الحقُّ في المقاومة

الحقُّ في المقاومة

01 ديسمبر 2023
من آثار الدمار في خانيونس جنوبي غزّة، 30 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 (Getty)
+ الخط -

في كتابه "فلسطين وثقافة الحرية"، قال الدكتور عزمي بشارة: "تصحّ المقاومة لأنّ فلسطين كلَّها محتلّة، القدس محتلّة والضفة محتلّة، وطالما هناك احتلال هنالك حق بمقاومته، وفلسطين وطن واحد، وقضى الحال والتجربة أنّه يمكن مقاومة احتلال غزّة من القدس، ومقاومة احتلال القدس من غزّة".

هذا ما يطلَق عليه اسم "الحقّ في المقاومة"، وخاصّة بالنسبة إلى عالَم يعترف بهذا الحقّ، ويُقرّه في المواثيق الدولية، ثم ينكره بحسب ما تمليه المصالح، متخلّياً عن المبادئ، دون أن يزعجه الضمير، أو تُذكّره الأخلاق بالحبر الذي كتب به هو نفسه هذه الكلمات. غير أنّ اللافت أكثر من ذلك أن يكون خطاب المفكّر العربي موجَّهاً إلى القارئ العربي، أو إلى الجمهور العربي عامّةً، لا لأنه مكتوب بالعربية وحسب، بل لأنّ قضية حقّ الفلسطينيين في المقاومة، والمقاومة نفسها، وأشكال المقاومة، وضرورة المقاومة، أو عدم ضرورتها، هي مسائل يتخبّط العرب بشأنها، منذ أن احتُلّت فلسطين إلى اليوم.

ويلتبس الموقف من المقاومة بين الكلمات والعبارات والبيانات التي يقدّمها أفراد ومؤسّسات ودول، فصور الدمار التي تأتي من غزّة، كانت تستخدم، وما زالت تستخدم اليوم، أحياناً، على الغرار الذي يشير إليه الكتاب: "فهم قد يسمّون ما تقوم به إسرائيل محرقة، وإبادة شعب، وذلك ليس لكي تتّهم إسرائيل، بل لكي يؤكّد أنّ الثمن الذي تدفعه الناس نتيجة لفعل المقاومة".

تتكرّر المذبحة، غير أنّ لغزّة وظيفتها تجاه التاريخ: تكرار المقاوَمة

يكتب عزمي بشارة هذه الكلمات في مواجهة الحرب التي كانت تشنّها "إسرائيل" على قطاع غزّة في نهاية عام 2008، ولا يختلف الأمس عن اليوم، إذ تتطابق الوقائع التي نشهدها اليوم في حرب إسرائيل على غزّة، مع الوقائع التي يشير إليها الفصل الأوّل من الكتاب، والتي كانت واحدة من سلسلة حروب لم تتوقّف طوال التاريخ المعاصر، منذ أن احتلّ الصهاينة فلسطين.

هل يعيد التاريخ نفسه؟ سوف يسارع كثيرون للقول: لا، غير أنّ ثمّة استثناء هنا، هو غزّة، لا يقول الكتاب هذا صراحةً، غير أنّ المقالات المكتوبة هنا، قبل خمسة عشر عاماً، تقول إنّ سياسة "إسرائيل"، وإنّ سياسة العالم المؤيّد لـ"إسرائيل"، وإنّ سياسة الدول العربية، تجاه غزّة، تتكرّر بالطريقة ذاتها التي ستؤكّد لنا أنّ التاريخ يعيد تكرار نفسه، وهو يعيدها في كل حروب "إسرائيل" ضدّ غزة، وضدّ أيّ مكان في فلسطين يعلن المقاومة، يعيدها بصورة أكثر وحشية ودماراً وعنفاً، بحيث يخال المرء أنّ وظيفته تجاه غزّة هي: تكرار المذبحة. غير أنّ لغزّة وظيفتها تجاه التاريخ وهي: تكرار المقاومة.

لدينا صورة للصفحة الأُولى من جريدة "الدستور" الأردنية، تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي، صادرة في العام 1970، يتصدرّها مانشيت باللون الأحمر يقول: "بدء تفريغ قطاع غزّة من السكان"، تقول الصورة أيضاً إنّ التاريخ لا يزال يتكرّر، وتقول أيضاً إنّ التحدّي الذي قد لا ينتبه إليه كثيرون، هو أنّ "إسرائيل" أرادت تهجير 300 ألف مواطن فلسطيني كانوا في غزّة حينئذ، وإنّهم لم يُرحَّلوا عن فلسطين، بل قاوموا، وازداد عددهم. صاروا مليونَين وثلاثمئة ألف فلسطيني.


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون