عناق الدموع.. لا أقلّ من تحرير فلسطين

عناق الدموع.. لا أقلّ من تحرير فلسطين

27 أكتوبر 2023
إخلاء أطفال شهداء في خانيونس بعد غارة صهيونية، 19 تشرين الأول/ أكتوبر (Getty)
+ الخط -

"والله بدري عليكم، الله يسهل عليكم ويسامحكوا"، هذا ما قاله جارنا، وربّما الناجي الوحيد من المجزرة الصهيونية على بيت محمد الشاعر (أبو فراس) في جنوب شرق رفح، الذي استشهد مع زوجته وبناته وأبنائه، وبقى ابنهم المصوّر الصحافي فراس الذي أُصيب في ذات الهجوم الغاشم. أذكرُ فراس، فقد أتى وقت زفافي ليصوّر العرس، وأخذَ صوراً كثيرة، وهو كدأبه مصوّرٌ يلتقط صوراً لبحرِ غزّة وأسماكها وحياتها، وأهل غزّة وما يدور في فلكهم من أفراح وأتراح.

فراس الذي شعاره في الحياة حسب صفحته على فيسبوك: "أنا إنسان مثل كلّ البشر، بدرس إعلام وبحب التصوير، شعاري بالهدنيا: أَسعد الناس تكون سعيداً". من سيسّعدُ هذا المكلوم الآن بعد فقدان الأهل الأحبة والأحضان الدافئة، دفُء الشمس في ليالي الشتاء.

وفجعتُ حين سمعتُ عن الصاروخ الذي أودى بحياة أسرته وحياة امرأة عمي ابتسام الشاعر (أم شريف). كانت أم شريف في زيارة إلى غزّة لأهلها من مصر حيثُ تسكن. أذكرُ تلك السيدة الفاضلة التي ملأت قلبي طمأنينة حين قالت لي إنّها تستضيفُ زوجتي وابنتي وابني في بيتها الجميل المطلّ على البحر في الشيخ زويد في سيناء. ولا تزال كلماتها ترنُ في أذني "هم من ريحة الختيار"، وتقصدُ عمي حمد الذي رحلَ قبل عدّة سنوات. الموتُ فاجعة، شرارة ألمٍ تنخرُ في خلايا الروح.

هذه هي غزّة: اسمٌ تتساقط الدنيا من صلابته ودموعه

وتمتدُّ الفاجعة امتداد الدنيا المتعثّرة في قلوبنا المهلهلة. يفجعني صوتُ صديقي أستاذ الرياضيات المتميّز عبد الكريم (أبو محمد)، حين تكلّمتُ معه بالأمس، وأخبرني عن المعاناة اللامتناهية، والموت الذي لا يتوقّف على يد آلات الإجرام الصهيونية. "دفنّا خمسة من عائلتنا بالأمس. لقد فقدنا القدرة على الحزن"، يقول الأستاذ أبو محمد، وقد استضافَ عائلة صديق له من مدينة غزّة، ولكن مع كثرة القصف على كافة مناطق القطاع، عادت عائلة صديقه إلى غزّة "فلا يوجد أمان في أيّ مكان في غزّة".

هذه هي غزّة هذه الأيام. موتٌ بلا توقّف. حرب صهيونية جبانة مُسلّطة من الجو على الأطفال والنساء والشيوخ، تأخذهم على حينِ غرّة وهم في بيوتهم، يعتريهم الخوف والعوز والأمل الضئيل بانفراجة ما. يتعمّقُ الجبن والترهّل الأخلاقي منقطع النظير. وحكومات الغرب المنحطة أخلاقياً لا تتوقّف عن التوافد لمساندة المنظومة المجرمة في "إسرائيل". حكومات الغرب التي تتكوّن غالباً من طبقة برجوازية، انضمَ إليها مع الوقت عددٌ من الطبقتين المتوسّطة والسفلى، وأصبحت جميعاً أبواق إجرامٍ باسم الحضارة والأخلاق، وما هُم إلا شلّل مُجرمة لا تعيرُ اهتماماً ولا تملك أي إحساسٍ بالإنسانية، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بحضارات أخرى تتوقُ للتحرّر منهم ومن قهرهم وإفلاسهم الأخلاقي. فها هو نتنياهو المجرم الذي كتبَ كتاباً في الثمانينات يتحدّثُ فيه عن "إسرائيل" كرائدة للمشروع الغربي الحضاري ضدَّ المشروع الإسلامي الإرهابي، حسب صيغته حينئذ، يقودهم ويكرّر الديباجة نفسها التي لم يتلحلح عنها قيد أنملة.


■ ■ ■


أحاولُ أن أقول شيئاً ما، ولا أعرف إن كنتُ أقوله، سوى أنّي أحسُّ بالموت المُتساقط على أهلي في قطاع غزّة الصامد والبطل، أحسُّ به يمزّق أضلعي، ويؤثرُ على كلِّ نظرة أرى من خلالها هذه الدنيا الحالكة الظلام هذه الأيام. الجسدُ هذه الأيام ساحة حرب، فالعقلُ يحلّلُ وتتوالى العبارات "من المنظور القصير... ومن المنظور البعيد... والمناخ الجيوسياسي... ومصر، والإبادة، والتهجير، والمقاومة، وجهنم التي وقودها أرواحنا"، والقلبُ شاحنة ركاب كثيرٌ ركابها، يتهاوى شمالاً ويميناً، ويستأنسُ باليأسِ الموحش، والروحُ أشبه بمسرحيةٍ مأساوية، ينتظرُ أبطالها جميعاً الموت، وليس هناكَ من خلاص.

أحاولُ تتبّعُ ما يقول الناس من أهل غزّة، فهم أدرى بشعابِ قلوبهم وأرواحهم. لغتهم هي الحق، هي الشموعُ المحتشدة في الظلام، وهي الدنيا كلها. لا بدَّ من التماسك وعناق الدموع. أرى ابتسامة أخي الأستاذ أبي العبد. شيءٌ من الطمأنينة التي لا أعرفُ مصدرها يتنزّلُ عليّ. لكن صورة امرأةٍ من غزّة تعانق أطفالها وأهلها وهم في أكفانهم تُزلزلني. تعانقهم وتمسحُ وجوههم. "حبيبي يا مالك... تعالوا في المنام أشوفكم يما".

أشعرُ بالحبِّ أمام وجوه الأطفال الملطخة بالدم، بالحبِّ العميق. هذهِ هي الوجوه، هذه هي الآهات، هذه هي الآلام، هذا هو الموت، هذه هي الأمهات، هذهِ هي الأرواح، هذه هي غزّة. اسمٌ تكادُ الدنيا تتساقطُ من صلابتهِ ودموعه:

لا بدَّ من خلاص
لا بدَّ من خلاص
للأطفال النائمين على خصور أُماتهم
وهم عراة يصرخون
ليتنا أحلام، لا حالمين،
لا بدَّ من خلاص.

علَّ الله في الأرض، كلّ الأرض تسمع النحيب في آخر طبقات قلوبنا وتستجيب. والإجابة هي تحرير فلسطين. لا أقل من تحرير فلسطين من قتَلة الحياة، قتلة الإنسانية، قتلة الوجود، قتلة الدنيا في القلوب.


* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في لندن

موقف
التحديثات الحية

المساهمون