شيرين أبو عاقلة.. صرتِ أنتِ القصة

شيرين أبو عاقلة.. صرتِ أنتِ القصة

12 مايو 2022
قرب شاطئ غزّة، يوم اغتيال شيرين أبو عاقلة، أمس الأربعاء (Getty)
+ الخط -

كتّاب ومثقفون عرب شاركوا "العربي الجديد" كلمات من القلب، حول جريمة اغتيال الإعلامية المقدسية شيرين أبو عاقلة على يد قوات الاحتلال الصهيوني. ماذا يمكن للكلمة أن تقول في وجه الرصاصة وآلة الاستعمار العسكرية؟ وماذا يمكن أن نقول لك يا شيرين؟



لا يخفي الشاعر السوري حازم العظمة إعجابه منذ زمن بعمل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، التي اغتالتها قوات الاحتلال الإسرائيلي أمس الأربعاء، خلال تغطيتها اقتحام جيش الاحتلال مخيّم جنين. في كلمة إلى "العربي الجديد"، يقول: "منذ دهر وأنا ألمحها هناك - دائماً في خطوط التماس الأخطر - كلّ هذه السنين وأنا أمتدح في كلّ مرّة تماسكها، شجاعتها، وقفتها، أمتدح دقّتها، دقّة الصحافي التي لا تُخفي كثيراً انحيازها الجارف، أو لنقلْ إنها كانت تفشل في أن تغطّي انحيازها بدقّة الصحافي، بالنبرة الحيادية التي تُطلبُ منه... ومع ذلك بقيتْ دائماً تلك الدِقّة التي ترى أبعد من الحدث الآني، الدقّة التي تذهب في خفاياه، التي تجعلها ترى - وراء نبرة الصحافي - الغيلان كلّهم يجتمعون ليغتصبوا الحقيقة والأرض معاً".

ويضيف العظمة: "سيرة كهذه لم يتحمّلها المحتلّون والغاصبون... قبل هذا لم يتحمّلوا راشيل كوري. لا أعرف لماذا، من أوّل ما سمعت بمقتل شيرين، فوراً تذكّرت راشيل كوري. الأكيد أن التهمة واحدة، مهما تباعدت الجنسيات والثقافات: ما حدث في تبرير مقتل راشيل أُعيد بطريقة مشابهة في اغتيال شيرين؛ بعد التحقيقات الدقيقة - الدولية أيضاً - توصّلوا إلى أن راشيل كوري قُتلت لأنها في خطأ ما تواجدت أمام أكوام التجريف التي أزاحها البلدوزر، وكان ينبغي ألّا تقف هناك...". وينهي معلّقاً: "دائماً ثمّة خطأ ما... حدث بسبب مكان مَن وقف هناك".

أما الروائي المصري خالد إسماعيل فيقول لـ"العربي الجديد": "اغتيال شيرين أبو عاقلة هو فصل النهاية فى مرحلة السلام الوهمي، الصهاينة الذين استطاعوا عقد صفقات سلام مع طبقات عميلة حاكمة، واستطاعوا اختراق كل الدول العربية، وشراء نخب داعمة لهم لن يستطيعوا تبرير جريمة قتل شيرين التي كانت تنقل جرائم الصهاينة بدقة. ولا أعرف ماذا يقول علي سالم المصري الذي باع بضاعة فاسدة اسمها السلام مع الكيان الصهيوني وسافرإلى عاصمة الكيان وتكلم عن السلام والحرب، ولعل علي سالم فى قبره يندم على خيانته شعب مصر واستخذائه أمام الصهاينة. قتل شيرين أبو عاقلة نهج صهيوني، فقد قتلوا الأطفال المصريين فى مدرسة ابتدائية "بحر البقر" وقالوا يومها إنها "لم تكن مدرسة بل ثكنة عسكرية"، وهذا كذب. مع هذه الفاجعة الجديدة، أتمنى أن يستفيق المثقفون - والمطبعون منهم خصوصاً، والمهرولون نحو الكيان الصهيوني - ويعرفوا حقيقة هذا الكائن الدموي".

ربما يستفيق المثقفون، والمطبعون منهم خصوصاً، والمهرولون

وتروي الباحثة الفلسطينية إسلام كمال كيف عاشت تلقيها لخبر اغتيال الصحافية الفلسطينية، تقول لـ "العربي الجديد": "كان موت شيرين صادمًا، تلقيت الخبر صباح الأربعاء وأنا في العمل، وقد كان من المفترض أن نقوم بجولة ميدانية على منطقة مسافر يطا – شمال النقب، التي يعمل الاحتلال الإسرائيلي على نهبها أيضًا مثلها مثل حي الشيخ جراح والخان الأحمر، كل شيء في حياة الفلسطيني بات عرضةً للنهب، أرضه وبيته وصباحاته التي يجب أن تكون طبيعية، وأنا متأكدة أن شيرين وعائلتها وزملائها كانوا يتعاملون مع صباح الأربعاء بأنه سيمر بشكل طبيعي، على أن تغطية جنين ليست طبيعية تمامًا ولكنها باتت، مع مشاهد العنف المتكررة يوميًا، وما حدث أن شيرين قُتلت فجأة وفقدناها فجأة، بقرار من جندي صهيوني قرّر أن ينهي حياتها، شيرين التي نحملها في ذاكرتنا الجمعية في كل بيت فلسطيني، في ذكريات طفولتنا وشبابنا، مع كل خبر عن فلسطين، في كل مدينة وكل حدث، كانت شيرين أبو عاقلة هي التي تحملنا إلينا وتحملنا إلى العالم".

وتضيف: "أي شخص منا كفلسطيني من الممكن أن يكون مكان شيرين أبو عاقلة، وبسهولة يتم إنهاء حياته على أبسط قرار من مجند، إنها عملية تصفية وإبادة ممنهجة وواضحة من دولة إحتلال تشكلها عصابات. وما زال العالم يتعامل معنا على أننا أرقام، ليس لها قيمة، إننا نرى كل هذا الحشد الإعلامي الذي تم في الحرب على أوكرانيا، وصور النازحين والمرعوبين، هل فكّر يومًا العالم الغربي في موازين قواه التمييزية للعرق الأبيض في لحظات الرعب والتهديد التي يعشيها الفلسطييني يوميًا كفرد دون وجود حالة حرب علنية، لمجرد أن قرر العالم أنها قسمة عادلة لوجود هذا الكيان المحتل وهؤلاء الغرباء على أرض ليست لهم، ليشاركوا أهل الأرض حياتهم وتاريخهم وهويتهم تحت وقع السلاح.

وتختم بالقول: "لقد هرب اليهود من محارق النازية لكل بقاع الأرض وهم يروون حكايتهم ويصنعون الأفلام عن معاناتهم حتى اليوم، لكنهم يكررون قصتهم على الشعب الفلسطيني في أبشع صورها".

من جانبه، عبّر التشكيلي والشاعر اللبناني السوري سمعان خوّام، لـ"العربي الجديد"، عن إحساسه بالعجز إثر اغتيال أبو عاقلة، الذي يذكّره بسلسلة من الاغتيالات والأحداث المشابهة: "نحسّ بالعجز والفشل في كلّ مرة نسمع بها بخبر مماثل. كلّنا مشاريع شهداء، نحن الذين نعيش في هذه البلاد، شئنا ذلك أم أبينا".

وفي حديثه إلى "العربي الجديد"، يقول الروائي السوري خليل النعيمي إن "اغتيال شيرين أبو عاقلة يعني إصرار الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الغاشم على احتقار الإرادة العربية وليس الفلسطينية فحسب، وفرض رؤيته الأحادية على الفضاء العربي بالقوة والعسف. ومع الأسف الشديد، فإن أنظمة التطبيع العربية، التي هي في الواقع امتداد لمخالب الصهيونية في المنطقة العربية، تساعده اليوم في فرض سيطرته".

ويتابع "ولا ننسى أن المنطقة العربية هي الوحيدة اليوم على سطح الكرة الأرضية التي لا تزال تعاني من الشكل الاستعماري العتيق وبكل المساوئ التي تصاحبه. أما عن المثقف والكاتب العربي اليوم فهو في الواقع بلا دور ريادي، إلا في ما ندر، وبالخصوص بعد أن انضوى أكثر المثقفين كالأنعام في حظائر الجوائز الأدبية. كما تعلم".

ويختم النعيمي: "اغتيال شيرين ضربة قاصمة للحياة العربية، وللحقّ الفلسطيني في الحرية والاستقرار .والأمل في الشباب الفلسطيني الذي لن يتنازل أبداً عن أرضه وهويته، أنا واثق من ذلك. تحية لشيرين، ولكل المناهضين للاستعمار الصهيوني. وللآخرين المتصهينيين المتخاذلين، من العرب أيّاً كانت مراتبهم، مثقفين وغير مثقفين، اللعنة ، فالصهاينة العرب لا يقلّون خطراً عن الصهاينة الأصل".

صوت فلسطين المبحوح، المتألم، كان يرج أركان البيت

أما المترجمة والقاصة المصرية أميرة بدوي، فتقول في حديثها إلى "العربي الجديد": "كنت أبلغ التاسعة، عندما طاول القهر قلبي، وعرفت معنى أن تخونك الجدران، تخونك الإنسانية، وتحتضنك طلقات القناصة. صوت الفلسطينيين المبحوح، المتألم، كان يرج أركان البيت، صورة محمد الدرة، وأنت، أنت الذي تريد أن تلعب الكرة بالشارع، تزهد في كل شيء. تشوط الكرة، تغلبك الدموع، وتجري في الشوارع متجهًا إلى الشخص الوحيد الذي يقرأ الجرائد في القرية، تسأله: ما هي القضية الفلسطينية؟ ما معنى الاحتلال؟ وما الذي يدفع الإنسانية إلى السكوت أمام قتل الأطفال؟ 

وتكمل "تكبر الأسئلة في رأسك، وصوت شيرين أبو عاقلة يمتزج بصوت الحقيقة، يكبر معك، وتكبر شيرين معه، على مدى ربع قرن، استمرت فيها جرائم قوات الاحتلال وانتهاكاتها المشينة لمعايير حقوق الإنسان على مرأى ومسمع من العالم".

وتبيّن بدوي أن "استشهاد شيرين أبو عاقلة، بالأمس، جريمة ليست جديدة أو مستغربة على النظام الذي يدهس الصحافيين تحت جنازير الجرافات، الذي لا يرهب حرمة الموت، أو الأرض. اغتيال شيرين أبو عاقلة اغتيال لنا جميعًا، نحن العرب، الذين لم تعد تحمينا الجدران أو الأشجار من الموت. إلى رحمة الله ورضوانه يا شيرين أبو عاقلة،  يا صوت الحقيقة".

المساهمون