"البروباغندا" والحرب في الشرق

"البروباغندا" والحرب في الشرق

18 ابريل 2024
تعتمد إسرائيل على البروباغندا، 22 فبراير 2024 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- إسرائيل تبرر اعتداءاتها على المدنيين بالدفاع عن النفس، وتستخدم الحرب النفسية وأساليب البروباغندا لتقديم نفسها كضحية، مع توقف مؤقت للقتال في غزة بعد هجوم إيراني.
- البروباغندا الإسرائيلية تواجه تحديات بسبب الإعلام الجديد والروايات المختلفة من الشباب العرب والمسلمين، مما يؤدي إلى ردود فعل دولية متباينة وتعقيد الوضع الدولي.
- الهجوم الإيراني يكشف عن تغير في القوة العسكرية بالمنطقة، مما يثير تساؤلات حول الدعم الدولي لإسرائيل ويعمق الأزمة الإقليمية، مشيراً إلى إمكانية تصعيد التوترات أو البحث عن حلول سلمية.

إسرائيل دولة تحب الخوف، ولا شيء يمنحها بسهولة الثقة والاطمئنان. وادعاؤها أنها تعتمد على ذاتها في الدفاع عن نفسها قد عُبِّر عنه بالاعتداء الصارخ على الأطفال والنساء من المدنيين. وأنها لما هوجمت بالمسيرات والصواريخ من داخل إيران توقفت كلية عن القتال في غزة لمدة تقارب خمس ساعات، ولكنها عادت إلى ذلك فوراً بعد إعلان إيران على لسان بعثتها في الأمم المتحدة إنهاء حملتها على إسرائيل.

ولا شك أن إسرائيل بقيادة حكومتها الحالية تستخدم الحرب النفسية، والكذب، ودس المعلومات، والصور من أجل تسجيل نقاط ضد أعدائها. ولعل أكثر ما يضحك فعلاً هي صورة لرئيس حكومتها وهو واقف عابساً أمام طائرة مقاتلة في أحد المطارات العسكرية وهو يرتدي جاكيتاً جلدية على غرار بعض الصور الترويجية لـ "توم كروز" في فيلم " توب غَن Top Gun". على الأقل ممثل هوليوود طيار مرخص، أما نتنياهو فهو يفهم في الطيران قدر معرفته بجغرافيا كوكب أورانوس.

وإسرائيل تطبق هذه الأيام في دعايتها العسكرية نفس الوسائل الكلاسيكية التي فَصَّلها كل من الفرد واليزابيث لي Alfred and Elizabeth Lee في كتابهما الموسوم "الفن الرفيع للبروباغندا" المنشور عام 1939. أي قبيل انفجار الحرب العالمية الثانية. ومن أهم هذه الوسائل كيل الشتائم لقادة الدول، التعميمات الرنانة، التمويل Transfer، والشهادات الكاذبة، والكلام البسيط لمخاطبة الجماهير، وتجميع الحقائق بشكل يؤدي إلى النتيجة التي تريدها، أو اللجوء إلى ما يسمى باللهجة العامية المصرية " الجمهور عايز كده".

وببساطة، فإن تعريف البروباغندا هو "نشر المعلومات والحقائق، والجدليات، وانصاف الحقيقة أو الكذب من أجل التأثير على الرأي العام من خلال نشرها عبر وسائل الإعلام الغربية التي تقع في دائرة النفوذ الصهيوني، فإنها تلجأ إلى نفخ هذه المعلومات أو الحقائق، وتجسيدها بالتحليل على من يُسَمّون بالخبراء والمختصين لإيصال هذه الأباطيل على أنها حقائق غير قابلة للنقض أو الجدل. ويقصد بهذه الآراء إقناع الجمهور الإسرائيلي بصوابيتها بقصد الطمأنة، والجمهور في الدول المعادية بهدف كسر المعنويات.

ولكن إسرائيل ومن يؤيدونها إبان حرب غزة لم يجدوا الفضاء الإعلامي فارغاً إلا منهم، بل وجدوا فيه من ينافسهم على مساحته، ويسرق منهم المشهد. فالشباب العرب والمسلمون والأفارقة وحتى الشباب الجديد المتحرر من سجن الأفكار الصهيونية المتراكمة لم يقبلوا أن يبقوا صامتين.

ورغم كل مساعي شركات التواصل الإلكتروني العملاقة، والتي يتحكم فيها رأس المال الصهيوني، إلا أن هؤلاء الفتية قدموا رواية مختلفة وبأساليب متطورة ما أربك الإسرائيليين والسياسيين في دول الغرب. ولردود فعل الدول الغربية أنماط محنطة لا تحيد عنها، ونحن نذكر ردود فعل ساسة الغرب بعد عملية السابع من شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023. لقد دانوا المقاومة بأسلوب فج بعيد عن الرقي في ألفاظه وجمله، ودانوا ونافقوا إلى درجة مقززة.

ولما أحرجتهم الحكومة الإسرائيلية وجيشها بأعمالهم الهمجية في التدمير والقتل، بدأوا يتراجعون إذعاناً لمطالب جماهيرهم في بلدانهم، وبسبب الخشية على مصالحهم. ولما قامت إيران فجر الرابع عشر من شهر إبريل/ نيسان بإرسال 350 مسيرة وصاروخا إلى إسرائيل رأينا إدانة قاسية لإيران حتى من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، ومن قبل مستشار ألمانيا أولاف شولتز وغيرهم، علماً أنهم كانوا واثقين أن الضربة الإيرانية قادمة، وأن إيران لن تسكت على اعتداء إسرائيل على قنصليتها في العاصمة السورية ومقتل سبعة أعضاء بارزين من قوات الحرس الثوري.

وعند انتهاء المعركة بدأت الدعاية المضادة وماكينتها بالعمل. وقد استخدموا فيها إثارة نقاط تظهر أن إيران قد قامت بهذه الهجمة الجوية على إسرائيل من أجل أن تخدم إسرائيل عن طريق إلهاء الناس عما يجري في قطاع غزة، وتحويل التعاطف في دول الغرب والعالم إلى إدانة إيران بدلاً من إسرائيل وحكومتها وجيشها، وإلى تعزيز الدور الإيراني في المنطقة.

وبمعنى آخر أن هناك مؤامرة متفقا عليها لتحقيق هذه النتائج، وفتح الباب أمام إسرائيل لتعود إلى التظاهر بأنها الضحية وليست الجلاد، وأنها هي بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها لإسقاط وسائل الهجوم الجوية الإيرانية قبل وصولها إلى الأراضي الإسرائيلية.

وبالتزامن مع هذا النقاش، بدأت لعبة البروباغندا بالأرقام. صحيح أن إيران أرسلت أكثر من 300 طائرة مسيرة وصاروخ، ولكن بفضل التعاون مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة فقد تم التصدي لنحو 99% منها. وبمعنى آخر، فإن عدد المتفجرات التي سقطت على إسرائيل هي أقل من أربعة، ووردت هذه الإحصائية على لسان رئيس الولايات المتحدة في المكالمة الهاتفية التي أجراها مع رئيس الحكومة الإسرائيلية.

والتي أراد أن يقنعه بها ألا يرد على الهجمة الإيرانية بسبب انتصار إسرائيل وفشل إيران. ولكن وسائل الإعلام ذكرت أن القذائف والصواريخ والمسيرات التي أطلقت على إسرائيل قد ضربت تل أبيب والقدس وايلات والجولان السوري المحتل والنقب. وهذه تتطلب على الأقل خمس وسائل. وتقول إيران بالمقابل إن 50% من الوسائل الهجومية الجوية التي هاجمت بها إسرائيل قد وصلت لأهدافها.

وملاحظ هنا أن البروباغندا الإسرائيلية في غزة لا تظهر عدد القتلى والجرحى الإسرائيليين رغم أنهم يقولون بالكلمات وليس بالصور أنهم على سبيل المثال قد قتلوا أكثر من مائتي مقاتل من حماس بعد احتلال مستشفى الشفاء دون أن نرى ولو صورة واحدة تثبت صحة ادعائهم. فلعبة التلاعب بالأرقام، إظهاراً أو إخفاء، تضخيماً أو تقليلاً، أو كذباً أو بعض الكذب لا يمكن الوثوق بها.

وبالمقابل، فإن إظهار أرقام الشهداء من أهل غزة على أساس يومي تراكمي، وأعداد الجرحى، وتفصيل الأرقام بين النساء والأطفال والرجال قد ساهم ومع الصور في إظهار حقيقة إسرائيل التي ترد بأن ارقام وزارة الصحة في غزة مبالغ فيها. والكذب بالأرقام والإحصاءات هو لعبة من أهم الوسائل للترويج ضد الأعداء ولدعم المعنويات لدى الشعب الذي تقوم حكومته بتقديم هذه الأرقام الكاذبة. ولكن الوقت دائماً كفيل بكشف الحقائق.

ولم أعلم عن حرب مورس فيها الدجل والكذب كهذه الحرب المستعرة منذ السابع من أكتوبر من العام 2023 وحتى الآن. ولكن البروباغندا الإسرائيلية ومن يروج لها في الغرب أو الشرق ينسى بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها على الإطلاق. ومن المفيد الإشارة إليها. أولها أن اسرائيل هوجمت مرتين في أراضيها، الأولى كانت في السابع من أكتوبر وقد غطت جزءاً في غلاف غزة، ولكن مع تطور المعارك طاولت صواريخ المقاومة في غزة معظم الأراضي الإسرائيلية.

أما المعركة المحدودة (حتى الآن) والتي بدأت ليلة الرابع عشر من إبريل 2024 وانتهت بعد أقل من خمس ساعات فقد طاولت كل الأراضي الفلسطينية بدون استثناء. وأهمية الهجوم الإيراني للانتقام للهجوم الإسرائيلي على قنصلية إيران في دمشق تؤكد حقيقة مرعبة، وهي أن إيران التي ربما طورت طاقتها العسكرية بإنتاج قنابل نووية قد أصبحت قادرة على الوصول لإسرائيل.

وهذا يخلق معادلة رعب جديدة تذكر قادة إسرائيل وحتى الدول العربية بأن إيران لديها القدرة والمعرفة لإيصال أسلحة مدمرة وفتاكة إلى عقر إسرائيل التي تبعد عنها ألف ومائة كيلومتر جوي. هذا في رأيي هو التغير الاستراتيجي الأساسي.

أما الحقيقة الثانية فهي التساؤل عن ماذا كان سيحصل لو أن أميركا وبريطانيا وفرنسا تركت إسرائيل وقبتها الحديدية لتدافع وحدها عن نفسها؟ هذا البديل المرعب سيقض بعض المضاجع في إسرائيل.

أما الحقيقة الثالثة المتعلقة بنتيجة ما جرى على الوطن العربي فهي أننا قد وقعنا في حلقة شيطانية مرعبة، وهي أننا أصبحنا ضحية للغرب وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى. فإيران لم تتردد في تهديد الدول العربية التي هاجمت وسائلها الهجومية على اسرائيل وبخاصة الأردن. الوضع يزداد تعقيداً. وتفجير الأزمة بأبعاد أشمل وأعمق قد ينتهي إما بالتصعيد وزيادة الضغوط على الوطن العربي الشرقي كله، أو بالسير في عملية سلام مقنعة تؤدي إلى إنهاء النزاع بالطرق السلمية.