العراق: ثورة خبز على الأبواب

العراق: ثورة خبز على الأبواب

22 نوفمبر 2021
الخبز وجبة أساسية للعراقيين وارتفاع أسعاره يفاقم معيشتهم (كريم صاحب/فرانس برس)
+ الخط -

للشهر الثاني على التوالي، يتواصل في العراق ارتفاع أسعار الخبز إثر شح مادة الطحين (دقيق القمح) وزيادة أسعارها في السوق المحلية إلى الضعف، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة بسبب توقعات تراجع إنتاج القمح خلال الموسم الحالي لأسباب مرتبطة بقلة المياه وتراجع معدلات تساقط الأمطار الموسمية.

ومن نحو 17 دولاراً، ارتفع سعر كيس الدقيق زنة 50 كيلوغراماً إلى 30 دولاراً، وبأسعار أعلى للمنتجات الأكثر جودة من المادة نفسها، إذ وصلت إلى قرابة 50 ألف دينار (نحو 40 دولاراً)، وهو ما دفع أصحاب المخابز إلى رفع أسعار الخبز، فيما أقدم آخرون على تخفيض الوزن أو خلط الدقيق الجيد بآخر من نوعيات سيئة لتعويض فارق السعر.

مضاربة واحتكار
وأكدت وزارة التجارة العراقية، وهي المسؤول الأول عن الملف، أنّها تعتزم طرح معالجات سريعة لأزمة أسعار الدقيق على مكتب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، من خلال تشكيل لجان لمتابعة السوق المحلية وعمل المخابز، موضحة أنّ "هذه الأزمة مفتعلة لا أكثر ولا أقل، وأنّ الحكومة جادة في توفير الكميات اللازمة من الطحين داخل الأسواق لعدم إثارة أيّ هلع لدى المواطنين".

لكنّ مصادر حكومية في بغداد أكدت، لـ"العربي الجديد"، أنّ مضاربات بين التجار وعمليات احتكار تتورط بها شركات تجارية، أسهمت في شح مادة الدقيق من النوع المعروف بـ"صفر"، وهو الأكثر جودة، مقابل نزول كميات كبيرة من الدقيق عالي الشوائب. وأكدت المصادر، التي رفضت ذكر اسمها، أنّ الأزمة في طريقها إلى الحل بعد توفير كميات ضخمة من الدقيق سيتم الدفع بها إلى السوق.

تراجع إنتاج القمح
أما مستشار غرفة تجارة بغداد رحيم العتابي، فقال لـ"العربي الجديد" إنّ "العراق توقف عن استيراد القمح منذ عام 2018 معتمداً على إمكانياته الزراعية طيلة الفترة السابقة بشكل تام، بعدما بلغ الإنتاج المحلي من الحنطة (القمح) والشعير أكثر من 4.5 ملايين طن سنوياً".

وأضاف أنّ "هذه الأزمة ليست مفاجئة، وإنما كانت متوقعة منذ عام 2018، فجميع المؤشرات تركزعلى أنّ العراق سيشهد أزمة دقيق كبيرة، بسبب تقلص المساحات المزروعة حتى وصلت إلى النصف خلال الموسم الشتوي الحالي نتيجة لشح المياه، ما يعني أن العراق سينتج نحو 2.25 مليون طن من الحنطة فقط، في الوقت الذي تبلغ حاجته منها نحو 4.5 ملايين طن، ما يعني اضطراره لاستيراد أكثر من 50% من حاجته العام المقبل".

وحسب رحيم، فإنّ "العراق يعاني من عجز كبير في تأمين مفردات البطاقة التموينية التي من ضمنها مادة الدقيق، وهو بحاجة إلى استيراد أكثر من 1.5 مليون طن لتأمين المادة لما يقارب 8 أشهر فقط".

وأرجع ذلك إلى "السياسات الخاطئة وغير المبرمجة لأصحاب الشأن في الوزارات المعنية"، لافتاً إلى أنّ وزارة التجارة تحاول التغطية على فشلها بتوزيع وجبة أو وجبتين من مادة الطحين على المواطنين.

وحذر رحيم من تفاقم أزمة الطحين، لا سيما بعد إعلان وزارة الزراعة أنّ الغلة الزراعية لا تسد سوى 50% من حاجة العراق في السنة المقبلة، ما يعني أن قُرابة 40 مليون عراقي سيعانون من أزمة حقيقية في إمكانية الحصول على الخُبز الذي يُعد الغذاء الرئيسي للمواطنين.

"ثورة الرغيف"
ومن جهته، حذر عضو مجلس النواب المنحل عباس العطافي من اندلاع ما اسماه بثورة الرغيف في العراق.

وقال العطافي، في تصريح صحافي، إنّ "أزمة الطحين التي بدأت بارتفاع الأسعار وغياب الحلول الحكومية الحقيقة لمواجهة هذا الارتفاع ينذران باندلاع ثورة الرغيف في العراق، خصوصاً مع ارتفاع مؤشرات الفقر والبطالة في عموم البلاد".

وأضاف أنّ "الوضع الاقتصادي العراقي في تراجع كبير بسبب فشل السياسة الحكومية الاقتصادية والمالية، خصوصاً بعد قرارها رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار، الذي أثر بشكل كبير على المواطنين، وسبب زيادة كبيرة في أسعار جميع المواد الغذائية في الأسواق".

المستشار السابق في وزارة الزراعة عادل المختار علّل سبب انتقال أزمة الدقيق إلى العراق بارتفاع أسعار الأعلاف واستخدام مادة الطحين مادةً علفيةً.

وقال المختار، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "أسعار المواد الغذائية ارتفعت بشكل عام في العالم، ما أدى إلى ارتفاع سعر مادة الطحين المستورد"، مشيراً إلى أنّ "السوق العراقية تعتمد بشكل تام على الطحين المستورد الذي تأثر كثيراً بارتفاع سعر صرف الدولار".

وأضاف أنّ من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى حدوث أزمة الطحين في العراق "استخدام مادة الطحين مادةً علفيةً جيدةً نتيجة لارتفاع سعر الأعلاف، فضلاً عن سوء الإدارة في تقدير الحاجات للحبوب المحلية التي تملأ مخازن الحبوب".

وعن الحلول اللازمة لمعالجة أزمة الطحين، شدد المختار على ضرورة إعادة العمل بالمنشأة العامة للأعلاف والسيطرة على سوقها، وذلك لأنّ أزمة الطحين أصبحت مرتبطة ارتباطاً تاماً بالأعلاف الحيوانية التي ساهمت بشكل أو بأخر في الأزمة الأخيرة.

إغلاق مخابز
من جانبه، قال بسام الحيالي، وهو صاحب مخبز، لـ"العربي الجديد"، إنّه اضطر إلى إغلاق مخبزه وتسريح العاملين فيه، بسبب الارتفاع الفاحش في أسعار الدقيق وصعوبة الحصول عليه"، عازياً ذلك إلى احتكار التجار المتلاعبين بالأسعار مادة الطحين.

وأضاف أنّ "أغلب العائلات العراقية قامت بتخزين مادة الطحين بكميات كبيرة، السبب الذي ساهم أيضاً بشكل كبير بنقص الطحين في الأسواق".

ولفت إلى أنّ "المواطنين أصحاب الدخل المحدود هم الفئة الأكثر تضرراً في أزمة الخبز التي تمر بها المنطقة، لقلة البدائل وضعف حالتهم المادية".

المساهمون