فتحي مهديو.. تذكير ألباني بالاشتغالات العربية

20 ابريل 2021
الصورة
فتحي مهديو
+ الخط -

من المعروف أن الببلوغرافيات تمدّ الباحثين بمصدر مهمّ يساعدهم في المجال الذي يشتغلون فيه. ومن هنا يأتي تعدّد الببلوغرافيات التي تبدأ في الاقتصار على رصد ما هو منشور في جريدة أو مجلّة أدبية أو ثقافية ممتدّة (مثل "الهلال" المصرية) تعكس عدة أجيال من الكتاب الذين مثّلوا مدارس واتجاهات مختلفة على مدى قرن وأكثر، وتنتهي إلى رصد الكتب الصادرة في مجال معيّن (كترجمات "ألف ليلة وليلة" في العالم) أو عدّة مجالات متقاربة بالتزامن مع مناسبة معيّنة (مثل مئوية استقلال بلد ما).

صحيحٌ أنّ لدينا في اللغة الألبانية عدّة ببلوغرافيات، ولكن من الملاحظ أنها ــ لسببٍ أو لآخر (أي ليس بالصدفة) ــ تتجاهل الإصدارات التي تتعلّق بمجال معيّن، كما هو الأمر مع الدراسات العربية والإسلامية. ومن هنا تأتي الببلوغرافيا التي أعدّها المستشرق المخضرم فتحي مهديو (1944) وأصدرها "معهد الدراسات الشرقية" بعنوان "إسهامٌ من أجل ببلوغرافيا قوميّة" (بريشتينا، 2021) لتركّز على هذا المجال المتجاهَل: الدراسات العربية والإسلامية بين عامي 1951 و2021.

أمّا لماذا الانطلاق من 1951، مع أنّ الدراسات العربية والإسلامية في اللغة الألبانية بدأت قبل ذلك بالطبع، فهو مرتبطٌ بتطوّرات البلقان بعد النزاع الإيديولوجي اليوغسلافي - السوفييتي في 1948 وتداعياته المحلّيّة والإقليمية. حيث آثرت يوغسلافيا التيتوية (نسبة إلى جوزيف تيتو) اتّباع سياسة منفتحة على اقتصاد السوق والأديان والعالَم (عدم الانحياز)، في حين أن ألبانيا المجاورة تماهت مع كلّ ما هو ستاليني في السياسة والاقتصاد والثقافة.

ببلوغرافيا توثق 70 سنة من الدراسات العربية والإسلامية 

وفي هذا السياق، أعادت السلطات اليوغسلافية، في 1951، افتتاح "مدرسة علاء الدين" في بريشتينا، التي كانت تدرّس اللغة العربية والثقافة الإسلامية، على نمط "مدرسة الغازي خسرو بك" في سراييفو. ومع مرور السنوات، تابع العديد من الخرّيجين دراساتهم الأكاديمية ليصبحوا متخصّصين في الدراسات العربية والإسلامية ومعروفين في يوغسلافيا وخارجها (حارث سيلاجيتش، وأسعد دوراكوفيتش، والياس رجا، وفتحي مهديو وغيرهم). وبعبارة أخرى، تأتي الآن هذه الببلوغرافيا في الذكرى السبعين لإعادة افتتاح هذه المدرسة لتبيّن الدور الذي لعبه خرّيجوها، إلى جانب آخرين، في التوسّع الواضح للدراسات العربية والإسلامية في اللغة الألبانية.

ومع ملاحظاته في المقدمة على الببلوغرافيات التي صدرت قبل ذلك وتجاهلت بشكل واضح هذا المجال (الدراسات العربية والإسلامية)، يوضح فتحي مهديو أنه خصّص هذا الكتاب فقط للكتب ــ التي يناهز عددها 800 ــ مع تسميته عمله "إسهام من أجل ببلوغرافيا قوميّة"، لأنه سيصبح من الصعب لاحقاً تجاهل مثل هذا الجانب في الببلوغرافيات اللاحقة، مع وعده أن يكون الإصدار القادم مخصّصاً للمقالات والدراسات والترجمات في المجلّات الثقافية المعروفة في المجال الألباني. وعلى ذكر هذا المجال تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب الجديد اشتمل على ما هو صادر في الدول الثلاث المجاورة (مكدونيا الشمالية وكوسوفو وألبانيا)، مع العلم بأن ما صدر في مكدونيا الشمالية (وبالتحديد في سكوبيه وتيتوفو) وكوسوفو (وبالتحديد في بريشتينا وبريزرن) هو أكثر بكثير مما صدر في ألبانيا، التي لا يوجد فيها بعد قسم للدراسات العربية.

ومع استعراض عناوين الكتب يمكن القول إن هذه الببلوغرافيا الجديدة مهمّة لأنّها تكشف عن بدايات التأسيس الجديد للدراسات العربية والإسلامية في ظروف متغيّرة، سواء في البلقان أو العالم العربي الإسلامي. وفي هذا السياق تجدر الإشارة بشكل خاص إلى تأسيس قسم الدراسات الشرقية في "جامعة بريشتينا" عام 1973 وتأسيس قسم الدراسات الشرقية في "جامعة تيتوفو" (مقدونيا الشمالية) في 2008، و"معهد الدراسات الشرقية" في بريشتينا، عام 2017. ومن ناحية أخرى، فقد افتُتحت كلّيّاتٌ للدراسات الإسلامية ضمن مظلّة التعليم العالي الرسمي في بريشتينا أوّلاً (1992) وفي سكوبيه لاحقاً (1997).

الصورة
غلاف

ومن هنا، نجد أن البدايات كانت ترتبط بوضع كتبٍ مدرسية عن اللغة العربية وقواعدها بطريقة حديثة، ثم وضع أولى المعاجم العربية - الألبانية والألبانية - العربية التي أعدّها فتحي مهديو وعيسى مميشي وفخر الدين حبيبي، ثم التحوّل إلى التعريف بالأدب العربي من خلال الدراسات والترجمات، سواء تلبيةً لحاجات الأقسام الأكاديمية أو للجمهور الذي كان مهتمّاً بذلك في إطار الانفتاح على العالم العربي الإسلامي مع حركة عدم الانحياز.

أمّا في ما يتعلق بالدراسات الإسلامية، فيختلف الحال، لأنّ الموجة الأولى من الإصدارات اعتمدت على الدعم الآتي من الخارج، مع انهيار يوغسلافيا، لنشر اتّجاهات معيّنة في الإسلام المعاصر. وهكذا، نجد فجأةً عشرات الكتب تصدر في الألبانية لأسماء لها دلالتها من خالد محمد خالد وعمرو خالد، إلى سيد قطب، ومحمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، وعبد العزيز بن باز، ومحمد متولي الشعراوي، ومحمد سعيد رمضان البوطي، ومصطفى محمود، وصولاً إلى أبي الأعلى المودودي، وعلي شريعتي، والإمام الخميني وغيرهم. ومع استمرار هذه الموجة المدعومة من الخارج لخدمة أجندات معيّنة، نجد في الموجة الثانية بدايةَ الإصدارات التي ألّفها الجيل الأوّل الذي تابع دراساته في مصر والكويت وليبيا والسعودية وسورية والعراق، والذي حاول أن يؤسّس لإسلامٍ متّسق مع التراث المحلي.

في عام 1968 بدأت ترجمة الأدب العربي من لغته مباشرة

وفي هذا السياق، تصدّرت كوسوفو السبق في مجال ترجمات القرآن الكريم من العربية إلى الألبانية، حيث صدرت أوّل ترجمة في 1985 بتوقيع فتحي مهديو، وتتالت بعدها الترجمات المختلفة (من العربية والتركية والبوسنية والإنكليزية) حتى بات عددها بتجاوز العشر. ومن الملاحظ أن بعض هذه الترجمات حظي بدعم جهات معيّنة، وأعيدت طباعته عدّة مرّات في الداخل والخارج.

وفي ما يتعلق باللغة العربية وأدبها، دراسةً وترجمةً، فقد ارتبط الأمر بالجيل المؤسِّس لقسم الاستشراق في "جامعة بريشتينا" (كوسوفو) وقسم الدراسات الشرقية في جامعة تيتوفو (مقدونيا الشمالية) و"معهد الدراسات الشرقية" في بريشتينا، الذي تأسّس في 2017. كان جهد هذا الجيل المؤسّس (الذي يضمّ أسماء مثل حسن كلشي، وفتحي مهديو، واسماعيل أحمدي، ومحمد موفاكو، وعبد الله حميدي، وعيسى مميشي وغيرهم) ينصبّ أوّلاً على نشر المقالات والدراسات في الملاحق الأدبية للصحف اليومية المعروفة، أو في المجلّات الأدبية والثقافية، التي كانت تجد استقبالاً جيّداً وطلباً من هيئات التحرير ــ وهذا ما نأمل أن يصدر في ببلوغرافيا خاصّة قريباً ــ ثم في إصدار الكتب التي تعرّف بإبداعاتِ أسماء معروفة في الأدب العربي.

وعلى الرغم من أن عملاً مثل "ألف ليلة وليلة" كان يصدر تباعاً باللغة الألبانية مترجماً عن الروسية، إلّا أن عام 1968 كان نقطة بداية لترجمة الأعمال الأدبية العربية من لغتها مباشرة، حيث صدرت مجموعة قصصية لمحمود تيمور بعنوان "الحاج جلبي وقصص أخرى" بتوقيع حسن كلشي (1921-1976)، مؤسّس قسم الدراسات الشرقية في "جامعة بريشتينا". ومع تأسيس هذا القسم في 1973 برزت موجة قويّة حملت إصدارات كثيرة بتوقيع العاملين فيه: "أنطولوجيا الشعر العربي الحديث" (1979)، و"قصص سورية، 1931-1981" (1981) و "بحر في الصحراء: مختارات من الشعر الكويتي" (1982) بتوقيع محمد موفاكو، و"أشعار عربية: مختارات من الشعر العربي" (1983) بتوقيع فتحي مهديو، و"النثر العربي: مختارات قصصية" (1983) بتوقيع إسماعيل أحمدي وغيرها. ولا نصل إلى 2008 حتى نجد صدور رسالة دكتوراه بعنوان "ترجمات الأدب العربي إلى الألبانية" لفتحي مهديو أيضاً.

في تلك السنة، كان انفراط ما بقي من يوغسلافيا قد اكتمل باستقلال كوسوفو، التي شهدت موجة ثالثة من الدراسات العربية والإسلامية، بعدما أصبحت مؤسّسة "الجماعة الإسلامية" (التي تمثّل المسلمين أمام الدولة وتُعني بشؤونهم الدينية والثقافية) نشِطةً أيضاً في مجال النشر. وقد نشر أحد أبرز العاملين فيها، وهو كمال مورينا (1951-2019)، ترجمة لرواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" في 2010، ونُشرت مختارات شعرية لمحمود درويش بعنوان "قصائد للمقاومة والحرية" (2013) بتوقيع عبد الله حميدي، ورواية غسان كنفاني "رجال في الشمس" (2015) وكذلك رواية نجيب محفوظ "قلب الليل" (2016) بتوقيع أيوب رمضاني. 

ومع تأسيس "معهد الدراسات الشرقية" في 2017، بدأت الموجة الرابعة بزخمٍ تَمثَّل في نشر حوالي عشرة كتب من الأدب العربي بين عامي 2019 و2021، مثل مختارات شعرية من الشعر العربي القديم والحديث بعنوان "حب ومقاومة" بتوقيع فتحي مهديو، ورواية "الخيوط" لوليد أبو بكر بتوقيع عبد الله حميدي، ورواية مصطفى خليفة "القوقعة" بتوقيع عيسى مميشي، ورواية عبد العزيز آل محمود "القرصان" بتوقيع أيوب رمضاني، ومختارات شعرية (من قصائد أُنجزت بين عامي 2000 و2020) لنجوان درويش بعنوان "بلد يُسمّى الأغنية" بتوقيع محمد موفاكو وغيرها.

وفي انتظار الإصدار الآخر الذي وعد المؤلف بتخصيصه لببلوغرافيا شاملة للمقالات والدراسات المنشورة في المجلّات الأدبية والثقافية البارزة، يمكن أن تكتمل تفاصيل إسهامات الألبان في التعريف بالآدب العربي دراسةً وترجمةً، وفي اتجاهات الإسلام بين الألبان اليوم، بعد امتصاص موجة الترجمات الأولى المدعومة من الخارج.


* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري

المساهمون