مئوية بيير لوتي: كاتبٌ فرنسيّ أحبّ الشرق وبقيَت روحه في إسطنبول

مئوية بيير لوتي: كاتبٌ فرنسيّ أحبّ الشرق وبقيَت روحه في إسطنبول

23 يونيو 2023
احتفاءً بمئوية بيير لوتي في "شارع الاستقلال" بإسطنبول (العربي الجديد)
+ الخط -

الذي يزور قلب إسطنبول، أو شارع الاستقلال فيها، هذه الأيام، يجد في مدخله لوحات كبيرة تتصدّر جدران "المعهد الثقافي الفرنسي" بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة الكاتب جوليان فيو Julien Viaud، الذي اشتُهر باسم بيير لوتي Pierre Loti، وهي لوحاتٌ تضيف مكاناً جديداً في المدينة يحمل اسم الكاتب الفرنسي أو صورته. ففي إسطنبول، لدينا هضبة بيير لوتي في محلّة أيوب التي تتمتّع بإطلالة ساحرة على المدينة، ويمكن الصعود إليها بالتلفريك، وهناك مقهى بيير لوتي الذي كان يأنس إليه وفيه، كذلك هناك متحف باسمه يحمل روحه، وفندقٌ أيضاً يجذب الزوّار إليه. وبشكل عام، تدخل هضبة بيير لوتي ضمن "الأماكن العشرة التي لا بدّ من زيارتها في إسطنبول"، وهي تجذب إليها عدداً أكبر من الزوّار هذه الأيام بمناسبة المئوية.

يُعتبر جوليان فيو أو بيير لوتي (1850 - 1923) من أغزر كتّاب فرنسا في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إذ إنه نشر نحو خمسين كتاباً، تنوّعت بين الروايات وكتب الرحلات التي قام بها بعد أن استشرق وهام حبّاً بالشرق، بمعناه الواسع: من المغرب إلى اليابان؛ واستحقّ لذلك أن يُنتخب عضواً في "الأكاديمية الفرنسية" عام 1892، وأن يرشَّح لـ"جائزة نوبل" عدّة مرّات (بين 1910 و1914)، ولكن يبدو أن نقده المتواصل للسياسات الأوروبية ضد الدولة العثمانية لم يكن مناسباً لفوزه بالجائزة.

عُرف بنقده للسياسات الأوروبية ضدّ الدولة العثمانية

وعلى الرغم من إنتاجه الغزير الذي يتّصل وصفاً واستلهاماً ببلاد الشام ومصر والمغرب، إلا أنه شبه مجهول في اللغة العربية. فباستثناء فصل من كتابه "رحلة إلى المغرب" يتعلّق بوصف حيّ اليهود (الملاح) في مكناس، بترجمة عبد المنعم الشنتوفي، لا أعرف له نصّاً آخر في العربية. ويكفي هنا أن نقارن ما هو موجود في ويكيبيديا بالإنكليزية، بما هو موجود في العربية حتى نلمس الفارق الكبير.

وُلِد جوليان فيو في 14 كانون الثاني/ يناير عام 1850 في بلدة روشفور غربيّ فرنسا، وهكذا نشأ في جوار المحيط الأطلسي طامحاً إلى الإبحار في أعماقه، وهو ما تحقق له في السابعة عشرة، حين التحق بمدرسة البحرية وانخرط بعدها بالقوى البحرية، إلى أن وصل إلى رتبة عقيد، ثم أُحيلَ على الاحتياط في 1910. وخلال هذه السنوات، أُتيحَ له، بحكم عمله، أن يجول العالم من تاهيتي إلى اليابان، مراقباً وسائحاً، وحتى مشاركاً في الحملات العسكرية، كما حدث في الصين عام 1900، حيث أُرسِلَ في حملة لإخضاع ثورة الملاكمين هناك.

الصورة
بيير لوتي في غرفة وزيّ عربيين (Getty)
بيير لوتي في غرفة وزيّ عربيين (Getty)

بدأ ولعه بالشرق مبكّراً، مع الدولة العثمانية بما فيها من تنوّع في الجغرافيا والمجتمعات، حيث زار إسطنبول عام 1876 كضابط على متن سفينة فرنسية، وألهمته تلك الزيارة أول رواية نشرها عام 1879 بعنوان "أزياده"، بلا اسم صريح للمؤلف. وتستعرض الرواية حكاية حب مع جارية قوقازية استقرت في سالونيك بعد أن تزوّجت رجلاً مسنّاً. وقد بقي هذا الحُبّ في قلبه، حتى إنه، بعد دعوة ملكة رومانيا إليزابيث له لزيارتها في 1887، ذهب إلى سالونيك بالزيّ الألباني يبحث عنها، فوجد بيتها وقد تحوّل إلى ركام، وعرف أنها توفيت قبل سبع سنوات، فلم يبق له سوى أن يزور قبرها.

وفي السنة التالية (1880) نشر رواية "راراهو" من وحي إقامته في تاهيتي، وهي التي نُشرت لاحقاً بعنوان "زواج لوتي". ومع هذه الرواية اشتهر باسمه الأدبي بيير لوتي المشتق من الاسم المحلّي للوردة الحمراء (روتي). وتابع نشر مؤلّفاته بمعدل رواية أو كتاب كل سنة إلى وفاته في 10 حزيران/ يونيو 1923، ونُشرت بعد ذلك كتبٌ عدّة، كان آخرها "المراسلات غير المنشورة" (1929).

دوّن رحلات تستلهم أو تصف الشرق، من المغرب إلى اليابان

تنوّعت مؤلفاته بين الروايات وكتب الرحلات التي تستلهم أو تصف الشرق، من المغرب إلى اليابان، لتحمل ما هو غرائبي للقرّاء الأوروبيين. وفي ما يتعلق برواياته، فقد كانت تجمع بين تجاربه الشخصية في الحب والعلاقة مع النساء في المجتمعات الشرقية، مع بعض الخيال الذي تقتضيه الحال، كما سنرى لاحقاً. لكنّ جولاته في الشرق، في بلاد الشام ومصر والجزائر والمغرب، التي وصفها أو استلهمها في رواياته، تستحق التعريف، وحتى ترجمتها إلى العربية، كثلاثيته عن رحلته إلى فلسطين التي نشرها عام 1895: "الصحراء" و"القدس" و"الجليل"، ثم جمع "القدس والجليل" في كتاب واحد.

وخلال جولاته في الشرق الواسع، كان حريصاً على اقتناء التحف والملابس والأشياء النادرة التي كان يحملها معه إلى مسقط رأسه. وبعد وفاته في 1923، تحوّل بيته الكبير في بلدة روشفور الساحلية إلى متحف متنوع يُشعر الزوار بالانتقال من عالم إلى آخر. ففي قاعة الشرق تحفٌ وقطع أثرية ذات قيمة كبيرة، ومن ذلك قطعة من سقف الجامع الأموي في دمشق الذي كان قد تعرّض لحريق كبير عام 1893 وأُعيدَ ترميمه لاحقاً.

الصورة
داخل متحف بيير لوتي في قمة الهضبة التي تحمل اسمه بإسطنبول (العربي الجديد)
داخل متحف بيير لوتي في قمة الهضبة التي تحمل اسمه بإسطنبول (العربي الجديد)

لكنّ بيته في روشفور ليس المتحف الوحيد الذي يزوره السيّاح ومحبّو بيير لوتي، إذ لدينا ما يـشبه المتحف الذي يحمل اسمه في قمّة تلة أيوب الجميلة التي تطل من موقع بديع على مضيق البوسفور وبحر مرمرة، وهو ما يشير إلى العلاقة الخاصة التي ربطته بالدولة العثمانية والأتراك والعرب والألبان وغيرهم. فقد غاص في الحياة اليومية للأتراك مقلّداً إياهم في اللبس والأكل وشرب الدخان والأركيلة، ودافع عنهم منتقداً سياسة بلاده والغرب ضد تركيا.

تعلّق لوتي بإسطنبول منذ أن زارها لأول مرة في 1876، واستلهم أجواءها، بعد روايته الأولى "أزياده"، في رواية أُخرى بعنوان "اللواتي استعدن صوابهنّ"، التي كتبها من وحي تجربته ولاقت نجاحاً، بعد أن نشرها على حلقات، أولاً في "مجلة العالمَيْن"، ثم في كتاب عام 1906، ويتحدث فيها عن فتاتين من الطبقة العليا تتعلقان بلوتي وتعانيان من القيود المفروضة على المرأة في المجتمع الشرقي.

كان الانطباع الأول أن الرواية محضُ خيال، لكنّ هرب الفتاتين الى خارج تركيا بعد نشر الرواية لخوفهما من ردّ فعل الأسرة والأقارب أكّد ما كان يُقال عن أن روايات لوتي تمزج بين التجربة الشخصية والخيال الأدبي وتتناول الحب الصعب أو المستحيل بين العوالم الثقافية المختلفة.

الصورة
"مقهى بيير لوتي" في إسطنبول (العربي الجديد)
"مقهى بيير لوتي" في إسطنبول (العربي الجديد)

بعد نشر الرواية، زاد تعلّق لوتي بتركيا أكثر، نتيجةً للأوضاع التي جعلت الدولة العثمانية في مهب الرياح بسبب حرب البلقان (1912 - 1913)، ونشرَ عام 1913 كتابه "تركيا المُحتضَرة"، ونقد سياسة بلاده (فرنسا) التي أصبحت في حالة حرب مع البلاد التي أحبّها. وزار في العام ذاته إسطنبول بدعوة رسمية حظي فيها باستقبال كبير على أعلى المستويات، حتى إن السلطان محمد رشاد استضافه في قصره.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، استمر لوتي في توجيه نقده إلى سياسة بلاده وإلى مجمل السياسة الغربية التي تريد اقتسام المنطقة، ولذلك فقد أيّد حرب الاستقلال التي قادها مصطفى كمال أتاتورك ضد الجيوش الفرنسية والبريطانية واليونانية التي سعت لتنفيذ "معاهدة سيفر" بالقوة، والتي أبرزت مدى أطماع الدول الأوروبية بالتركة العثمانية. لذلك، وجّه مجلس الوزراء كتاب شكر له، واعتبرته مدينة إسطنبول مواطناً فخرياً، وهو ما يكتسب أهمية الآن مع مئوية "معاهدة لوزان" (1923) التي كرّست اعتراف الدول المعادية بالجمهورية التركية بحدودها الحالية.

قلّد الأتراك في اللبس والأكل وشرب الدخان والأركيلة

بعد وفاته، سُمّي باسمه المقهى الجميل الذي كان يتردد إليه ويتمتع بإطلالته الجميلة على قمة تلة أيوب. تحوّل هذا المقهى إلى ما يشبه المتحف، حيث تغصّ جدرانه الداخلية بالصور التي يتجلى فيها تمتّع بيير لوتي بحياته بين الأتراك، ويحرص الزوّار على رؤيتها، بينما أصبح المحيط الخارجي، الذي يطل على البوسفور وبحر مرمرة، باسمه أيضاً، ويجذب الزوار من تركيا وخارجها، حتى إنه يصعب وجود مكان فارغ فيه.

في حياة لوتي كانت الصور تُظهر هذا المقهى في مكان معزول عن إسطنبول، لكن هذا المكان استقطب العمران وتحول إلى حيّ باسم بيير لوتي أيضاً. وبذلك، يمكن لمَن عرف لوتي أن يختصر الطريق إلى مسقط رأسه ويتلمس روحه الحاضرة ("نصف الشرقية"، كما كان يسمّيها) في هذا المكان الجميل.


* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري

المساهمون