الأزمات تطحن السودانيين: الحرمان يطاول سلعاً وخدمات أساسية

الأزمات تطحن السودانيين: الحرمان يطاول سلعاً وخدمات أساسية

11 سبتمبر 2021
ركود في الأسواق نتيجة التضخم (خالد الدسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

أصوات السودانيين تعلو. الغلاء يتضاعف يوماً بعد يوم. السلع الأساسية تختفي من الأسواق والخدمات تزيد رداءة. البطالة تتزايد باطّراد، والعوز يطرق أبواب عدد كبير من الأسر التي هبطت قدراتها الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.

تبين النشرة الشهرية للجهاز المركزي للإحصاء أن معدل التضخم في السودان بلغ 422.78 في المائة خلال يوليو/ تموز الماضي، مقارنة مع 412.75 في المائة في يونيو/ حزيران. وقال الجهاز إن التضخم المتصاعد إلى مستويات غير مسبوقة يعود إلى ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 272.59 في المائة.

الوضع لا يمكن وصفه بأقل من كارثي. حتى وزيرة المالية السابقة هبة محمد علي شكت من عدم كفاية راتبها حتى نهاية الشهر فيما يغوص المواطن العادي في أزمات قاسية. "العربي الجديد" قامت بجولة ميدانية، لتنقل مشاهد من الأزمة المستفحلة، وشكاوى من المواطنين الذين يواجهون مشكلات تتزايد صعوبة.

الغلاء يبتلع الرواتب

وتقول فاطمة عبد الله، وهي ربة منزل، إن "الغلاء أصبح لا يطاق وزيادة الأسعار في السلع والاحتياجات الاستهلاكية اليومية تفوق مقدرتنا".

وتضيف أن "الأسعار ترتفع بسرعة جنونية ونحن مجبرون على الشراء، فيما يعيش المواطن هاجساً يومياً يدور حول كيفية الحصول علي الضروريات". وتتابع: "أسوأ ما في الأمر أننا دخلنا العام الدراسي الجديد بكل متطلباته القاسية على ذوي الدخل المحدود".

تلقي فاطمة اللوم "على الحكومة، فهي مسؤولة عما يحدث في السوق من فوضى في زيادة الأسعار وسط ضعف الرقابة وزيادة الضرائب والقيود التي تفرض على التجار".

يشرح ابا ذر أحمد الذي يعمل في وظيفة حكومية أن "الحال يُغني عن السؤال، وسوء الأوضاع المعيشية لا يمكن أن تتجاهلها العين، والغلاء يضرب كل سبل المعيشة". ويضيف أنه "بالرغم من الزيادة في الأجور إلا أن الغلاء يبتلع كل الراتب الشهري في غضون يومين او ثلاثة، لتظل المعاناة قائمة ويصاحبها تضاعف في أسعار المواد الاستهلاكية بشكل يومي".

ويلفت إلى "زيادة تعرفة المواصلات التي يمكن أن تهضم الراتب كله، فيما لا تكفي المداخيل لتأمين تكاليف العلاج". ويواصل شكواه قائلاً إن "الوضع في السودان لا يطاق وأقل سبل العيش الكريم غير متوفرة وأصبحت الحياة عبارة عن دوامة كبيرة من المعاناة".

لم يستطع إبراهيم التوم، الذي يسكن بالإيجار في منطقة تقع جنوب مدينة أم درمان، سداد ما عليه من التزامات مالية تجاه مالك المنزل، ما دفع الأخير إلى طرده وأطفاله. والتوم موظف يشغل منصبا رفيعا في الحكومة، إلا أن راتبه لم يعد يكفي لسداد ما عليه من التزامات من أكل وشرب وتعليم وصحة.

يشرح لـ "العربي الجديد" أنه عجز عن التوفيق بين كل هذه المتطلبات رغم زيادة راتبه 50 ألف جنيه (ما يعادل 110 دولارات)، إذ كان يدفع 10 آلاف جنيه للإيجار في مقابل راتبه الذي يعادل 20 ألف جنيه.

الأزمة تطاول الدواء

المواطن إسماعيل الزين لم يتمكن من دفع قيمة الدواء التي تبلغ 20 ألف جنيه (ما يعادل 50 دولاراً) فيما يرى طفلته ذات الخمسة أعوام تغالب الآلام.

اضطر إلى بيع هاتفه الجوال إلى أقرب شخص يقف بجواره أمام الصيدلية ليتمكن من دفع ثمن الدواء. طفلته الصغيرة تعاني من مرض عضال أنهك جسمها وتحتاج كل فترة إلى زيارة الطبيب لإجراء بعض الفحوصات.

يقول إسماعيل إنه "واقع مرير بقي يتعايش معه إلى أن فقد كل ما لديه من أثاث في المنزل رغم التكافل الذي يتميز به المجتمع السوداني". يتابع أنه "تعب من تسول كلفة العلاج". علماً أنه "موظف في الحكومة السودانية منذ عشر سنوات إلا أن راتبه لا يتعدى 15 الف جنيه (حوالى 40 دولاراً) لا يكفي أسرته الصغيرة المكونة من ثلاثة أبناء.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

يقول آخر إحصاء حكومي إن نسبة البطالة بين الشباب ارتفعت إلى حوالي 34 في المائة. هذه النسبة يراها كثيرون غير حقيقية نسبة إلى زيادة عدد العاطلين من العمل وتوسع نطاق العمالة الهامشية في البلاد، إضافة إلى تزايد الهجرة الاقتصادية بحثاً عن حياة أفضل في بلاد أخرى. بالنسبة لفيصل إبراهيم فإن الـ18 شهرا الماضية كانت جحيما لا يطاق.

وفيصل عامل بناء مؤقت يعتمد في معيشته على "رزق اليوم باليوم" وفق تعبيره، ما يعني أنه أحياناً يضطر للانتظار عدة ايام قبل الحصول على فرصة عمل في ورشة. ويشرح: "أغلقت البلاد خلال الأشهر الماضية بسبب كورونا، وأوقفت السيول والفيضانات في العام الماضي العمل".

ويشير إلى انه مع بداية العام الحالي ارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة مخيفة وهو ما جعله يدخل في موجة استدانة من متجر البقالة، وهو الآن غير قادر على الخروج من دائرة الديون.

ويصمت فيصل قليلا قبل ان يصف مأساة العمل في قطاع البناء بقوله: "بعد انهيار المنازل إثر سيول وفيضانات العام الماضي توقعنا انتعاش العمل في بداية العام الحالي، لكن الأسعار في مواد البناء والتشييد ارتفعت بمستويات خيالية وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى ركود سوق البناء".

انعكاسات متشعبة

بدوره، يقول آدم عبد الرحمن، وهو صاحب متجر للبيع بالتجزئة، "نحن مثل المواطن نفاجأ بزيادة الأسعار كل صباح وأحيانا نبيع بعض السلع بسعر وعندما نذهب لشراء كميات بديلة نجد سعرها قد تضاعف، مما جعلنا نتوقف عن توفير بعض الحاجيات حتى لا يصبح لدينا عجز في رأس المال". ويلفت إلى أنه "صحيح أن المواطن يقلق من زيادة أسعار احتياجاته الاستهلاكية لكن هذا ليس ذنبنا، هذه الزيادة سببها تجار "الجملة" الذين يربطون السعر بالاستيراد، إلا أنه حتى المنتجات المحلية يزداد سعرها بشكل يومي، ويبرر تجار الجملة ذلك بارتفاع سعر الدولار وارتباطه بمدخلات الإنتاج".

كان المستهلكون يفاوضون قبل شراء السلعة، ولكن تلك الظاهرة اختفت، حيث تقلصت الاحتياجات الى الضروريات فقط

ويقول التاجر محمد الفضل إنه في السابق كان المستهلكون يفاوضون قبل شراء السلعة، ولكن تلك الظاهرة اختفت، حيث تقلصت الاحتياجات الى الضروريات فقط مثل الشاي والسكر والزيت والبصل والخضروات، حيث لا يوجد طلب على الكثير من السلع، ما أدخل تجارا في أزمة كساد يطاول العديد من السلع، دفعتهم إلى إغلاق متاجرهم.

تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد أدى إلى انفلات أمني كبير، وفق عدد من المتابعين. إذ ظهرت مجموعات مسلحة تعمل على سرقة المواطنين في الشوارع. لقب هذه المجموعات "9 طويلة"، ومهمتها نهب الهواتف النقالة من أيدى المواطنين في طرقات العاصمة.

كما تنشط مجموعات مسلحة تحمل سواطير وسكاكين وتعمل على ترويع المواطنين داخل منازلهم وفي وضح النهار، ما جعل الكثيرين يرجعون تلك الظاهرة الغريبة عن المجتمع السوداني إلى الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.
مطالب بخطة إسعافية   
يقول الناشط الاجتماعي جمال الطاهر لـ "العربي الجديد" إن "الغلاء طحن المواطن، الرقابة غائبة، الإنتاج متوقف، والحكومة لا تكترث لكل هذا وكأن الأمر لا يعنيها في شيء". ويضيف أن "كل ذلك أثر على الأوضاع المعيشية للمواطنين".

ويتابع أن "هناك أزمة اقتصادية عامة على مستوى العالم بعد كورونا، ولكنها في السودان الأسوأ، مثلا هنالك بعض الدول التي وضعت حلولاً مع تحريك عجلة التنمية الاقتصادية وضبط الأسواق، وكان على حكومة السودان اتباع نفس النهج لتخفيف الضغط عن المواطن الذي يعاني من غلاء المعيشة، إلا أن ذلك لم يحدث".

من جانب آخر، يلفت الطاهر إلى أن "ما تمر به البلاد من تضخم وانخفاض لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأخرى سيؤدي إلى كارثة اقتصادية كبرى لا يمكن السيطرة عليها، لذا على الحكومة تدارك الأمر بوضع خطة اقتصادية إسعافية".

ومنذ نهاية العام 2019 إلى بداية العام الحالي 2021 سادت توقعات بأن الوضع الاقتصادي السوداني سينهض من جديد مدفوعا بتشكيل حكومة جديدة مرورا بقيام مؤتمر دولي للمانحين، لكن كل ذلك تبخر وسط ارتفاع حدة الأزمات المعيشية، وتدهور المؤشرات الاقتصادية، وانفلات الأسواق في ظل غياب الإصلاحات.

المساهمون