تعالوا أحدّثكم عن الإرهاب

تعالوا أحدّثكم عن الإرهاب

22 أكتوبر 2023
صلاة على الشهداء بـ"كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس" بسبب قصف الاحتلال، (Getty)
+ الخط -

كنتُ طفلًا ألعب أمام البيت مع أبناء الجيران، قطع لعبَنا سقوطُ صارخ أميركي بالقرب منّا. مارت الأرض تحتنا وقلوبُنا اكتوت برعب ما زلنا نتحسّس حرارته إلى اليوم. عدنا إلى بيوتنا مترنّحين مثل السكارى، لم نسمع حولنا غير كلمات متقاطعة. هكذا بدأت حياتنا في "العراق الجديد" الذي فتح ستارة مسرحه بسقوط الصواريخ والجثث الملقاة في الشوارع.

وأنا أُشاهد الحرب الهمجية على فلسطين من قبل الاحتلال الإسرائيلي والصواريخ التي تُطلقها طائراته لتدكّ البيوت والمستشفيات في غزّة على ساكنيها كيفما اتّفق، أتذكّر ذلك اليوم الذي كنتُ فيه بقرب النافذة ليلاً، ألصق الشبّاك بأشرطة لتجنُّب خطر تهشمه عند أيّ غارة، لكن سرعان ما انفجر الزجاج في وجهي، بعد سقوط صاروخ في الحيّ الذي أسكن فيه. غادرتُ الغرفة مُسرعًا بوجهٍ تَرك فيه الزجاج نتوءات منقوعة بالدم.

أُتابِع أخبار العدوان على فلسطين وأعيد النظرَ بشريط ذكرياتي عن حرب العراق، وأسأل نفسي: ما تفعله "إسرائيل" إرهاب، فأين الدول والمنظَّمات التي تدّعي محاربته من أجل أن يعمّ السلامُ العالمَ كما تزعم؟ لمَ لا أسمع مصطلح "الإرهاب" في هذا العدوان؟ أسمعه فقط يُطلَق على من يدافِع عن نفسه ويريد تحرير أرضه من احتلال امتدّ لـ75 سنة، ويغيب عن المحتلّ الذي ارتكب كلّ الجرائم ولم يكترث بشيء.

درسٌ يجعلنا نُعيد النظر في مفهوم حقوق الإنسان

هذا العدوان الإرهابي على فلسطين، والمدعوم من دول الغرب، كان بمثابة درس فلسفي عميق أعادَ لنا النظر في كل شيء: الليبرالية، وحقوق الإنسان، والأمن الجماعي، والإنسانية. صرنا نحذف أكثر ممّا نضيف، تفسّخت هذه المفاهيم في مقبرة الأفكار ولم تعُد رائحتُها تُطاق، صرنا نهرب من أنفسنا بحثًا عن أفكار جديدة تُشكّل لنا أرضيةً نقف عليها، بعيدًا عن تلقين الإعلام الغربي ومعلّباته الفكرية.

يؤرّقني مفهوم "الإرهاب" منذ بدأَ العدوان على غزّة: ما هي معاييره ومحدّداته؟ ولماذا لا يطلَق على الدول والأنظمة السياسية التي تمارٍس أعمالًا إرهابية؟ ولماذا لا يطلَق على الدول التي ترعى الجماعات الإرهابية؟ على سبيل المثال، تُعرِّف وزارة الدفاع الأميركية الإرهابَ بأنّه "الاستعمال والتهديد بالاستعمال غير المشروع للقوّة، أو العنف ضدّ الأشخاص أو الأموال غالبًا لتحقيق أهداف سياسية أو دينية"، وتُعرِّفه "وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية" بأنّه "التهديد الناشئ عن عنف من قبل أفراد أو جماعات"، وبعضُ الكتّاب الصهاينة يعتمدون على هذا التعريف، وغالبًا ما يكرّرونه في كتاباتهم: "الاستعمال المنتظم للعُنف من قبل أفراد أو جماعات أدنى من الدولة". وعلى هذا المنوال، تأتي بقيةُ التعاريف التي تتّفق على إخراج الدولة من هذا المفهوم.

هذه التعاريف محمَّلةٌ بأبعاد سياسية وأيديولوجية قائمة على "الـ نحن و الـ هُم"؛ فأنصار هذه السردية، وخصوصًا الولايات المتّحدة و"إسرائيل"، يطلقون مفهوم "الإرهاب" على كلّ ما يُهدّد العالم الغربي فحسب، ويعتبرون أعداءهم بالضرورة من البرابرة والهمجيّين، هؤلاء الذين هُم خارج سرب التحالفات ويخوضون معارك من أجل تحرير بلدانهم ومحاربة الاستبداد والاستعمار.

ولذلك كانت الدولة خارج مفهوم "الإرهاب"، فكلّ ما يصدر عنها لا يُعدّ عملًا إرهابيًا حتى لو قتلت الآلاف، وهشّمت رؤوس الأطفال وقطعت المياه والكهرباء، وألقت القنابل على المستشفيات، ومارست أعمالًا عنصرية وتطهيرًا عرقيًا، حتى لو قتلت 1688 طفلاً في أسبوعين فعلت في غزّة، حتى لو جرى وصف شعب كامل بأنّهم "حيوانات بشرية" ويجب أن يُعامَلوا وفق ذلك!

يظلّ مفهوم "الإرهاب" صامتًا مفقوء العينين، غاطًّا في سبات عميق، لا يقطعه سوى صوت رصاص المقاومة وحركات التحرّر، فيسارع الغرب إلى وصفها بـ"الإرهاب" في ماكيناته الإعلامية، بغية تجريد "الآخر" من إنسانيته وشرعيته، بينما يُضفي الشرعيةَ على استخدامه العنف ضدّ هذا الآخَر. وهكذا، نجد من خلال التعاريف السابقة كيف عملت الإدارةُ الأميركية على نحت تعريف يجعل الجماعات التي تخوض حربًا بالوكالة عنها في منأى عن هذا المفهوم.

بدأت هذه المحاولات منذ عهد حكومة الرئيس الأميركي رونالد ريغان (1911 - 2004)؛ إذ صيغ مفهومُ "الإرهاب" بهذا الشكل: إنّ "الإرهاب" شكلٌ من أشكال العنف السياسي غير الأخلاقي الذي لا يمارسه سوى "الآخرين"". إنَّ صياغة تعريفٍ جامعٍ مانعٍ يمكن أن يصنف أميركا كدولة إرهابية وداعمة للإرهاب، فممارساتها في فيتنام وأفغانستان والعراق تشكّل "إرهابًا من قِبَل دولة". وبناء عليه، ظلّ التركيز فقط على عنف الجماعات الصغيرة أو الأفراد، في حين جرى تجاهل العنف واسع النطاق من قِبَل الدول، على الرغم من أنّه أكثر أثرًا وانتهاكًا للقانون الدولي؛ الغائب الأبرز في تعريف "الإرهاب" بعد غياب الدولة، حتى تبقى مسألة انتهاكه خاضعةً للمزاجيات.

كانت الولايات المتّحدة تدعم أنظمة عديدة قائمة حول العالم من أجل احتواء الاتحاد السوفييتي، ولكن، وللمرّة الأُولى منذ بداية الحرب الباردة، كانت تدعم أيضًا العديد من الأطراف غير الحكومية لإسقاط الحكومات الموالية للسوفييت من أجل "تحطيم الشيوعية". كذلك دعمت عصابات الكونترا، وفي أفغانستان دعمت "المجاهدين" هناك، وفي كوبا العمليات التي نفذّها المناهضون لكاسترو، ودعمت شركة "بلاك ووتر" التي ارتكبت اعمالاً إرهابية في العراق، كذلك دعمت "إسرائيل" وأمدّتها بالسلاح والأموال لممارسة أعمال إرهابية ضدّ الشعب الفلسطيني كما يحدث الآن.

ومن أجل إيجاد مَخرج من هذا الحرج الذي يصمهم بإرهاب الدولة، ذهبت الولايات المتحدة إلى أنّ "الأعمال التي يرتكبها أفراد أو مجموعات تدعمها دولة، هي نفسها أفعال الدولة، وبالتالي لا ينبغي اعتبارها أعمالاً "إرهابية"، كما يمكن أن يلاحَظ، على ضوء التعريفات السابقة، الحرصُ الكبير على قضم قطعة كبيرة من التاريخ، بحيث يبدو التعريف حديثًا ولا يتّجه إلى الوراء، فتشمل دلالاته أعمالًا لا تُمحى من ذاكرة الشعوب، قامت بها البلدان الاستعمارية، فماذا يمكن أن يُسمّى الاستعمار الأوروبي للأميركيتَين والاعتداء على السكّان الأصليّين ومحوهم إن لم يكن إرهابًا بمفاهيم وقتنا الحاضر؟

كيف نسمّي الاستعمار الأوروبي للأميركيتَين وإبادة سكّانهما؟

والأنكى من ذلك، نجد أنّ "النازيّين الجدد"، وهي حركة متطرّفة وعنصرية بعيدة عن مفهوم الإرهاب، ونجد أنّ الإعلام الغربي يحاول خلق تبريرات تُحسِّن من صورة الجماعة التي ارتكبت أعمالًا وحشية ضدّ الانفصاليين من الشعب الأوكراني، على الرغم من اعتراف الجماعة بأنّها تتّبع أهداف ومبادئ الحركة النازية، وقد نالت الاعترافَ من قبل الحكومة الأوكرانية علنًا ورسميًا بصفة عناصرها مقاتلين. ومن المؤكَّد أنّ الدول الاستبدادية ترعى هذا المفهوم المبتسر والموارب وتضخُّ فيه الدماء لأنها تسعى إلى القفز على الحقيقة، وتحاول إلصاق تهمة الإرهاب فقط بخصومها المطالِبين بالحرية والعدالة، تأثّرًا بالإعلام الغربي وآليات مقاربته لمفهوم الإرهاب.

يقول كرس هدجز في كتابه "الحرب حقيقتها وآثارها": "إنّنا ننظر إلى الإسلام نظرة مشوًّهة تنطوي على عنصرية واضحة المعالم، وتصف جميع المسلمين بأنّهم ميَّالون إلى العنف ومعادون للتقدّم، فضلًا عن كونهم منغلقين في تفكيرهم. إنَّ التصدي لمثل هذه النظرة، وحتى محاولة فهم الظلم التاريخي الذي ارتكبناه بحقّ من يُعادوننا اليوم صار ضربًا من ضروب الخيانة الوطنية".

وبناءً عليه، ظلّ مفهوم الإرهاب عائمًا ومطّاطيًا بشكل متعمَّد ومحمَّلاً بدلالات سياسية وأيديولوجية، ومصداقيته يُحدّدها الطرف الأقوى، إذ بإمكانه أن يَعتبر ما يجري على أوكرانيا احتلالًا، وما يجري على الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض والتاريخ، دفاعًا عن النفس. لذلك تصدّرت الصحف ووسائل الأعلام الغربي كلمة "terrorism" بحقّ المقاومة الفلسطينية، وحاولوا شيطنتها من خلال بثّ كذبة أن المقاومة قطعت رؤوس الأطفال واغتصبت النساء... لكن الأكاذيب سرعان ما انكشفت، وما حاولوا إلصاقه بالمقاومة تمهيدًا لعملياتهم الإرهابية نراه أمرًا واقعًا عند المحتلّ الذي يدافعون عنه.

وما العجب؟ تأسّست الأمم المتّحدة على أساس القوّة وهيمنة الولايات المتّحدة عليها، وحتى نقاط التصويت والاعتراض وحق "الفيتو" مبنية على ذلك. لقد أصبح هذا الكيان يشبه الإله الذي يرى بعين واحدة، ولا يهمه أن يدير هذا العالم بالأكاذيب.

* كاتب من العراق

موقف
التحديثات الحية

المساهمون