الحرب تطاول رأس الرجاء الصالح: خنق اقتصاد الاحتلال

الحرب تطاول رأس الرجاء الصالح: خنق اقتصاد الاحتلال

18 مارس 2024
سفينة الشحن البريطانية "روبيمار" أثناء غرقها بعد استهدافها من الحوثيين (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- جماعة الحوثي اليمنية توسع عملياتها لاستهداف السفن الإسرائيلية، الأمريكية، والبريطانية في البحر الأحمر، العربي، والمحيط الهندي كرد فعل على الأعمال الإسرائيلية في غزة، مما يؤثر على الملاحة الدولية.
- الهجمات تسببت في تعطيل حركة الملاحة البحرية العالمية، مما اضطر السفن لاستخدام ممرات أطول وأكثر كلفة، مثيرةً مخاوف شركات الشحن والمؤسسات المالية بشأن سلاسل الإمداد.
- التداعيات الاقتصادية والقانونية تشمل ضربة للاقتصاد الإسرائيلي وتجارته مع آسيا، وتسليط الضوء على المخالفات القانونية للولايات المتحدة وبريطانيا بسبب القصف المتكرر لليمن.

في تطور لافت، قررت جماعة الحوثي اليمنية توسيع نطاق عملياتها التي تستهدف مرور السفن الإسرائيلية والمتجهة إلى موانئها من أي جنسيةٍ كانت، والسفن الأميركية والبريطانية، في البحرين الأحمر والعربي، لتشمل المحيط الهندي ورأس الرجاء الصالح الذي اتخذت منه سفن الملاحة الدولية ممراً بديلاً للشحن التجاري الدولي. 

وعزت جماعة الحوثي هذا التطور الذي انتهجته في التصعيد بعد نجاحها في فرض قرارها منع السفن الإسرائيلية من الملاحة في البحرين الأحمر والعربي، ونتيجةً لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب المجازر المروعة وحرب الإبادة الجماعية والحصار في حق سكان غزة.

وفي خطوة مهمة ومتقدمة أعلنت الجماعة بعد خطاب لزعيمها في 14 مارس/ آذار الجاري، عن توجّهها لمنع عبور السفن المرتبطة بإسرائيل حتى تلك التي تمر عبر المحيط الهندي، ومن جنوب أفريقيا باتجاه طريق الرجاء الصالح.

واعتبر الناطق الرسمي باسم الجماعة، محمد عبد السلام، أن تمادي العدوان الإسرائيلي على غزة فرض على اليمن الاتجاه نحو التصعيد بمطاردة السفن الإسرائيلية في المحيط الهندي، ومنعها من الإبحار باتجاه الرجاء الصالح، داعياً شركات الشحن الدولية المرتبطة بإسرائيل أن تأخذ هذا التصعيد بكل جدية، وأن تدرك أن أي سفينة لها صلة بإسرائيل عرضة للصواريخ اليمنية.

وبحسب مصادر مسؤولة في صنعاء، قد استبقت جماعة الحوثي خلال الأيام الماضية الإعلان الرسمي بتنفيذ ثلاث عمليات في المحيط الهندي باتجاه رأس الرجاء الصالح الذي يبعد أكثر من 5 آلاف كيلومتر عن أقرب منطقة تسيطر عليها القوات العسكرية البحرية التابعة للحوثيين. 

تغيير استراتيجي 

وتعليقاً على هذه التطورات المتعلقة باضطرابات البحر الأحمر قال الخبير في الشؤون البحرية علي هزاع، لـ"العربي الجديد"، إن رأس الرجاء الصالح كان خياراً صعباً ومكلفاً للغاية للملاحة البحرية والسفن الإسرائيلية والمتعاونة معها.

ولفت إلى كونه رأساً صخرياً يقع جنوب غربي دولة جنوب أفريقيا، حيث يتمثل مسار السفن عبره من الجنوب بدرجة رئيسية إلى الشرق من مدينة كيب تاون العاصمة التشريعية لجنوب أفريقيا التي يبعد عنها رأس الرجاء الصالح بنحو 140 كيلومتراً.

ووفق خبراء اقتصاد يمنيين فإن إعلان سلطة صنعاء نقل المعركة من البحر الأحمر وخليج عدن إلى المحيط الهندي والمنطقة المحاذية للقرن الأفريقي التي تمر منها السفن القادمة والمتجهة من رأس الرجاء الصالح وإليه، بمثابة تغيير استراتيجي في مسار المعركة التي تخوضها صنعاء ضد السفن الإسرائيلية، والهدف منه إطباق الحصار على الملاحة الإسرائيلية، وذلك في إطار الضغط اليمني على الاحتلال بهدف وقف الحرب ورفع الحصار عن قطاع غزة.

ويشير هزاع إلى أن التطورات الأخيرة ستؤدي إلى ارتفاع جديد في تكاليف شحن الحاويات وتأخير تسليم البضائع، إضافة إلى تبعات ما يحدث في البحر الأحمر وخليج عدن، فقد يسبّب كل ذلك اضطراب سلاسل التوريد العالمية وتعطيل الموانئ الإسرائيلية التي تتكبد خسائر فادحة. 

استهداف اقتصاد الاحتلال 

الباحث الاقتصادي رشيد الحداد ينقلنا إلى نقطة أخرى، فيقول في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد": رغم تأثير عمليات البحر الأحمر وخليج عدن على اقتصاد إسرائيل، سيكون للتطور الجديد في المعركة أضرار كبيرة على اقتصاد الاحتلال الذي يستمر في عدوانه وحصاره لقطاع غزة.

كما يأتي ذلك بالرغم من الخسائر التي تتكبدها التجارة الإسرائيلية نتيجةً لتأخيرات تصل إلى 3 أسابيع إضافية، وتكاليف شحن إضافية بفارق 6 آلاف دولار لكل حاوية.

ويضيف الحداد، أنه مع منع السفن المرتبطة بإسرائيل من عبور الرجاء الصالح ستكون تجارة الكيان مع آسيا والتي تمثل نحو 60% من تجارته قد توقفت تماماً، وهذه الخطوة تمثل ضربة قاصمة لاقتصاد الاحتلال الإسرائيلي، وستظهر آثارها خلال الأسابيع القادمة.

ونفذت جماعة الحوثي منذ 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي 2023، نحو 70 عملية استهدفت فيها السفن التجارية وناقلات النفط في البحرين الأحمر والعربي منها حوالي 40 عملية أعلنتها رسمياً.

في حين سبّبت هذه العمليات تعطيل أكثر من 15% من حركة الملاحة البحرية العالمية، الأمر الذي دفع شركات الملاحة العالمية إلى اتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفة حول أفريقيا. 

مخاوف الشحن العالمي 

تبدي مؤسسات مالية واقتصادية وشركات الشحن التجاري مخاوفها من تفاقم أزمة جديدة في سلاسل الإمداد بسبب ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب والذي أدى إلى تعليق شركات الشحن الكبرى، منها ميرسك، وهاباغ لويد، عملياتها عبر قناة السويس لتجنب طريق البحر الأحمر.

وتعيد الشركات توجيه السفن حول طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف 3000 إلى 3500 ميل بحري (5500 إلى 6500 كم) وسبعة إلى 10 أيام إبحار لرحلة معتادة بين أوروبا وآسيا.

ويمكن أن تستوعب المسافة الإضافية ما بين 700 ألف إلى 1.9 مليون حاوية قياسية مكافئة (وحدات شحن تعادل عشرين قدماً) من سعة الشحن بحسب التقديرات.

كما تنعكس التكاليف الإضافية للرحلة حول رأس الرجاء الصالح - والتي تشمل ما يصل إلى مليون دولار من الوقود لكل رحلة ذهاباً وإياباً - في ارتفاع أسعار الشحن.

وفق بيانات حديثة، سبّبت الهجمات التي قام بها الحوثيون في البحر الأحمر، ضد السفن المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي، أكبرَ تحويل لمسارات التجارة الدولية منذ عقود، مما أدى إلى ارتفاع التكاليف وطول أمد الرحلة في ما يخص شركات الشحن في الأماكن البعيدة مثل آسيا وأميركا الشمالية، وهدد بحدوث تداعيات اقتصادية على سلاسل التوريد العالمية.

وفي الوقت الذي تجد فيه أكثر من 500 سفينة حاويات صعوبة بالغة في الإبحار عبر البحر الأحمر من قناة السويس وإليها واستخدام ممرات أخرى مكلفة للغاية؛ لم تنجح الضربات الانتقامية المتكررة من الولايات المتحدة وحلفائها، فضلاً عن العملية البحرية المتعددة الجنسيات للقيام بدوريات في المياه، في إيقاف هجمات الحوثيين التي تقول الجماعة إنها تقوم بها رداً على عمليات الإبادة الجماعية في غزة. 

جوانب قانونية 

تحتل الممرات المائية في المنطقة، بحسب خبراء اقتصاد ومختصين في الشؤون البحرية، مساحة واسعة من الاهتمام نظراً إلى طول الساحل اليمني الممتد إلى أكثر من 2000 كيلومتر.

إضافة إلى إطلال اليمن على مضيق باب المندب الممر الرئيسي للسفن العملاقة الناقلة للنفط مما يجعل حجم نشاط الملاحة البحرية في اليمن كبيراً حيث تمر قرابة 20 ألف سفينة سنوياً في المياه الإقليمية اليمنية تدخل منها ما بين (3000- 3500) سفينة إلى الموانئ اليمنية.

بدوره، يتطرق المستشار القانوني محمد عباس، في هذا الصدد لـ"العربي الجديد"، إلى نقطة مهمة في هذه الأحداث المتصاعدة في الممرات المائية وتدخل أميركا وبريطانيا في قصف عدد من المناطق اليمنية بين وقت وآخر رداً على هجمات الحوثي، بالإشارة إلى أنهما ترتكبان مخالفات لأنظمتهما البرلمانية، وتتجاوزان القوانين التي تطبقها هاتان الدولتان، وتستهدفان اليمن من دون العودة كما تنص قوانينهما في مثل هذه الحالات إلى مجالسهما البرلمانية.

وبحسب عباس يضعها هذا الأمر في موضع المساءلة من المشرعين البرلمانيين، خصوصاً أنهما لم تتخذا أي موقف تجاه العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة بعد وصول ما ترتكبه من مجازر وحرب إبادة جماعية إلى محكمة العدل الدولية.

الجدير بالذكر أن عمليات المحيط الهندي تُربك قوات حماية "الازدهار" في البحر الأحمر وخليج عدن وفق الباحث الاقتصادي رشيد الحداد، الذي أكد أنه في حال تصعيد عمليات تحالف حماية الازدهار، فستعلن صنعاء استهداف مزيد من السفن التجارية الأميركية والبريطانية، ثم تعقيد الأمور وتعطيل مزيد من الإمدادات التجارية.