مقامُ الفلسطينيّ والشاهِدين على مأساته

مقامُ الفلسطينيّ والشاهِدين على مأساته

28 أكتوبر 2023
شابّ يسعف طفلاً جريحاً إلى "مستشفى ناصر الطبي" في خان يونس، أول أمس (Getty)
+ الخط -

يُرَبِّي الحانقون اليأس، بَعْدَ أن تمسَّحوا طويلاً بأبواب الأمل. ذلك، مقامُ الفلسطينيِّ والشاهِدين على مأساتِه. طاف الفلسطينيُّ حول حُجرات الأمل، كتبَ الرواية والشِّعرَ والفكرة والمقالة، ورسَم الكاريكاتير، ووَزَّعَ النورَ والظل بِعَدْلٍ على اللوحة، وأطلق الموسيقَى، مثل النِّيران، مِن الجَوف، وداعبَ طويلاً كتلة الحَجَر لِفَتحِ مَسارِبَ لِلْهواء، وجَلسَ إلى الطاولة أخيراً لِاستدراج الحِكمة، ثم تناولَ سِكِّيناً، أمام الجميع، وشطرَ أعضاء حيَّة مِن جِسمِه، حتى يتمكَّن مِن السَّير والإقامة والعيش بِرضا كل المُراقبين؛ غير أن ذلك كلّه كان بلا جَدوى. وبِلا جدوى أيضاً، مضى الزمنُ الفلسطينيُّ، أو ما تبقَّى منه في جعبة الفلسطيني، يكشف الزيفَ ويُعرِّي الحقيقةَ ويَنزع الستارَ عن الأوهام. كلّ هذا حدَثَ ويحدُث بتمام اللاجدوى، أمام مَرأى الجميع، وبلا أدنى حَرج أو مُشكلة أو وخزة خفيفة للضمير.

اللاجدوى بابُها مَفتوحٌ على كُلِّ فِعلٍ. بابُها هو بابُ الرِّياح التي تَقذفُ بكُل شيء خارج مَدار الحياة. خارج الجدوى. يَحرُث الفلسطينيُّ أرضَه بلا جَدوى. يَفتحُ مسالك المياه لأحواض النعناع والبرتقال والخوخ بلا جَدْوى. يُرَمِّمُ سَقفَ بيته المتواضع، في بداية كل شتاء، بلا جدوى. يُتقن الصنائع والفنون، ويستيقظ باكراً للكدح بلا جَدوى. يَرْفَعُ عالياً سقف الأمنيات، أكثرُها واقعية وجدوى امتلاك بَيتٍ وهُوية وحُدودٍ وطنية وقلب خافق بالقيم الإنسانية... لكن ذلك كله يبقى بلا جدوى. 

افعلوا شيئاً قبل أن تتواروا، ويشهد الحجر والشجر والنسيان ضدَّكم

يَمنحُ الحياة لأبناء أذكياء وبناتٍ جميلات، حاذقات، بلا جدوى. يَشربُ القهوة على شرفاتِ قَمرٍ دامٍ بلا جدوى. يَنتظر الأعيادَ ويَتحفَّزُ للأفراح الشعبية بلا جدوى. يَكبُر الأبناءُ أو يَنْحصِرُ نُموُّهُم في طفولتهم الباكِرة بلا جَدوى. تنحسِرُ أجسادُهم عن أرواحهم الكبيرة بلا جدوى، وتغترب أرواحُهُم عن أجسادهم الساكنة بلا جدوى أيضاً. رَصاصةٌ سريعة أو أكثر، مُوجَّهة بِدقَّة قناص يَحتَرفُ القتل، أو تَطيشُ من أيدٍ تَستطيبُ سِحْرَ الألعاب النارية، تُكَسِّرُ كل الجدوى الفلسطينية دفعة واحدة، فَتجعلُها تتداعَى فوق بَعضِها مثل جِرار مِن الطين.

إلى أين يَمْضي الإنسانُ الفلسطيني بعد مَوت الجدوى؟ بعد انكسار كلِّ الجدوى؟ أين يَختفي مِن مَوت مُبرِّر حَياته وَمَوته؟ على أيِّ أطلالٍ يَقفُ اليوم وغداً، وأيِّ طعْمٍ يَستطيب؟ هل ثمّة بعد موت الجدوى مكان شاغر؟ هل ثمّة مكانٌ صالحٌ للإقامة؟ هل ثمّة ما يَصلُح زاداً لِمواصلة الطريق؟ وأيُّ طريق هاتِه التي لا تنفتحُ على غير الهاوية؟ وأي كائن سياسي فظيع، يتصرَّف في الأرض على هوى غيلان الأساطير والأحجية، فيقضم الأرض تحت الإنسان قضمة واحدة، لتبقى أقدامُه مُعلَّقة بالهواء، لا تأمل في غير سقوط مُريع؟ هل يُمكن أن نَتعلَّم مِن سُقوطِنا ومَوتنا، ومِن سُقوط أحبابنا ومَوتِهم؟ وما فائدة الدُّروس في قلبِ الهاوية؟ هل يَمْلِكُ عاقلٌ أو حتَّى مَجنونٌ أن يُسعِف الفلسطيني الآن بِجواب شافٍ عن أسئلة عَبثية، تتناسل من تلقاء ذاتِها مثل خلايا ورم سَرطاني؟

إلى أين يَمْضي الإنسانُ الفلسطيني بعد مَوت الجدوى؟ بعد انكسار كلِّ الجدوى؟

يُرَبِّي الحانقون الآن اليأس، ولا شيء غير اليأس. مات الشعراء الأوائل الذين تَغنَّوا بفلسطين، وصبغوا بألوانِها جُسومَ الكلمات وأرواحَها. مات معهم ذلك الكَرُّ والفرُّ البلاغي، الذي مَرَّةً يَجِدُ الوطنَ على مَرمى حَجر، وأُخرى يَراه مُمعِناً في البُعد حتى لا سَلالم للغة تَسمحُ بارتقاء سمائه. ماتتِ اللغة، وأصبحتْ تجد في الاستعارة والرمز والمجاز والكناية ترفاً، لَم تعُد قادرة على الوفاء بِوُعودِه الكاذِبة. 

إنه اليأس يا سادة. يا سَدَنة الفن والمَجاز والصبر والحِكمة والحقيقة المُغلقة على نَفسِها بقوة الإرادات المُتجبِّرة، القادرة على التقنُّع، في كل وقت وحين، بما يُناسِبُ قُدرتَها على الفتك وجَعل الضحية تتسربَلُ، مِراراً وتكراراً، في أردية الجلّاد الغاشِم، الذي يُريد جَرَّ الأرض إلى أنفاق الظلام.

يا أولئك الذين ما زالوا يَملِكون قليلاً مِن الصبر والحِكمة افعلوا شيئاً. افعَلوا شيئاً أخيراً قبل أن تتوارَوا عن المشهد، ويَشهدَ الحجَرُ والشجرُ والنِّسيانُ نَفسُه ضدَّكم قبل الإنسان. افعلُوا شيئاً، يَبعثُ الفلسطينيّين مِن قَبرهم الجَماعي، ويُعيدُ أقدامَ الفلاح والصانِع والمُعلِّم والفنان والصبي والشيخ إلى أرضه. قولوا شيئاً صالِحاً، يُصالح الشعراء المَيِّتين مع قصائدهم الميِّتة، ويصالِح الأمهات مع نَول الأحلام الكبير. اهبطوا هذا العالَم السُّفلي، وشرّعوا الأبواب. انتبذوا مَكاناً قريباً مِن الحَقّ، والتحِفوا بعباءته البالية وأنتُم تقفون وقفتكُم الأخيرة، أو تلتفتون لآثار المأساة الحيَّة على المَسرح الأخير. تلقّفوا كلمة أخيرة، قبل أن تتحجَّر في فم الإله، واجهروا بما لا بُدَّ مِن الجَهر به لِتتماثَل الحياةُ إلى الحياة، قبل فوات الأوان. افعلوا شيئاً، ليتَوطَّنَ الحقُّ ويعُمَّ السلام. أوقفوا هذه المَجزرة.    


* شاعر وناقد من المغرب

المساهمون