عيسى بُلّاطه: المستقبل وطن المنفيّين

عيسى بُلّاطه: المستقبل وطن المنفيّين

31 مايو 2019
الصورة
(عيسى بُلّاطه في بورتريه لـ أنس عوض/ العربي الجديد)
+ الخط -

تتعدّد الأعمال التي أنجزها الكاتب والناقد الفلسطيني عيسى بُلّاطه (1929 - 2019) وتتنوّع. لكن على تعدّدها وتنوّعها، ينتظمها خيطٌ رابط يجمع بينها جمْعَ تلاؤم وانسجام، وهذا الخيط هو الانتصار للحداثة في جميع أشكالها.

كلُّ الأعمال التي أنجزها بُلّاطه في مجالات الإبداع والنقد والترجمة، وإنْ حملت أحياناً في تضاعيفها بعض ملامح اللحظة التاريخية التي صدرت عنها وأومأت على نحوٍ خفيّ إلى المناخ الثقافي الذي تبلورت فيه، فإنّها تؤكّد على تقاذف المسافات الزمنية بينها، فلا تأتي حماسته للحداثة بوصفها طريقة في الكتابة فحسب، وإنّما بوصفها أسلوب حياة وطريقة تفكير وشكل وجود. كلُّ أعمال الرجل كانت استبسالاً في الدفاع عن أكثر النماذج الأدبية تطوّراً وجرأةً، رفضاً للتقاليد الأدبية التي تُعيد إنتاج ذاتها.

فمنذ كتابه الأول "الرومنطيقية ومعالمها في الشعر العربي الحديث" (1960) وصولاً إلى مقالاته الأخيرة، كان اهتمام بُلّاطه منصبّاً على الحداثة بوصفها خروجاً على منطق الدهر والجواهر الثابتة وانتساباً إلى منطق التاريخ والأعراض المتحوّلة. فحماسته للرومنطيقية، على سبيل المثال، إنّما ترتدّ إلى كون هذه المدرسة الأدبية كانت انشقاقاً عن سلطة الأنموذج الذي رسّخ تقاليد في الكتابة استحكمت صورها بالعقول. كما كانت، في الوقت ذاته، تأسيساً لشكل من الكتابة جديد يعقد مصالحة بين عالمين ما فتئا يتباعدان: عالم النصّ ونصّ العالم.

لقد تأنّى الكاتب في الحديث عن هذا المذهب الجديد الذي يُعدّ تحوّلاً في تاريخ الفكر الإنساني، إذ اعتبر الإنسانَ مصدر القيم وجعل الفردَ في عنفوانه وضعفه جديراً بعناية الأدب. فإذا كانت الكلاسيكية قد اعتنت بالإنسان الأنموذج، فإن الرومنطيقية اعتنتْ بالإنسان الفرد واهتمّت بإبراز شخصيته وفرديته والاختلاف الذي يميّزه عن غيره.

في هذا السياق، أورد بُلّاطه أسماء أهمّ دعاة هذه المدرسة الأدبية في الغرب من أمثال روسو، وهردر، وبليك، مُبرزاً خصائص أعمالهم الأدبية، ليخلص، بعد ذلك، إلى الحديث عن الرومنطيقية العربية، معرّجاً على أهمّ روّادها؛ مثل جبران، وخليل مطران، وعبد الرحمن شكري، والمازني، والعقّاد.

لا شكّ في أنّ هذا الكتاب ينحو منحىً تاريخياً، فيعمد إلى التقاط أهمّ مراحل هذه المدرسة وإبراز خصائصها، لكنه يُعدّ، مع ذلك، من أهمّ البحوث التي درست الرومنطيقية دراسة متأنية وأبرزت خلفياتها الفكرية والفلسفية.

هذا الافتتان بالحداثة يتجلّى أيضاً في اختياره بدر شاكر السياب موضوعاً لرسالة الدكتوراه. كلّ الأطروحة، التي صدرت بعنوان "بدر شاكر السياب: حياته وشعره" (1971)، كانت استقصاءً لوجوه الحداثة في شعره.

صحيح أن بُلّاطه أراد أن يقرأ شخصية الشاعر من خلال شعره، فذهب إلى العراق وزار مسقط رأسه والتقى بأُسرته، مؤكداً من خلال هذا الاستقصاء الوشائج العميقة التي تجمع بين شعر السيّاب وحياته، لكنّه انعطف أيضاً في أهمّ فصول الكتاب على إسهامات السيّاب في تجديد الخطاب الشعري العربي بما أحدثه من أساليب ومضامين شعرية. وفي الكتاب ملحق من عشرين صفحة ضمّ عدداً من القصائد التي لم تكتمل بعدُ احتفظ بها زوج أخته. كلُّ الكِتاب احتفاء بالحداثة الشعرية التي أعادت تسمية الأشياء بعد أن فقدت الأسماءُ القديمة حضورها وتوهُّجها، وأصبحت لا تقول إلّا خواءها.

هذا الانتصار للحداثة يتجلّى أكثر في اهتمام بُلّاطه بتجربة جبرا إبراهيم جبرا الإبداعية والنقدية. وكتابُ "التجربة الجميلة: رسائل جبرا إبراهيم جبرا إلى عيسى بُلّاطه" يصوّر العلاقة القوية التي انعقدت بين هذين المبدعين وهي علاقة امتدت على مدى خمسين عاماً، حيث بدأت من "رحاب القدس واستمرّت في منافي الشتات"، كما تكشف عن الأسئلة التي شغلت الرجلين في المجالات الفكرية والإبداعية.

خصّ بُلّاطه جبرا بكتاب ثان بعنوان "نافذة على الحداثة: دراسات في أدب جبرا إبراهيم جبرا" (2002)، والطريف في هذا الكتاب خروجه عمّا استتبّ من آراء حول صاحب "البحث عن وليد مسعود" وأدبه. فإذا كان الإجماع قد انعقد بين النقّاد والدارسين على أنّ حداثة جبرا تتجلّى في خطابه الروائي، فإنّ بُلّاطه يَخرج، في الكتاب، عن هذا الرأي ليؤكّد أنّ حداثة جبرا هي في المقام الأوّل حداثة شعرية، فقصائد صاحب "لوعة الشمس" هي عنوان تميّزه ورمز مغامرته الإبداعية.

صحيح أنّه لا يمكن التهوين من قيمة أعمال جبرا الروائية والنقدية، لكن هذا الإهمال لا ينطوي، في نظر بُلّاطه، على جرأة شعره وقوّته. فهذا الشعر قد عدَل عن "الأوزان والقوافي وقواعد العروض التقليدية"، كما عدل عن "التفعيلة كوحدة إيقاعية ضرورية فيه شأنَ الشعر الحر الذي كتبه بعض شعراء جيله مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأدونيس وصلاح عبد الصبور".

ويرى بُلّاطه أن "السبب الذي يسوّغ هذا العدول هو دفع القارئ إلى الخروج من جوّ الشعر التقليدي خروجاً كاملاً، وكأنه كان يخشى، إن هو أبقى فيه شيئاً من لوازم الشعر التقليدي كالوزن مثلاً، أو حتى مجرّد التفعيلة منه، أن يخون المسؤولية الملقاة على عاتقه وأن يرمي القارئ بذلك في جو الشعر التقليدي، فيسمح له بالطرب السطحي بالوزن الرتيب المتكرّر الذي يُدغدغ منه الحس الخارجي ولا يتعدّاه إلى عمق المضمون الجديد".

لقد اعتقد بُلّاطه بأن جبرا ابتكر لشعره الحرّ موسيقى جديدة قوامها الإيقاع الداخلي في تخيُّر الكلمات وصوغ الجمل وبناء الأفكار أو الصور؛ حيث تنمو القصيدة بذلك نموّاً داخلياً يصعد بتدرّج إلى ذروة فنية. وهكذا حللّ قصائده انطلاقاً من إيمانه بتضمُّن شعره بناءً موسيقياً سيمفونياً ذا بنية متصاعدة تصل إلى الذروة في ما يشبه أسلوب الضربة النهائية في الموسيقى.

قد لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ انتصار بُلّاطه للحداثة إنّما يعود، في وجه من وجوهه، إلى تأثُّره الكبير بأستاذه وصديقه جبرا إبراهيم جبرا. فقد ظل يردّد، إلى آخر حياته أنه تشرّب أفكار جبرا ومواقفه من الأدب والحياة، بل قال بوضوح: "إنّي أعتبره أستاذاً لي آخذ برأيه، وكأنّني ما زلت تلميذه على مقاعد الدراسة وأنا الأستاذ الجامعي".

تجلّى الاهتمام بالحداثة أيضاً في جملة القصائد التي نقلها بُلّاطه، بحسّ فنّي مرهف، إلى اللغة الإنكليزيّة بوصفها نماذج للخطاب الشعري العربي "الجديد" و"المختلف"، وهي قصائد لأدونيس وسلمى خضراء الجيوسي وصلاح عبد الصبّور وآخرين من نفس الجيل وأجيال لاحقة. ولم يكتف بُلّاطه بنقل التجربة الشعرية العربية إلى الإنكليزية، بل أردفها بنقل نماذج من التجربة السردية لكل من إميلي نصر الله، وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمد برادة، وغادة السمان، وغيرهم من كتّاب القصة والرواية.

لكن انتصار بُلّاطه للحداثة لا يتجلّى في أعماله النقدية فحسب، وإنما يتجلّى أيضاً في أعماله الإبداعية، فروايته "عائد إلى القدس" (1998) اختارت، على سبيل المثال، بنية حديثة تتمثّل في "تعدُّد الأصوات" في بناء عالمها المتخيّل. وهذه البنية من شأنها أن تتيح لنا أن نرى الواقع من زوايا عديدة، وأساليب مختلفة فنتجنّب عندئذ الرؤية الواحدة واللغة الواحدة والموقف الواحد. هذا التعدُّد في الأصوات من شأنه أن يُحوّل الرواية إلى "كرنفال"، على حدّ تعبير المنظّر الأدبي الروسي ميخائيل باختين، أي يحوّلها إلى مهرجان من الأصوات والألوان.

أضف إلى هذا أن "عائد إلى القدس" ليست "جنساً أدبيّاً صافياً نقياً، وإنّما هي مزيج من الرواية والسيرة، وهذه السيرة تختلف عن السيَر التي عرفنا اختلافَ تباينٍ وافتراق، لهذا يمكن أن نسمّيها بـ"السيرة الذاتية المتخيّلة" وهي السيرة التي تعمد إلى استدعاء أمشاج من حياة الكاتب لتوردها في سياق تخييلي صرف.

والواقع أنّ هذا العمل إنّما هو نشيد طويل كتبه عيسى بُلّاطه احتفاءً بالقدس، مسقط لرأسه، بروابيها وأزقتها وزيتونها ومنازلها؛ فالمهجر لم يضمّد الجرح، لم يُلغ الذاكرة، لم يبدّد حلم العودة. ربّما وجد المقدسيوّن في المنفى انتعاشاً اقتصادياً، ونجاحاً أكاديمياً... ربّما سكنوا، مثل فؤاد السرحان، مدناً جميلة وأحياء أنيقة، لكن لا أحد نسي القدس، كلهم ظلّوا مثل جليل حدّاد المقدسي الذي قال بعد أن رفض اقتراح وداد هنداوي أن يعمل سائقاً في واشنطن: "تعلمين أنّه لا يربطني ببلاد الإنكليز أي رابط، ولن يربطني شيء بأي بلاد أخرى خارج فلسطين، لأنّ جذور قلبي ما زالت ضاربة في روابي القدس".

أكّد عيسى بُلّاطه، منذ التصدير، أنّ شخصيات الرواية متخيّلة "وباستثناء الزمان التاريخي والمكان الجغرافي، فلا مطابقة البتّة بينها وبين الواقع الحقيقي". إنّ الأدب سليل الحياة؛ هذا ما تقوله روايته بطرائق شتى. وكون الأدب سليل الحياة، فهذا يعني أنه يُسهم في تحرير هذه الحياة، في نقلها من مجال الضرورة إلى مجال الحرية.

هذه الوظيفة المرجعية، كما يسمّيها النقّاد المعاصرون، لا تنفي عن هذه الرواية وظيفتها الإنشائية التي تؤمّن أدبيّتها وتُخرجها مخرجاً فنّياً. بعبارة أخرى، فإنّ علاقة هذه الرواية بالواقع ليست علاقة كنائية أي علاقة تجاور وإرداف، وإنّما هي علاقة استعارية أي علاقة تفاعل وحوار. فالنصّ الكنائي يظلّ على علاقة وطيدة بالمرجع موصولاً به وصْلَ تماسّ وترابط، أمّا النصّ الاستعاري فإنّه ينفصل عن المرجع ليؤسّس كيانه المستقلّ وهويّته الخاصّة، وهذا ما تتميّز به هذه الرواية/ السيرة.

كلّ هذا يفضي بنا إلى القول إنّ سؤال الحداثة كان السؤال الرئيس الذي دارت عليه أعمال عيسى بُلّاطه، فالرجل ظلّ مشدوداً إلى المستقبل الذي يعتبره وطن المنفيّين الذين ضاق بهم الحاضر. لكن الحداثة التي حلم بها بُلّاطه وقبْله جبرا ليست حداثة مجزّأة تقتصر على جانب من جوانب الفكر والكتابة، وإنما هي الحداثة التي تعمّ الحياة... كل وجوه الحياة.


* شاعر وأكاديمي من تونس

المساهمون