حين غنَّت منيرة المهدية لأتاتورك

حين غنَّت منيرة المهدية لأتاتورك

09 يونيو 2023
منيرة المهدية
+ الخط -

في "سراي بورنو" بـ إسطنبول، وفي ليلة 9 آب/ أغسطس 1928، بحضور الغازي مصطفى كمال باشا، قدَّمت المطربة الشهيرة منيرة المهدية، المعروفة في مصر باسم "سلطانة الطرب"، حفلاً غنائيّاً عامّاً. غالباً ما كان أتاتورك يحضر الحفلات الموسيقية التي تُقام في سراي بورنو. إلا أن هذا الحفل الذي شاركت فيه فنانة مصرية، والذي أُدلى بالعديد من التعليقات حوله، عدَّه بعض الباحثين خطوة أولى نحو حظر بث الموسيقى التركية الكلاسيكية في الإذاعات التركية.

يشير باحثو الموسيقى التركية مباشرةً إلى تصريح أتاتورك القاسي، الذي ظهر في الصحف بعد هذا الحفل الموسيقي، بشأن حظر الموسيقى التركية في الراديو، والذي فُرض بعد سنوات قليلة من عام 1928. يبدو أنه من الأصح عدّ هذا البيان المنشور أحد التطورات السلبية القليلة التي حدثت في السنوات العشر الأولى للجمهورية.

بدأ الحفل في الساعة العاشرة مساءً في سراي بورنو وكان مفتوحاً للجمهور. انطلق أتاتورك ورفاقه من قصر دولمة بهتشة إلى سراي بورنو. حضر البروفيسور أنجومنت بيركر (1920 - 2009) هذا الحفل وكان في الثامنة من عمره، وقد أحيت منيرة المهدية هذا الحفل مع فرقتها الخاصة. يقول بيركر إن مصطفى كمال باشا، الذي رآه لأول مرة، جاء إلى الحفل في سراي بورنو في وسط طابور من الضباط وأدخله عسكريَّان أمسكا بيديه. جاء الغازي مصطفى كمال باشا إلى الحفل في سراي بورنو حوالي الساعة الثامنة، وجلس على الطاولة المُعدَّة له، وكانت مرتفعة بما يكفي لرؤية الجمهور وبالطبع المسرح.

يقول فالح رفقي أطاي، الذي كان مع مصطفى كمال باشا في تلك الليلة، إن المجتمعِين استقبلوا أتاتورك بحماسة، وكانت هناك فرقة جاز في ركن من أركان الحديقة، وفرقة منيرة المهدية تؤدي القصائد والأغاني العربية على المسرح. من المفهوم أن المعلومات الواردة في بعض المصادر التي تفيد بأن "فرقة دار الألحان" كانت تعزف مع المطربة المصرية غير صحيحة.

يذكر البروفيسور علاء الدين يافاشّا أن أتاتورك، وهو العسكري المنضبط، قد أُعجب كثيراً بأعضاء فرقة الجاز، الذين كانوا بانضباط عسكري يرتدون ملابس أنيقة للغاية، وعزفوا بنجاح ثلاث أو أربع مقطوعات، ثم غادروا المسرح بطريقة منضبطة للغاية.

نصحها أتاتورك بتعلّم الموسيقى الغربية ليسمعها "العالم كلّه"

كانت منيرة المهدية، التي نالت مدح ملك المغرب في تلك الفترة التي قدَّمت فيها هذا الحفل بحضور أتاتورك، واحدة من ثلاثة أصوات نسائية رائعة، أحبَّها الشعب المصري، إلى جانب أم كلثوم وفتحية أحمد. قدَّمت الفنانة المصرية الشهيرة تحية احترام إلى أتاتورك ثم بدأت حفلاً جميلاً من الأغاني العربية. من بين الأعمال التي غنَّتها، هناك مقطوعة كان أتاتورك يستمع إليها بإعجاب أثناء تواجده في دمشق (1905 - 1906)، والأكثر إثارة للاهتمام، أنها غنَّت قصيدة تمدح أتاتورك من بدايتها إلى النهاية. وقد تلقَّت منيرة المهدية تصفيقاً حادّاً من الجمهور، لا سيما أثناء تأديتها لهذه القصيدة. في كازينو بارك بسراي بورنو، صفَّق الأتراك بحماس في المواضع التي ذُكر فيها أتاتورك بالقصيدة العربية. كتب جمال جراندا أن الغازي مصطفى كمال باشا استمع باهتمام إلى منيرة المهدية دون أن يتحدث. وبعد الحفل دعا مصطفى كمال باشا منيرة المهدية التي حيَّته باحترام واستمعت إليه بإعجاب، ونصحها بتعلُّم الموسيقى الغربية قائلاً: "بهذا الصوت يستمع إليكِ العالم كلُّه، لتكن شهرتُكِ كاملة".

أخيراً، اعتلت المسرح في كازينو سراي بورنو لجنةُ الآلات الموسيقية التركية التابعة لـ"جمعية أيوب الموسيقية"، تحت إشراف عازف الكمان والربابة أيوبي مصطفى سونار (1881 - 1959)، وكادت الجمعية أن تُلعن في العديد من المقالات التي تتحدث عن حظر الموسيقى التركية، وتظهر كمسؤولة عن هذا الحظر.

من المثير للاهتمام أن فالح رفقي أطاي، أحد شهود تلك الليلة، لم يذكر أي حضور لجمعية أيوب الموسيقية في سراي بورنو بكتابه "تشانكايا". ذكر أطاي أن الناس في سراي بورنو كانوا مبتهجين للغاية في تلك الليلة، مما زاد من سعادة أتاتورك. يدّعي أطاي أن الموسيقى العربية هي التي أفسدت الحالة المزاجية في تلك الليلة، قائلاً: "كانت ألحان الموسيقى العربية المُبكية تفسد المزاج".

يُفهم من مذكرات جمال جراندا أن أتاتورك لم يكن راضياً عن اللجنة التابعة لجمعية أيوب الموسيقية. قبل كل شيء، لم يُعجب الغازي مصطفى كمال باشا بالملابس غير المتناسقة، التي أظهرت قلَّة خبرتهم، ويظهر ذلك من خلال التظاهر بالاهتمام بالصحيفة التي أمامه بدلاً من الاستماع إليهم.

 وفي الوقت نفسه، كانت هناك مشكلة خطيرة في دَوزَنة الآلات الوترية بسبب رطوبة الهواء. لهذا السبب، لم تقدر الفرقة على بدء الحفل ولفت انتباه الجمهور، وخاصة أتاتورك. لم تنته التطورات السلبية عند هذا الحدّ، فالأعضاء الشباب في جمعية أيوب الموسيقية كانوا يحاولون ضبط آلاتهم من ناحية، والتحدث، بل وتعاطي الفكاهة فيما بينهم من ناحية أخرى، والتصرُّف بطريقة بسيطة لا تتوافق مع انضباط الأوركسترا التي تركت المسرح قبلهم. في هذه الأثناء، كان عازف الكمان والربابة مصطفى سنار، يحاول ضبط آلته الخاصة، بدلاً من ضبط فرقته.

بعد ذلك، بدأ الحفل الموسيقي للفرقة المكوّنة من خمسة وعشرين عضواً من جمعية أيوب الموسيقية، لتقديم تسعة أجزاء لأعمال موسيقية من مقام كردلي حجاز كار. إلا أن أتاتورك لم يكن مرتاحاً لهذا الوضع، وطلب برنامج الحفل، لكن عندما أدرك أنه ليس لديهم هذا البرنامج، انتابه ضجر وضيق جرَّاء هذا الموقف. ومع ذلك، أعدَّ أتاتورك قائمة قصيرة لأغانيه المُفضَّلة وأرسلها إلى المسرح. وقد ذكر جراندا، على الرغم من عدم تأكده من ذلك، أن هذه القائمة كان على رأسها أغنية يحبُّها أتاتورك، حتى إنه كان يغنِّيها كثيراً على مائدته، وهي من كلمات عبد الباقي بايكارا وألحان طنبوري فائزة أرجين (1892 - 1954)، وهي أغنية "Bâde-i vuslat içilsin kâse-i fağfurdan". ومع ذلك، فإن الأمور المعاكسة كان يتبع بعضها بعضاً، لأن الفرقة التي تواجه مشكلة في الدَّوزَنَة، لم تتمكن من أداء الأغنية التي طلبها أتاتورك أداء جيداً. وبالطبع، كان هذا الوضع مزعجاً للغاية بالنسبة لأتاتورك.

خلال الحفل كتبَ خطابه الشهير في تاريخ الجمهورية

في نهاية البرنامج، اعتلى الغازي مصطفى كمال باشا المسرح وألقى كلمة. في الواقع، كان الموضوع الرئيسي لهذا الخطاب التعريف بالأبجدية التركية الجديدة، لكن كان فيه جزء قصير عن الموسيقى. كان الخطاب قاسياً للغاية، ونُشر في صحف إسطنبول على مدار يومين، ثم نُشر في أنقرة بعد ذلك.

بعد الحفل الموسيقي في سراي بورنو، بدا استياء غازي واضحاً من تصريحه المنشور في الصحف. في صحيفة "حاكِميت مِليَّة" المنشورة في أنقرة، ضُمِّن خطاب أتاتورك بسراي بورنو في 11 آب/أغسطس 1928 في العنوان الرئيسي "قدَّم حضرته خطاباً هامّاً إلى الناس في حفل سراي بورنو". وجاء في الخبر أيضاً: "ألقى سمو الرئيس في الحفل العام الذي نظمه حزب 'خلق فرقة سي' بسراي بورنو في الليلة قبل الماضية، الخطاب التالي الذي استمع إليه آلاف الأشخاص"، وضُمِّنت كلمات الغازي حول الأبجدية التركية الجديدة. كتب أتاتورك نصّاً بالأبجدية الجديدة، ودعا أحد الشباب من بين الناس بشكل عشوائي أثناء حديثه وطلب إليه قراءة النص، وعندما رأى أن الشاب لم ينجح في ذلك، واصل حديثه لفترة وجيزة، وأعطى النص الذي أعدَّه لفالح رفقي بك.

وقد ورد ذلك في صحيفة "حاكِميت مِليَّة": "اسمعوا، سأجعل صديقي يقرأ هذا النص الذي كتبتُه بالأبجدية التركية الجديدة". (بعد ذلك، سلَّم فخامة رئيس الجمهورية هذا النص إلى نائب بولو فالح رفقي بك). في الواقع، يقول فالح رفقي أطاي إن مصطفى كمال باشا كتب شيئاً ما في دفتر صغير بتلك الليلة ثم ناداني إلى جانبه وقال لي: "ألق نظرة على هذا النص دون أن يرى أحد. سوف تقرأه". وأضاف فالح رفقي بك: "جلستُ ونظرتُ إلى النص فوجدتُ 'خطاب سراي بورنو' وهي الأجزاء الأولى من خطاب أتاتورك الشهير في تاريخ الجمهورية. كان أتاتورك يقول شيئين للأمّة: أبجديتُكُم ليست الأبجدية العربية، وموسيقاكُم ليست الموسيقى التي على هذا المسرح".


* مقطع من كتاب "وحدة الموسيقى العربية والتركية في القرن العشرين"، الصادر حديثاً عن "مشروع كلمة" بترجمة أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير

 

المساهمون