محمد شحاتة العمدة.. تحوّلات العمارة في الصعيد

18 ابريل 2021
الصورة
(عمارة الصعيد في لوحة للفنان محمود سعيد)
+ الخط -

في كتابه "العمارة الشعبية والتغيّر الثقافي في صعيد مصر" الذي صدر حديثاً عن "سلسلة الدراسات الشعبية" بهيئة قصور الثقافة في القاهرة، يستعرض الباحث المصري محمد شحاتة العمدة حضارة البداري التي تعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد في أسيوط وغيرها من حواضر الصعيد.

ويتناول الخامات المستخدمة في البناء لدى هذه الحضارة مثل البوص والغاب والطين والتبن، والطوب اللبن والطوب الأحمر والجيري، وأغراض العمارة مثل السكن والعمارة الدينية وعمارة القبور وعمارة أنشطة الحقل والمنزل والضيافة، والتغيّر الذي أثّر على كلّ نوع منها واختفاء معظمها.

في حديثٍ إلى "العربي الجديد"، يوضّح العمدة بأن "العمارة في صعيد مصر لا تُطلق فقط على المساكن، لكنها تعني العَمَار، وهو وجود أهل المنزل في منزلهم، مما يُضفي عليه الروح ويجعله كائناً حيّاً يستأنث به أصحاب المنزل وأحبابهم، كما أن البيت لا يُطلق فقط على المسكن، ولكنّه يعني عندهم العائلة أو القبيلة الكبيرة، فيقولون 'بيت عطية، بيت الجيلاني'... كما أن البيوت عندهم مقدّسة كقدسيّة المرأة، فلا يدخلها أحد بدون استئذان، فيقولون 'البيوت لها حُرمَة'، ولذلك أصبح للبيت قيمة وأهمية كبيرة عندهم".

أثّرت تحوّلات العمارة في الصعيد منذ الثمانينيات على الرقعة الزراعية والحرف المرتبطة بهذه العمارة

ويلفت إلى أن "أهم ما يميز العمارة الشعبية في صعيد مصر هو استخدامها لموادّ خام من البيئة الزراعية، وكذلك بساطة المنازل وعدم وجود تفاصيل كثيرة كعمارة المدن، لأن الصعيدي لا يريد من المنزل سوى أن يكون مكاناً للنوم والحماية من الشمس والمطر واستقبال ضيوفه، ومكاناً لتخزين حبوبه وماشيته وطيوره. وتعدّ موارد البيئة المصدر الأساسي للبناء في البيئات التقليدية، فنجد المباني التي بُنيت بالطين أو الحجر حيث تتوفّر هذه المواد محلّيّاً مع رخص ثمنها وسهولة الحصول عليها واستعمالها، مع توفّر خبرة السكّان المحلّيّين الطويلة في استعمال هذه المواد وتشكيلها وتوظيفها".

"لم تتأثّر العمارة الشعبية في صعيد مصر بالفروق الطبقية آنذاك"، بحسب العمدة، الذي يبيّن أن "معظم أفراد المجتمع كانوا طبقة واحدة تقريباً فيما عدا بعض الأفراد في كلّ قرية، وهم يُعَدّون على أصابع اليد الواحدة. وقد تميزت منازلهم عن باقي منازل أفراد المجتمع الفقراء. كما أن أراضي الصعيد (وادي النيل) أراضٍ طينية، يمكن البناء عليها بدون أساس خرساني قويّ، لأنها تحتمل الأثقال والأبنية المرتفعة ولا يحدث بها انهيارات كما في الأراضي الرملية. ولكنْ، يختلف المنزل حسب الحالة المادية لأصحابه، ويختلف اتساعه حسب احتياجاتهم".

الصورة
غلاف الكتاب

ويشير إلى أن "طرق بناء الأكواخ الطينية في حضارة البداري قد تنوّعت بأشكالها البيضية والمستديرة والمستطيلة، وحتى في طريقة بناء جدران الأكواخ التي كانت عبارة عن كتل طينية (جالوس) تبنى فوق بعضها مباشرة، وأحياناً كانت توضع أعواد البوص مختلطة بكتل الطين، ووُجد في الأكواخ مواقد وسلال ومخازن تدلّ على استقرار واضح لتلك الحضارة الزراعية. وكتل الطين التي بنيت بها مساكن الهمامية، كان لا يوضع بعضها فوق بعض مباشرة، بل كان بين كل صفين من كتل الطين رباطان من البوص. والظاهر أن تغييراً قد حدث في شكل الكوخ، إذ نشاهد أن البيت المستدير الشكل قد أهمل وحلّ محلّه الشكل المستطيل، كما لوحظ أن العشش التي كانت تقام من مواد خفيفة أخذت مكانها العشش التي كانت تصنع من الطين المعجون، ويدل وجود الموقد في أحد الأكواخ في همامية على أن هذا النوع من المساكن قد خلف النوع السابق. أما مخازن القوم فكانت تصنع من سلات مجدولة تدهك بالطين بعد ذلك".

كما ينبّه العمدة أن بيوت البوص والطين هى البيوت الملائمة لحياة أفراد مجتمع أسيوط، الذي أجرى فيه البحث في فترة ما قبل الثمانينيات من القرن الماضي، حيث إن خاماتها كانت من البيئة وتناسب مناخ الصعيد الحار صيفاً وشديد البرودة شتاءً، فكانت البيوت المبنية من خامات البيئة بمثابة مكيّف طبيعي في الصيف لا يمرّر الحرارة للداخل، وكذلك تبعث الدفء في الشتاء. وما حدث من تغيّر مع مرور الزمن لم يبقَ على تلك العمارة بشكلها القديم، سواء من ناحية الخامات المستخدمة في البناء، أو شكل المنازل الذي كان يسع جميع أفراد المنزل وحتى المتزوجين منهم، فأصبح لكلّ فرد من أفراد العائلة منزل خاص به. الأمر الذي كان له أثر كبير على الرقعة الزراعية في منطقة البحث، وكذلك على بعض الحِرف المرتبطة بالعمارة الشعبية وملحقاتها، والتي اختفى معظمها لأنها لا تناسب أشكال العمارة الحديثة، مثل حرفة دَق الطوب وبناء بيوت الطين والطوب اللبن والأفران، والحرف المرتبطة بأدوات المنزل الأخرى مثل حرفة الفخّار.

 

المساهمون