غداً سوف يفهمونني

غداً سوف يفهمونني

09 ابريل 2021
الصورة
جياكومو بالّا/ إيطاليا
+ الخط -

كتب الروائي الفرنسي ستندال بعد صدور روايته "الأحمر والأسود" ببضع سنوات يقول: "في عام 1930، سوف أجد قرّاءً يفهمونني". ففي تلك السنوات التي صدرت فيها الرواية (عام 1830)، لم يلتفت أحدٌ إليها، ومن المعروف أنّ الروائي الفرنسي ظلّ مغموراً، بل ثمّة من ازدرى روايته من كبار النقاد الفرنسيين في عصره (سانت بوف، على سبيل المثال).

هل هذا يقين يتضمّن شيئاً من التخمين والتنبّؤ، أم أمنية تأمل أن تتحقّق في المستقبل؟ لا نعرف، ولن يعرف الروائي الفرنسي أيضاً ما الذي حدث لروايته، وهو الذي كان متأكّداً أنّه لن يعيش كي يرى مصيرها في ذلك العام الذي أشار إليه من القرن القادم. ولكنّ السؤال هو: كيف ومتى يستطيع الكاتب أن يتأكّد من أنّ الزمن سوف يُنصِف أعماله؟ لم يجد ستندال قرّاءً يفهمونه في عام 1930 وحسب، بل وجد شهرة وأهمية وضعتاه في مصاف كبار كتّاب الرواية في العالم كلّه.

وربّما يمكن الظنّ أن المئات من الروائيين، الذين لا يجدون اليوم قرّاءً يرتضون بهم، أو لا يجدون القرّاء الذين يحلمون بوجودهم، أو لا تُطبَع كتبهم بكثير من النسخ، إنّما يردّدون مثل هذه العبارة، بعد أن يزوّدوها بآمال ستندال التي حقّقها له الزمن، ويصبح بوسع أيّ كاتب مهمَل، وغير مقروء، أن يكتب اليوم عبارة تقول: "في عام 3021 سوف أجد قرّاء يفهمونني".

لا معنى لما يكتبه الروائي إلّا إذا كان القارئ زميلاً في الزمان

هل المشكلة في الزمن؟ إذا ما كانت حالة ستندال مثالاً، فإنّ الزمن مسؤولٌ بالفعل عن وضع الروائي، إذ لم يمدحه أو يمدح روايته غيرُ بلزاك، ويبدو أنّ النقّاد والقرّاء لم يأبهوا برأي بلزاك أيضاً. وقد مرّ خمسون عاماً على الرواية المهمَلة قبل أن تصبح من كلاسيكيات الرواية في العالم، على الرغم من أنّها لم تكن عن المستقبل، أي لم تكن عن عام 1930، ولا عن عام 1900، بل كانت عن الزمن الذي عاش فيه ستندال، وكانت تحكي عن شاب من ذلك الزمن، وعن آماله وطموحاته وفشله وجريمته في زمنها هي. فلماذا أنصفها زمنٌ تالٍ؟ ومع ذلك، فإنّ قضية الزمن وإنصاف الزمن لا تزال غامضة ومن الصعب أن نضع لها أي معاييرَ حاسمة.

وفي زماننا، مثلاً، كان بوسع الصحافة والسوق ووسائل الاتّصال أن تساعد في انتشار اسم الكاتب، وثمّة سوقٌ سياسية وأخرى حزبية أيضاً تساعدان الموالين أو أعضاء الحزب. وهناك من اشتهرت أسماؤهم دون أعمالهم، وهيمنوا على الحياة الثقافية في بلدٍ مثل سورية، بفضل الشهرة، لا القيمة الأدبية. ولكنّ غربال الزمن قدّم لهم خدمةً معاكسة لِما قدّمه لستندال، فما أن فهمهم القرّاء حتى زالت هيمنة أسمائهم من تاريخ الأدب.

كلا الأمرين يبدو حزيناً في شؤون الكتابة. فإذا ما عدنا إلى ستندال لنسأله إذا ما كان يفضّل أن يُقرَأ في زمنه أم في الزمن الذي يأتي من بعده، فإنّ خياره، كما أكاد أجزم، سوف يكون زمنه هو، إذ لا معنى لما يُكتَب في وجدان الروائي إلّا إذا كان القارئ زميلاً له في الزمان.


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون