشغيل وهو ما أسهم في جعل الفئة الفقيرة هي الأكثر من غيرها من الفئات بخلاف ما هو معتاد.

ووفق شبكة المنظمات الأهلية فإن السنوات الخمس الأخيرة شهدت تراجعًا في التمويل الدولي المقدّم للقطاع والمشاريع التي تخدم البرامج التي تستهدف الأسر الفقيرة والمحتاجة بنحو 45 في المائة فيما من المتوقّع أن ترتفع نسبة هذا التراجع في التمويل إلى معدّلات أعلى بحلول العام المقبل.

في السياق، يرى الصحافي والباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الفئة المتوسطة في المجتمعات تكون عادة من الموظفين في القطاع الحكومي والخاص والذين تكون رواتبهم جيدة بعض الشيء، إلا أن هذا التقلص في الطبقة المتوسطة يعود لعدم تلقي الموظفين الرواتب بشكل كامل.

ويقول أبو قمر لـ"العربي الجديد" إن الرواتب المصروفة في القطاع للقطاع الحكومي حالياً بشقيه المحسوب على غزة أو رام الله تتراوح ما بين 60 إلى 80% فقط، وبالتالي فإن هناك أزمة في الرواتب وغيابا في العلاوات والحوافز وعدم صرف بدل غلاء المعيشة.

ووفق الصحافي والباحث في الشأن الاقتصادي، فإن من أسباب التراجع في الفئة المتوسطة قلة السيولة المتوفرة في الأسواق وهو ما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين، حيث لا تتوفر هذه السيولة إلا مع فئة قليلة فقط من التراجع وأصحاب الأموال.

ويوضح أن هذا التآكل سببه الوضع الاقتصادي المتأزم في القطاع، والسياسات الحكومية المتمثلة في عدم صرف الرواتب والأجور كاملة وعدم مراعاة غلاء المعيشة في ظل ارتفاع معدلات التضخم، فضلاً عن عدم تدعيم الفئة المتوسطة وتعزيز أوضاعهم الاقتصادية.

ويشير إلى أن الكثير ممن كانوا مصنفين ضمن الفئة المتوسطة أصبحوا ضمن نطاق الفئة الفقيرة، فيما أصبحت نسبة الفئة المتوسطة حاليًا لا تتجاوز 25% فقط، وهي نسبة أقل بكثير من المعتاد حيث كان في السابق تتجاوز نسبة هذه الطبقة الثلث على اعتبار أنها تمثل عموم الشعب.