شيء عن الرحلة

04 أكتوبر 2020
الصورة
من الحيّ القوطي في برشلونة (Getty)
+ الخط -

على بعد خطوات من كنيسة "سان جوست إي باستور"، في قلب المدينة التاريخية، سكنت في بيت قديم، ما زالت آثار الحرب الأهلية، واضحة على بعض جدرانه.

سكنت مع السيدة كارلوتا ذات الثمانية والسبعين عاماً، والمولودة في المنزل، وتتشارك العزلة مع كلبتها صغيرة الحجم "نينا"، بعد أن فارقتها ابنتها الوحيدة، لما تزوّجت من حرفي مغربي.

كانت غرفتي واسعة بسقف عال من خشب، كما هو الشائع في نمط بناء ذلك الوقت، في الحيّ القوطي ببرشلونة: الحيّ الوحيد الباقي، من بين جميع الأحياء القوطية في قارّة أوروبا.

الحيّ الذي ما يزال مخرجو السينما يؤثرونه للتصوير، ولا تعدم أن تراهم بفريقهم ومعدّاتهم وصخبهم، بين وقت ووقت، يصوّرون مشاهدَ في الحيّ، ويدورون في شوارعه كفصيل النمل.

كانت سكناي قد تيسّرت بفضل قسيس يساري، بأجرة 270 يورو شهرياً، بينما الغرفة المواجهة لي، وهي نسخة عن غرفتي بذات المساحة والأوصاف، كان يستأجرها صحافي أميركي متزوّج من عارضة أزياء روسية، بأجرة قدرها 1000 يورو شهرياً.

لم أجد عنتاً مع كارلوتا، فهي عجوز وحيدة قوية الشكيمة، وبلا أمراض، وتهفو للرفقة وتدمن الويسكي الاسكتلندي.

تدبّرت أموري معها جيداً، واضعاً حدوداً للعلاقة ومساحات التحرّك، فلم آلف منها إلّا كل احترام، ولطف.

كانت بين وقت وآخر تسأل: هل أنت مرتاح معي؟ هل ثمّة منغّصات؟ وكنت أجيبها دوماً بأني مرتاح جدّاً، وهذا حق وواقع.

إبريل ببرودته البلجيكية القارسة أعطانا انطباعاً مُغِمِّاً

شهور مرّت، كتبتُ خلالها كتابَ يوميات عن حي الغوتيكو، وبعض القصائد، وعشت لحظات شغف وقيامة بألوان مبهجة ومشرقة، حتى جاء أولادي، وتعالج ابني الصغير في مشفى برَّاكير للعيون، ثم حملنا أمتعتنا ويمّمنا وجوهنا نحو بروكسل.

فلا مستقبل للأولاد في هذا البلد، لأنه ما من فرص عمل، إلا بشق الأنفس، وبراتب ضئيل.

وعليه، فالبحث عن عمل ومستقبل للأولاد، كان دافعنا الأوحد نحو الرحيل إلى بلجيكا، إذاً.

ركبنا الباص من المحطة المركزية بالقرب من قوس النصر، وبعد نحو عشرين ساعة سفر متواصلة، مررنا خلالها على قبر الشاعر القائل: "الخطى تصنع الطريق"، وصلنا مدينة غِنْتْ، ومن هناك جاء صهري بسيارته وأخذنا لبيته الكائن في مدينة أنتويرب.

كانت رحلة السفر شاقّة، وليلية، فلمّا وصلنا بيته الصغير الضيّق، غفونا على الكنب، وبعد أربع ساعات قمنا، كي نتوجّه إلى العاصمة، وهناك نسلّم أنفسنا كطالبي لجوء إلى الكومساريا.

كان إبريل، ببرودته البلجيكية القارسة، وخصوصاً في الفجر، قد أعطانا انطباعاً مُغِمِّاً، ولما وصلنا بروكسل، تُهنا، حيث ذهبنا لمقر الكومساريا القديم الذي أُغلق، وبعد لأيٍ وتعرّضٍ لشفشفة الصقيع، الذي يكهرب العظم، وصلنا إلى المبنى الجديد في الثامنة، وصففنا في الطابور الطويل على بابه الأشبه بباب قلعة من تلك القلاع المشيدة أيامَ النازي.

لفتتني جهامة المبنى واسوداد واجهته، فذكّرتني فوراً بما رأيته في معتقل أوشفتس، قبل سنوات.

وفي نحو التاسعة، فُتح الباب، وبدأ اللاجئون الجدد يدخلون ويبصمون.

وهكذا، بعد عصر السابع عشر من إبريل، ظفرنا بغرفة واسعة، في المبنى نفسه المسمّى "بيتي شاتو"، حيث نمنا كالمقتولين من التعب، ولم نستيقظ إلا صباح اليوم التالي.

وهكذا بدأت رحلة لجوء جديدة لي، وما زالت مستمرّة، حتى اللحظة.

إذ قابلنا، أولادي وأنا، المقابلة الثانية الحاسمة، وقابل ولدي الأكبر مقابلة ثالثة، والآن نحن في خضم انتظار الرد، إمّا سلباً أو إيجاباً.

والحق، أنني لم أحبب بلجيكا، ولا الجانب الفلاماني (فلاندرز) منها، منذ واجهت أوّل علامة على العنصرية وكره اللاجئين، مِن أحد مواطنيها في الشارع.

ثم بعد ذلك لاحظت العنصرية المتفشّية في إدارة مخيّم بروخم، حيث نقيم منذ سنة ونصف، وفي تعامل موظّفيه وموظّفاته معنا، الأمر الذي لم أمر به ولا رأيت له مثيلاً، طوال سبع سنوات من الإقامة في برشلونة، والتجوال في باقي مدن وأقاليم إسبانيا الدافئة.

ومن المحتمل جدّاً أن نجد المزيد من المفاجآت، فنحن نعرف فقط الجزء الذي عشناه من القصّة.

أي نعم يا محترم.

فهذه بلاد ربّها الأعلى هو السنت، وشطر منها بثقافته ولغته الهولنديتين (الفلاندرز)، يكره الشطر الثاني بثقافته ولغته الفرنسيتين (والونيا)، وتطالب أحزاب اليمين النافذة فيه، بالاستقلال، وتكوين دولة خاصة بهم.

هل يمكن أن تبرأ كشخص من ركلات العنصرية وندوبها؟

أمّا في دروس الإدماج المفروضة قسراً على اللاجئين، فيعلموننا كيف أنهم يحقدون على الجانب الوالوني، الذي كان قديماً يملك مقاليد كل شيء في البلد، ويستخدم أطفالهم كعبيد في العمل ـ وكان الفلاندرز، آنَها، فقراء معدمين: مجرّد فلاحين لا يفهمون من الدنيا إلا شؤون عالمهم الصغير وكيف يفلحون الأرض ويرعون الغنم، ويحلبون لا غير.

ولأن العالم دولاب، وما من عالٍ يبقى عالياً، وما من واطىء كذلك، فلقد انقلبت الأمور، وها هم الفلامانيون يملكون المال ـ مصدر السلطة الرئيس، وباتوا هم الجانب الأغنى والأثرى في المملكة، وثمّة في خبايا الجيل القديم منهم، نوازع ليست سارة تجاه الوالونيين.

أما بعد: فيقال إن الفلاماني بطبيعته ونتيجة ظروفه التاريخية، هو إنسان معتم قاتم. عملي جداً وجاد جداً في عمله وفي حياته الشخصية معاً، دون ظل دعابة أو إشراقة مرح.

ويقال إنه يكره، في دخيلته، لا الوالونيين ولا اللاجئين من أمثالنا فحسب، بل يكره نفسه أيضاً.

ويأتي هذا التأويل كتبرير لبعضٍ من مشاهد الموقف العنصري عندهم تجاه الآخر (الشريك الوطني، والغريب).

فماذا يفعل شاعر، رأسماله الوحيد هو إنسانيته فحسب، في هول هذا الخضم؟

هل يمكن أن يحب البلد، حتى لو حصل على إقامة وخرج من سجن المخيّم، الذي هو بالفعل، وكما قالها ذات جلسة غاضبة، لمديرته العنصرية: ليس أكثر من معسكر اعتقال نازي ولا أقل؟

وهل يمكن أن تبرأ كشخص، بعد عامين أو نحوهما من تلقّي ركلات العنصرية وندوبها، فلا تنعكس على ردود أفعالك، فتنقلب أنت الإنساني عنصرياً بدورك؟ 

يا للهول! وأما بعد:

فمن قال إن برشلونة ليست ست الدنيا وسيّدة مدن العالم؟

ومن قال إن لها شبيهاً بين شقيقاتها الأوروبيات الكبريات، وهي حقاً بلا شبيه؟

باريس؟ برلين؟ لندن؟ هيهات... هيهات.

فما من مدينة زرتها وأقمت فيها، لها مزايا روح هذه المدينة، وطيبة شعبها عموماً، كشعب متوسّطي وجنوبي، قريب جدّاً منّا.

تحية إلى برشلونة، إلى باي دي برون والغوتيكو، إلى أيام كتالونيا الحلوة وأمسياتها الجميلة، إلى أصدقاء كثر، عزيزين على القلب، من مواطنيها وغربائها... وأما خطأ مجيئنا هنا، فقدّر اللهُ وما شاء فعل!


* شاعر من فلسطين

المساهمون