خمس تكبيرات لغزّة

خمس تكبيرات لغزّة

19 أكتوبر 2023
رجال يحملون أحد الشهداء في حي الكرامة بمدينة غزة في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 (Getty)
+ الخط -

1

أستيقظُ على نداء إمام مسجد الحيّ العمّاني الذي أسكنه. يؤدّي صلاة الغائب على شهداء غزة عبر مكبّرات الصوت، ويستهلّها بالتكبيرة الأولى ثم يتلو الفاتحة على الشهداء الذين تجاوزوا الألفين وستمئة - ثلثهم من الأطفال تقريباً- حتى لحظة الكتابة؛ العدد الذي يرتفع كلّ لحظة في مقتلةٍ يحاصر فيها الفلسطيني ويُحرم الماء والكهرباء والغذاء بصمتٍ وتواطؤ دولي، ربما لم يحدث مثلها في التاريخ الحديث.

صورٌ ونشرات أخبار تتابع فاجعةً فاجعة، حيث يُدفع أكثر من مليوني غزّي إلى الموت في مساحة 365 كيلومتراً مربعاً. حقيقة تتجاهلها الولايات المتحدة وأوروبا اللتان تتعاملان مع بقعة جغرافية صغيرة منكوبة ومعزولة عن العالم منذ سبعة عشر عاماً، بوصفها دولة كبرى معادية بل وتبثّ "الإرهاب" في كل مكان!

مشهد ليس جديداً على بلدان تمتلك مقاييس خاصة لمفردات "التحضّر" و"التقدّم" و"التنوير" وغيرها من مشتقّات الحداثة التي لا تزال حكراً على المجتمعات الغربية، وتفسيرات خاصة أيضاً للمأساة الفلسطينية بانحيازات عمياء لـ"ضحايا" قتُل أجدادهم ووضعوا في الغيتو على يد أوروبيين لم يولدوا أو يتعلّموا أو يعيشوا في القدس أو القاهرة أو بغداد أو...

وحدةُ شعور وموقف في بلدٍ ترابطه مع فلسطين ليس مجرّد شعار

وتنضمّ فرنسا إلى شقيقاتها دفاعاً عن قيم العالم "الحرّ"، متناسيةً أنها انحازت إلى مصر وسورية في حربهما لاستعادة أراضيهما المحتلّة قبل خمسين عاماً بالكمال والتمام، والعراق في رفض الغزو البربري لأراضيه قبل عشرين سنة. لكن مع استثناءات قليلة، يسعى الغرب إلى تقسيم العالم إلى فسطاطين: مع "الإرهاب" أو ضدّه، ويتخلّى عن التعددية في الرأي والفكر والسياسة التي روّج لها منذ نحو قرنين..

ربما بات مطلوباً من "الإرهابيين" التمسّك بحقّهم في المقاومة، وبذل جهدٍ أكبر لإعادة خصومهم إلى الرشد، بالحدّ الأدنى الذي يستند إلى مبادئ القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان الذي شيّد منظومتها الخصمُ نفسه!


2

يرفع الإمام التكبيرة الثانية ويقرأ الصلاة الإبراهيمية. تمرّ في البال اثنتا عشرة من السنين العجاف نزلت خلالهما الجموع في بلدان عدّة تحتج على أنظمة عاثت فساداً واستبداداً منذ تأسيس دولة الاستقلال العربية، ودون الخوض في دوافع كلّ ما حصل ومآلاته، فإن هذه الشعوب تلقّت عقوبة تفوق أضعاف ما اقترفته من "ذنب" الخروج على الحاكم. 

يقع "طوفان الأقصى" في لحظة تزداد فيها جميع هذه الأنظمة شراسة واستبداداً ضدّ شعوبها، التي تتدهور أحوالها المعيشية والاقتصادية بشكل مريعٍ يتجاوز ما كانوا عليه قبل اندلاع انتفاضاتهم عام 2011، لكن ما زالت معظم جماهيرها مؤمنة بحقّ الفلسطيني بالتحرّر اليوم قبل غدٍ، وإن ضاقت مساحات تحرّكها سواء على الأرض أو في الفضاء الافتراضي.

يهتفُ العربي موطني موطني، وليس في باله إلا بلده وفلسطين

يهتف العربي: موطني موطني، وفي باله بلده وفلسطين. تلك حقيقة لا تقبل النقاش والتفاوض حولها، إلا أن هناك حقائق أُخرى تتعلّق بحرمان العربي من حقوق أساسية تتصل بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وبوجوده في دولة مستلبة منقوصة السيادة. تبدو معركة التحرّر أكثر تعقيداً في "موطني" وتستحق الكثير من الأسئلة الحرجة أيضاً.


3

تنطلق التكبيرة الثالثة يتبعها الدعاء لأهل غزّة وشهدائها، عبر مكبّرات المسجد. أستذكرُ الجموع التي خرجت الجمعة في وسط البلد بعمّان، الجمعة الفائت؛ عشرات الآلاف يسيرون رجالاً ونساء، شيباً وشبّاناً وأطفالاً تجمعهم صرخة واحدة نصرةً لفلسطين وأهلها الصامدين. عدسات الإعلام تحتفي بصورة جموع لم يلتفّوا منذ عام 2011، على أقلّ تقدير، متفقين على هدف واحد.

وحدةٌ في الشعور والموقف في بلدٍ لم يكن ترابطه مع فلسطين مجرّد شعار. في شرق النهر وغربه، نشأ أول الوعي السياسي مشتركاً منذ حوالي مئة عام، حيث كان لقوى اليسار حزب واحد في كلتا الضفتين، وللقوميين والبعثيين، وللإسلاميين أيضاً.. وهم ناضلوا طوال عقود في خنادقهم المختلفة وراء راية واحدة، ولم ينفصل الحزب الأردني الفلسطيني في كلّ واحد من هذه التيارات إلا بعد وقت طويل. 

ويفضّل الجميع في المعركة تناسي اختلافاتهم. ستحطّ الحرب أوزارها بعد زمن، تتضرّع فيه عجائز لا تمتلك غير إيمانها الفطري بقضيتها بألا يمتدّ طويلاً. ومن الطبيعي أن تعود الاختلافات في منطقة تتنازعها استقطابات قوى إقليمية تتصاعد حدّة التنافس بينها في وقت الحرب كما السلم، وتفترق تصوّراتها حول الماضي والحاضر والمستقبل!


4

يردّد الإمام التكبيرة الرابعة ويختم بالسلام. أنصتُ إلى فتى في المرحلة الإعدادية لم يغادرني بعد، حين تلقّى الهزيمة كاملة قاسية وموجعة عام 1991؛ عملية عاصفة الصحراء التي أسفرت عن قتل ما بين 70 و200 ألف في صفوف الجيش العراقي وأكثر من 200 ألف عراقي مدني، مع خسائر ضخمة في البنى التحتية أُنفق عليها مئات المليارات، ووَقع الحصار على العراق لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.

عرَف الفتى باكراً معنى الإحساس بالذلّ، وأن تصاب شعوبٌ بجروح لا تندمل فتجعلهم ينكرون الحقائق ويستسلمون لفكر المؤامرة. وتهرول القيادات السياسية بعدها إلى مفاوضات أقرّت حلولاً جزئية وأوهاماً كثيرة، ويدخل شعب ناضل لعقودٍ في شباك مرحلة عالقةٍ استمرت تداعياتها إلى اليوم.

وهنا، يتوازى مع توقيع اتفاقية "وادي عربة" التي لم تخلق "وادي السلام" بل وفقد الأردن بعضاً من حقوقه حتى اللحظة، تطبيق سياسات التخاصية التي باعت أصولاً تملكها الدولة بأبخس الأثمان، بذريعة تسديد دُيونها التي بلغت للمفارقة أكثر من خمسة أضعاف إلى اليوم!

تسارعت أحداث عديدة خلال ثلاثين عاماً كرّست وعي الهزيمة. وظلّ الفتى يتهجأ معنى أن يقاوم هزيمته، ينجح مراتٍ ويُخفق مئات المرات.


5
صمتتْ مكبّرات المسجد ولم تنته الصلاة على شهداء يرتقون إلى السماء بالعشرات، وسط بحرٍ من الأوجاع والفقد ونداءات الاستغاثة، والمقتلة ماضيةٌ رغم التحليلات السياسية الدائرة والمواقف المؤدلجة هنا وهناك والنبوءات التي يصل الإيمان بها حدّ اليقين.

وغزّة كلها تصرخ بصوتٍ أسمع الملايين من المحيط إلى الخليج: الله أكبر.

المساهمون