أزمة المياه المتفاقمة تشعل غضب الشارع الأردني

أزمة المياه المتفاقمة تشعل غضب الشارع الأردني

23 ديسمبر 2021
تظاهرة سابقة احتجاجاً على اتفاقية المياه مع الاحتلال (فرانس برس)
+ الخط -

زاد إعلان النوايا الذي وقعه كلٌّ من الأردن والإمارات والاحتلال الإسرائيلي مؤخراً بشأن تبادل المياه والطاقة حالة الاحتقان التي يشهدها الشارع الأردني، وسط تردي الأوضاع الاقتصادية وتفاقم مشكلتي الفقر والبطالة وتداعيات جائحة كورونا.
كما سلطت هذه الخطوة الضوء مجدداً على ملف الاعتداءات على مصادر المياه والاختلالات الكبيرة التي يعاني منها قطاع المياه في الأردن منذ سنوات طويلة، وتسببت في تضاؤل حصة الفرد من المياه سنوياً ما دون المعدل العالمي بكثير.
وارتفعت وتيرة المطالبات للحكومة بوقف اعتداءات المتنفذين على مصادر المياه، والتي إن تمت معالجتها ستغني الأردن عن اتفاق النوايا مع الكيان الاسرائيلي.
إلى ذلك، يعتقد أعضاء في مجلس النواب الأردني ومراقبون أنّ الحكومة الأردنية نجحت في امتصاص الغضبة الأولى للشارع الأردني والبرلمان تجاه إعلان النوايا لمشروع الطاقة والمياه الذي وقعه الأردن، مؤخراً، ويضم أيضاً الإمارات والاحتلال الاسرائيلي.
ويتضمن الاتفاق تزويد الأردن بالمياه من إسرائيل بواقع 200 مليون متر مكعب سنوياً مقابل تزويدها بـ600 ميغاواط كهرباء سنوياً من خلال إقامة محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في الأراضي الأردنية.

وبحسب مراقبين، فإنّ إحالة اتفاق النوايا لمناقشته من قبل لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب، يعد بمثابة احتواء للاعتراضات النيابية والشعبية على المشروع، باعتباره عملاً تطبيعياً خطيراً وغير مسبوق مع الاحتلال، وكونه يتعلق بملفات استراتيجية لا يجوز أن ترهن للكيان الصهيوني.
وشهدت جلسة مجلس النواب الأربعاء الماضي، أجواء مشحونة وحالة غير مسبوقة من التوتر لدى مناقشة إعلان النوايا، أفضت إلى إحالة المشروع للجنة الزراعة والمياه لمناقشته وسط اعتراضات من قبل عدد من النواب.
وألمح مسؤول حكومي في سياق رده على استفسارات لـ"العربي الجديد" إلى عدم وجود توجه رسمي حالي لإعادة النظر باتفاق النوايا، وأنّ السير فيه سيتم وفق ما هو مخطط له ويرتبط الاستمرار به بنتائج الدراسات الخاصة به.
وقال المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، إنّ الأردن يعاني من مشكلات خطيرة في نقص المياه تستدعي البحث في كافة الوسائل المتاحة لسد النقص الحاصل، خاصة في مياه الشرب التي ارتفع الطلب عليها بشكل كبير في آخر 6 سنوات بسبب استضافة البلاد أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوري.
وقال رئيس الوزراء بشر الخصاونة: "يجب أن ندرك أنّ الفقر المائي الذي وصلنا إليه غير مسبوق، ويهدد مستوى ونوعية حياة أجيالنا في الحاضر والمستقبل، إذ تبلغ حصة الفرد في الأردن من المياه نحو 90 متراً مكعباً سنوياً لكلّ الاستخدامات، فيما يبلغ خط الفقر المائي المعروف دولياً 500 متر مكعب سنوياً". وأضاف أنّه في حال استمر الوضع المائي على ما هو عليه حالياً، فإنّ حصة الفرد ستصل إلى 60 متراً مكعباً سنوياً بحدود عام 2040 وفقاً لدراسات علمية وطنية ودولية موثوقة.

وقال إنّ تبادل المياه والطاقة وإعلان النوايا الذي وقعته الحكومة يقوم على مشروعين مترابطين ومتزامنين ومتلازمين لا يقام أحدهما دون الآخر، وجوهره بالنسبة للأردن هو توفير 200 مليون متر مكعب إضافية من المياه سنوياً إن ثبتت جدوى المشروعين. وأكد أنّ مشروع الناقل الوطني للمياه التي ستتم تحليتها من البحر الأحمر، والذي سينفذ بالكامل على الأراضي الأردنية لا رجعة عنه، وأنّ استكمال الأوراق الخاصة بهذا المشروع كاملة، إذ ستطرح عطاءاته قريباً جداً باعتبار هذا المشروع أولوية وطنية والحكومة ملتزمة به وفق المواقيت الزمنية اللازمة.
وكشف الخصاونة أنّ الكميات المتوفرة من تحلية المياه عبر الناقل الوطني ستمكن الأردن فقط من المحافظة على حصة الفرد الحالية من المياه مستقبلاً وحتى 2040، وهذه الكميات لا تكفي لزيادة المصادر المخصصة للزراعة والصناعة والسياحة، وهي قطاعات محركة للتشغيل والنمو، وبالتالي فإنّ حاجة الأردن إلى مصادر مائية إضافية لمواكبة احتياجاته المتنامية، وللتمكن من إحداث نمو في قطاعات اقتصادية حيوية، هي حاجة ملحة وآنية وقائمة، ومن هنا لا بدّ من تأمين مصادر مائية إضافية وضرورية وبسرعة.
من جانبه، قال الخبير في قطاعي الطاقة والمياه والنائب البرلماني، موسى هنطش، لـ"العربي الجديد" إنّ إحالة اتفاق النوايا للجنة الزراعة والمياه ما هو إلّا تهدئة للاعتراضات الكبيرة على المشروع من قبل مجلس النواب والشارع الأردني، وهو بمثابة نزع لفتيل الأزمة. ورجح هنطش أن تمضي الحكومة في هذا المشروع خلال الفترة المقبلة، رغم أنّ هنالك العديد من البدائل المتاحة والمتوفرة محلياً ومن أهمها تحلية مياه البحر الأحمر وهو لا يكلف الحكومة أيّ مبالغ، فقد تقدمت العديد من الشركات، وأبدت اهتماما بتنفيذ مشروع الناقل الوطني على نظام البناء الذي ينتهي بالتملك.
وقال إنّ مشكلة نقص المياه تكمن أيضاً في وجود اعتداءات كبيرة على مصادر المياه في الأردن، إذ إنّ 50% من المياه الجوفية معتدى عليها من قبل متنفذين وأصحاب مزارع ضخمة، فمثلاً في مزرعة واحدة يوجد 11 بئراً جوفية وتقوم على سحب كميات كبيرة من المياه.
وقدر خبراء ما يتم ضخه من المياه الجوفية لمزرعة مسؤول عربي في الأردن بأكثر من 200 مليون متر مكعب سنوياً، وهو ما يزيد عما سيحصل عليه الأردن من اتفاق النوايا، إضافة إلى الاعتداءات على مصادر المياه الأخرى. وقال النائب هنطش إنّ لجنة الزراعة والمياه ستشرع بمناقشة اتفاق النوايا هذا الأسبوع، ويفترض الاستعانة بخبراء في قطاع المياه وتحديد البدائل المناسبة لهذا المشروع.
وفي تصريح لرئيس لجنة الزراعة والمياه النائب محمد العلاقمة، قال إنّ من المقرر أن تبدأ المناقشات الأسبوع الحالي ليتم بعدها رفع توصيات إلى مجلس النواب، ومن ذلك تحديد مصادر المياه المتوفرة والمتاحة للأردن. لكن، بحسب مصدر مطلع لـ"العربي الجديد" فإنّ توصيات مجلس النواب وقراراته غير ملزمة للحكومة للأخذ بها، وهذا ما حصل في اتفاقية شراء الغاز من إسرائيل التي صوت على رفضها مجلس النواب سابقاً مرتين بالإجماع.

قال الخبير في قطاعي الطاقة والمياه والنائب البرلماني، موسى هنطش، لـ"العربي الجديد" إنّ إحالة اتفاق النوايا للجنة الزراعة والمياه ما هو إلّا تهدئة للاعتراضات الكبيرة على المشروع من قبل مجلس النواب والشارع الأردني


وما زاد حدة الاعتراضات على الاتفاق هو الانتقادات المباشرة والمبطنة التي صدرت عن رؤساء وزارات ومسؤولين سابقين ضد الحكومة الحالية، لإخفاقها في معالجة المشكلات الأساسية التي يعاني منها الأردن، ومنها النقص الحاد في المياه وإبرام الاتفاق رغم المعارضة الواسع له.
وأكد رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي، أنّ الأردن يعاني من حركة تقهقرية تنذر بأزمات عديدة.

وسبقه في ذلك رئيس مجلس الأعيان ورئيس الوزراء الأسبق فيصل الفايز، بقوله إنّ قلقه على الأردن اليوم يفوق ما كان عليه خلال أحداث الربيع العربي قبل عشر سنوات، وإنّ الناس لا تسأل عن السياسة وتريد تحسين الاقتصاد، منتقداً الحكومة على غياب الشفافية عن الاتفاق مع إسرائيل.
ورفع البنك الدولي من توقعاته حول نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للأردن في عام 2021 إلى ما نسبته 2.2%، بعدما توقع في تقريره نصف السنوي لربيع 2021 أن ينمو حول 1.4%.

وأشار البنك في تقريره لخريف 2021، إلى أنّ من المتوقع أن يشهد اقتصاد الأردن تعافياً تدريجياً من جائحة كورونا، إذ يتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2022 إلى 2.3%.
ووفق التقرير، يظهر الاقتصاد الأردني مؤشرات على الانتعاش التدريجي عقب الانكماش المعتدل بنسبة 1.6% في عام 2020. على عكس الاقتصادات الإقليمية الأخرى.

وقال التقرير: "يمكن أن يعزى هذا الانكماش الصامت نسبياً خلال العام الأول للجائحة إلى الاستجابة السياسية المتناسقة وفي الوقت المناسب من جهة الحكومة الأردنية إلى جانب الصدمة الإيجابية في معدلات التبادل التجاري التي لوحظ تأثيرها خلال الربع الأول من عام 2020. وعلى الرغم من التدابير الوقائية التقييدية تمكن الاقتصاد من النمو بنسبة 1.8% في النصف الأول من عام 2021".

المساهمون