نحو مقاومة ثقافية

نحو مقاومة ثقافية

23 أكتوبر 2023
طفل فلسطيني أُصيب خلال القصف الإسرائيلي على خان يونس، 19 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 (Getty)
+ الخط -

إجماعٌ على واجب المقاوَمة الثقافية. هذا ما ذهبت إليه أفكار كتّاب ومثقّفين عرب من مختلف الأجيال والمشارب ممّن استطلعت "العربي الجديد" آراءهم حول ما يُمكن للثقافة العربية أن تُقدّمه وما هي أدواتها لخدمة قضاياها، وفي طليعتها قضية تحرير الأرض والإنسان التي تدور رحاها الآن في فلسطين معمّدة بدم أبنائها.



وأنا أقرأ سؤالك عن أهمّية الفعل والحراك الثقافي في مواجه المشروع الصهيوني، فكّرتُ لوهلة: وأيّ سلاح آخر نملك؟ ربما تُحقّق المقاطعة تقدُّماً في بعض الأحيان. غير أنّ المقاطعة غالباً ما تكون وقتية، تبدأ ذروتها في أوّل الحدث ثمّ سرعان ما تضعف. ورغم أنّ مقاطعة المنتَج الداعم للمحتلّ لها أثر بالغ في تكبُّده الخسائر المادية، إلّا أنّها لا تُسهم بقدر كبير في نشر الوعي ومواجهة العالَم بحقيقة الاحتلال القاتمة.

في ظروف الضعف هذه، لا أتصوَّر أنّنا نملك سلاحاً نُواجِه به المحتلّ وعقلية المتعاطفين معه غير توجيه الدعم للقضية الفلسطينية ثقافياً، في الفنون والآداب، ومخاطبَة العالم بهذه اللغة المشتركة. فقد عمل المشروع الصهيوني، على مدار عقود، على مصادرة الثقافة الفلسطينية وانتحالها واستثمارها لصالحه أمام الغرب والعالم المتخاذل، في حين بقي الفرد الفلسطيني يقاوم بأدواته المتاحة، في الأدب والموسيقى والفنّ التشكيلي والسينما، ليقول أنا هنا، وهذه قضيّتي.

أمام المُنخرِطين في المجال الثقافي مسؤوليةٌ كبيرة في إعادة المروية الفلسطينية أدباً وفنّاً، بعدما سيطرت الماكينة الإعلامية الصهيونية على الرأي العام العالمي لعقود. وأتصوّر أنّ من الضرورة الإيمان بالثقافة أداةَ مقاومة ومدعاةَ حياة ووجود للقضية الفلسطينية وللإنسانية جمعاء.

قد يُخيَّل للمرء في لحظات ضعف أنّ هذا كلامٌ رومانسي لا جدوى من ورائه ولا يمكن تطبيقه في الواقع. غير أنّ التجربة تُثبت عكس ذلك، ولنا أمثلةٌ في ناجي العلي وغسّان كنفاني والكثير من الأسماء الأيقونية التي انتصرت للحقّ الفلسطيني بأداة الثقافة والفنون وكان لها بالغ الأثر.

للمقاومة الثقافية تأثيرٌ لا يمكن الاستهانة به. ولعلّ أبلغ دليل على ذلك هو ردود الفعل الغربية المعاكسة لدعاية حرية التعبير المزعومة وفق معايير انتقائية، ومحاربتها لكلّ ما هو ثقافي في لحظات مجنونة لا تفسير لها، مثلما حدث مع الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي وإلغاء "الجمعية الأدبية الألمانية" فعالية تكريمها في "معرض فرانكفورت الدولي للكتاب". والأمر ليس مستغرَباً ولا يُعدّ سابقة، فقد فوجئ الوسط الثقافي قبل حوالي سنتين بقرار إحدى الجامعات الأوروبية منع تدريس أدب الكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي كردّ فعل على الحرب الروسية الأوكرانية، ورغم أن الجامعة تراجعت عن قرارها بعد ذلك، فإنّ تلك المواقف تُبيّن حجم التأثير الثقافي على الرأي العام، وتسليطه الضوء على بقع يتعمَّد العالم تغييبَها.


* روائي من الكويت


هذه المادّة جزءٌ من ملفّ تنشره "العربي الجديد" بعنوان: "الثقافة العربية واختبار فلسطين... ما العمل؟".

لقراءة الجزء الأوّل من الملفّ: اضغط هنا

 

المساهمون