قضية الترجمة

قضية الترجمة

23 أكتوبر 2021
جزء من عمل من سلسلة "أرقام" لـ فرهاد مشيري (إيران)، أكريليك وزيت وغراء على قماش، 2008
+ الخط -

يُخطئ مَن ينظر إلى قضيةِ الترجمة بصفتها اهتماماً معرفياً يُعنى بمعالجة النصوصِ وتَحرُّكِ علاماتها، إضافة إلى بحثها في العلاقة بين المؤلِّف والمترجم ومؤسّسات النشر، ويُغفل عن كونها، قبل كل شيء، قضيةَ وعي اجتماعي في سياق تاريخي تؤطِّره سياسة الدُّول قبل الأشخاص. لذلك سيكون من العبث التغاضي عن هذه القضية عند إعطاء الأولوية في الترجمة للكُتب الإبداعية من روايات وأشعار، ومسرحيات، وقصص، على حساب أنواع أخرى من الكتابات التي تهتم بالمعيش اليومي للمواطن العربي وبعيْشِه الكريم.

الواقع أن الكُتّابَ ومُعيدي الكتابة في العالم العربي، باعتبارهم نخبةً مَعنيّة بقضايا الفكر والجَمال والذات والمجتمع، قليلاً ما يثيرون أسئلةً من قبيل: مَن يرعى الترجمة؟ ولماذا نترجِم؟ وماذا نترجم؟ وهل من سياسة ثقافية توجِّه الترجمة عندنا؟ وما موقع الترجمة ضمن مشروع التحديث الذي لا نزال نتخبط فيه منذ نهاية القرن التاسع عشر؟ إلخ.

جليٌّ أن الكتب الإبداعية والفكرية المترجَمة لها أهمّيتُها في الرَّفع من مستوى وعي المجتمع، خصوصاً لدى الطبقة الواعية أصْلاً. لكنَّ مجتمَعا مِثل عالمنا العربي، الذي لا تزال الأمّية تضرب أطنابها فيه، وحيث كثيرٌ من دُوَله تشغل المراتب الدنيا في الترتيب العالَمي للأمية والتنمية والبحث العلمي، والذي لا حاجة إلى إقامة الدليل على تأخُّره حتى لا نقول تخلّفه، هو في حاجة إلى سياسة في الترجمة فاعلةٍ، تتغلغل في التعليم بأشكاله المختلفة ووسائله المتنوعة ووسائطه المتعدِّدة متجاوِزةً الكتاب نفسَه، وتستلهِم العِبرة من بيت الحكمة في بغداد ومدرسة طليطلة في الأندلس.

يفترض بالناشرين العرب أن يصدروا عن وعي قومي

والواقع أنّ تجارب حديثة في العالم العربي الحديث كانت رائدة في الرهان على الترجمة، لعلَّ أبرزها تلك السلسلة القيمة من "عالم المعرفة" الكويتية، التي على الرغم من إصدارها من قِبل مؤسَّسة تابعة للدولة، فقد اهتمَّت بالقارئ العربي عبر تزويده بمعارف عالَمية متكاملة وتنويرية، بِثمن تشجيعي، تخوض في التعليم والفلاحة والهندسة وغيرها من مشاكل الوطن والمواطن. وفي ما عدا استثناءات قليلة جادة يعرفها المتابع العربي، فإن كثيراً مما جاء بعدَها من منظّمات ومشاريع للترجمة في بعض البلاد العربية الغنية أو المُمَوَّلة من قِبل الأخيرة، وتَصْدُرُ في بلدان عربية أخرى، غلب عليها الاهتمام بالإبداع والفكر، وغاب عنها التركيز على التنمية ومشاكل أخرى.

لذلك يُفترَض بدور النشر العربية، باعتبارها تجسيداً للتنوير، أن تَصدُر عن حسِّ اجتماعي ووعي قومي، بأخذها المبادرة، فتُطوِّر مُنتَجها ليَرُوج في سوق القراءة، وتُراهِن به على التوعية والجِدَّة والجودة والرِّبح المعقول، وهي تُقدِّم لزُبُنِها مِن مواطِنيها ما يرتقي بفكرهم، أي ما يجعلهم مواطنين متضامنين فيما بينهم، يَهُمُّهم جميعا أمْرُ تحديث وطنهم العربي برمته، فتَعمَل حثيثاً لكي تُيَسَّر لهؤلاء الإصداراتُ المترجَمة، التي تركِّز كثيراً على الإيمان بالحرية والديمقراطية والمواطَنة، والتي تفتح عيونَهم على الاقتصاد والسياسة وتجارب الأمم الغربية في تسيير أمورها، وأنْ تُلحّ على ضرورة الإيمان بدولة المؤسّسات التي لا تأليه فيها للفرد، وأنْ تُصرِّف ذلك عبر كتُب مترجَمة تكون ورقية ورقمية وصوتية، وبرامِج حواريّة مترجَمة هي الأخرى تُذاع في الراديو والتلفزيون واليوتوب مثلاً، فتُنافس في ذلك مؤسسات الدولة في الترويج للمُنتَج الترجمي.

صحيح أن الحكومات في العالَم أجمع هي التي تتحكّم في تلك المؤسسات، وأنها تُروِّج من خلالها لإيديولوجيتها، وتعمل جاهدة لتنفيذ مشروعها الذي يُحافظ لها على مصالحها وامتيازاتها، لكنّ ذلك لا يُعفي الجمعيات والمنظَّمات الثقافية من واجب دعم دور النشر، والاستثمار في مشاريعها التحديثية، وينبغي أن تكون الأولوية في كل ذلك للسعي إلى محو الأمية، وهي العملية التي تستدعي التضحية، لأنها تستغرق وقتا قد يفوق جيليْن، ومع ذلك فإن المغامرة بالانخراط فيها خَيْرٌ من استمرارنا في العيش على هامش التاريخ. 

ولا يخفى أن نظير هذا الاستثمار سيُعطي أُكله على المدى المتوسِّط، على الأقل، خصوصاً أنّ لنا امتيازاً كبيراً في وطننا العربي، لكنْ نادراً ما ننتبه إليه، يتمثَّل في كوننا نتحدَّث لغة عربية واحدة، وهو ما لا تتوافر عليه أوروبا التي تتوزَّعها لغاتٌ عديدة، والتي نجحتْ مع ذلك في أن تتحدَّث لغة واحدة هي الترجمة، حسب السيميائي أمبرتو إيكو، وأفلحت في الوقت ذاته في أنْ تبني مشترِكةً فيما بينها مجتمعاً واحداً، له عملة موحَّدة وتتصرَّف متَّحِدة وموَحِّدة سياستَها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية أيضاً. 

إن مشكلتنا، في الحقيقة، هي افتقاد سياسِيِّينا لإرادة صادقة في بناء مجتمع عربي متضامن فيما بين الدُّول المكوِّنة له، تستثمر بلدانُه الغنية في أقطاره الفقيرة مادياً، لكنِ الثرية بشبابها وأراضيها وطاقاتها. لذلك ينبغي أن لا نحصر قضية الترجمة في كونها قضية الفلسفة فقط، بل هي في العالَم العربي قضيةُ مجتمع برمَّته، ومَدخَلُه الرئيس إلى التحديث.


* أكاديمي ومترجم من المغرب

المساهمون