رحيل محمد الغُزّي.. كثيرٌ هذا القليل الذي أخذت

20 يناير 2024
محمد الغُزّي (1949 - 2024)
+ الخط -

من المُفارقات أنّ رحيل الشاعر والأكاديمي التونسي محمد الغُزّي عن عالمنا مساء الخميس الماضي، جاء في ذات اليوم الذي أَعلن فيه، عبر حسابه على فيسبوك، عن إصدار ديوانه الجديد "الجبال أجدادي.. الأنهار إخوتي". بل إنّ بعضاً من أشعاره، التي كتبها أواخر العام المنصرم، كانت تحمل، بالفعل، صبغة الوداع هذه: "حين يمضي العام القديم/ ثمّة أشياء كثيرةٌ تحزمُ أمتعتَها، وتمْضي ورَاءَهُ/ ثمّة غاباتٌ تترك حقائبنا وتمْضي/ ثمّة جبالٌ تتركُ دفاترنا وتمضي/ ثمةَ أنهارٌ/ ونجومٌ وينابيعُ، ثمة قلاعٌ وحصونٌ/ وحكايات شتّى/ كلّها تفردُ جناحيْها/ وتمْضي خلفَهُ/ تاركةً وراءها حُزناً رهيفاً كالضّبابِ/ وشفيفاً كرذاذِ الخَريف...".

وُلد الراحل في القيروان عام 1949، وتدرَّج في تعليمه حتى حصل على إجازة في الأدب العربي عام 1973، ودكتواره في النقد الأدبي عام 1989. ثم عمل بالتدريس في "كلية الآداب" بالقيروان، قبل أن ينتقل إلى "جامعة نزوى" بعُمان، التي عمل فيها أستاذاً مشاركاً في الأدب العربي، ولاحقاً عمل بديوان وزارة الثقافة، في عامَي 2003 و2004.

"كتاب الماء، كتاب الجمر"، الذي صدر عام 1982، هو عنوانُ المجموعة الشعرية الأولى للغزّي، وفيه انشغل الشاعر بمفهوم التضادّ، كما كتبت الباحثة كوثر خليل: "يُقدِم النصّ على جدليات مُتناسبة، فهو بين اتّصال وانفصال، ومدٍّ وجَزر، وجَمرٍ وماء، تتعايش فيه الأضداد في لُغة ثانية".  

ومن المجموعة نقرأ: "ها أنت ترجع مُترب الكفّين/ ترجع مُثقلاً في وجهك المشبوح/ فانزل آمناً نغسل بماء البحر ليلاً وجهك المسكون بالرُّعب القديم/ وجهك المشبوح تدخله طيور الماء أفواجاً/ وهذا بيتُك المفتوح منذورٌ لمدّ البحر".

كثير هذا القليل - القسم الثقافي

أمّا دواوينه التالية مثل "ما أكثر ما أعطى، ما أقلّ ما أخذت" (1991)، و"كثيرٌ هذا القليل الذي أخذت" (1999)، فامتازت بمُعجم صوفيّ خاصّ، تمكّن من خلاله صاحبها أن يعبُر بالمُفردة إلى ضفّة أُخرى، ضفّة الواقع والحداثة، التي تتجاوز التعريفات الناجزة عن التصوّف وعلاقته القديمة بالشعر. 

وخلال العقدَين الأول والثاني من الألفيّة الجديدة، صدرت له أربع مجموعات، هي: "سليل الماء" (2004)، و"كاللّيل أستضيء بنجومي" (2006)، و"ثمّة ضوء آخر" (2007)، و"استجبْ إنْ دعتكَ الجبال" (2015).

الجدير بالذِّكر أن شعريّته لم تكن حبيسة مجموعاته فحسب، بل منثورة أيضاً في القصص التي كتبها للأطفال، حيث صدرت له كتب عديدة في هذا المجال، من بينها: "صوتُ القصَبةِ الحزين"، و"كان الربيع فتىً وسيماً"، و"علّمني الغناء أيّها الصّرّار"، و"الأرض وقوس قزح"، و"ليلة بعد ألف ليلة وليلة"، و"النّخلة تمضي جنوبا"، و"حكاية بحر"، و"القنفذ والوردة"، و"رسالة إلى الشتاء"، والأخير فاز بجائزة "أفضل كتاب تونسي للطفل" من "معرض صفاقس لكتاب الطفل" عام 2013.

استجب إن دعتك الجبال - القسم الثقافي

في حوارٍ سابق، كانت قد أجرته "العربي الجديد" مع صاحب "سليل الماء"، نجدُه يتحدّث عن أهمّ مزايا الشِّعر العربي الحديث. والتي تتمثّل، برأيه، في أنّ القصيدة لم تعُد تتحدّر من الشعر فحسب، بل أصبحت تتحدّر من مجالات معرفيّة وفكريّة كثيرة. مُعتبِراً أنّ "كلّ كتابة هي في أصل تكوينها، خروجٌ من الأماكن الآهِلة ودخولٌ إلى الرُّبوع الخالية. ففي ذلك المكان القصيّ يسكُن الشعر".

تنبّه الشاعر التونسي مُبكّراً إلى الموت بقصائده، حيث وصّفه وقرأه وأحال إليه مراراً، ومن ذلك ما كتبه:
"إِنْ يجِئْ قَبلَ صياحِ الدّيك مَوْتِي
ويُفَتِّحْ بابَ بَيْتي
سأُنَادِيه تَمَهَّلْ سَيِّدي
فعَلى الأرْضِ خُمورٌ لمْ أَذُقْ أطْيَبَها
وذُنوبٌ جَمّة لمْ أقْتَرِفْ أجْمَلَها
فَاذْهَبِ اليَوْمَ وذرني لِغَدِ".

وقفات
التحديثات الحية
المساهمون