الإبادة الثقافية... قيثارة محطمة وهوية ولغة

07 ابريل 2021
الصورة
نائب مدير "المتحف الوطني" ببغداد إثر تخريبه ونهبه بُعيد الاحتلال الأميركي (Getty)
+ الخط -

الإبادة الثقافية موضوع لم تتعرف عليه الثقافة العربية إلا منذ سنوات قليلة. ومع أن هذا النوع من الإبادات شهدته عدة بلدان عربية، من العراق إلى اليمن، وكان مثوله واضحاً لا سبيل إلى إنكاره، وصدرت عدة كتب تتناوله في اللغات الأجنبية التي يتباهى عرب كثيرون في إجادتها، بل والتغني بمحاسنها، ظلّ بعيداً دلالة ومفهوماً عن التداول، سواء في الفضائيات العربية التي تزحم الفضاء أو في الخطابات التي تردد قاعاتُ المؤتمرات أصداءها، إلى أن صدر كتاب "أميركا والإبادات الثقافية" لمنير العكش (2009)، فكان الأول من نوعه في أجواء الثقافة العربية، والأول في توثيقه لأحداث تدمير حياة أهالي الأميركيتين واقتلاعها من الذاكرة التي قامت على أساس فكرة جاء بها معهم أوائل المستعمرين الإنكليز نسجوها حسب قول الكاتب "من لحم فكرة إسرائيل التاريخية، فكرة احتلال أرض الغير، واستبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ".

قبل ذلك كان هذا الموضوع ينزوي تحت عنوان سرقة الآثار، أو نهبها، ولا يحظى حتى هذا العنوان باهتمام واسع على صعيد الرأي العام، وإن حظي يظل بعيداً عن الاندراج تحت عنوان "الإبادة"، ربما لأن الآثار كتراث ثقافي ظلت إلى عهد قريب، على رغم انتشار المتاحف، وتدريسها كمادة علمية في الجامعات، خارج نطاق الوعي الجمعي. وأتذكر أن فلاحاً عربياً من بلد تبلغ فيه التلال الأثرية الآلاف عدداً تفاخر أمامي ذات يوم أن محراثه اصطدم ذات يوم بعمود أثري، فسارع إلى طمره، بل وصبّ عليه برميلاً من الإسمنت حتى لا تكتشف السلطات أمره، ويحدث ما لا تحمد عقباه! أي أن تستولي الدولة على الأرض، وتعتبرها منطقة آثار يجب حمايتها كما قال.

موضوع الإبادة الثقافية، يكاد يكون ممارسة حديثة نسبياً حسب أحدث كتاب وضعه الأكاديمي الأميركي لورنس ديفدسون بالعنوان ذاته (2012)، ولكن هذا التوصيف يفتقر إلى الدقة، لأن عودة بالذاكرة إلى الوراء تظهر أن الإبادة الجماعية، أي إبادة الأجساد، والإبادة الثقافية كلاهما، مارستهما القوى الاستعمارية في القرون الماضية وفي الأزمنة الحديثة على حد سواء. وليس كتاب "القارات المسروقة: غزو ومقاومة في الأميركيتين" (1992) للباحث البريطاني/ الكندي رونالد رايت، سوى واحد من الكتب المعنية بالغوص عميقاً في القرون الماضية، وكشف أفظع ما تعرضت له شعوب الآزتك والمايا والإنكا والشيروكي والإيركواي من إبادة لثقافاتها بتدمير مكتباتها ولغاتها واستعباد سكانها.

الإبادة الثقافية مفهوم حديث نسبياً في الكتابة حوله

ولا يختلف ما تمثله شواهد هذه الإبادة في الزمن الراهن عمّا مثلته شواهد العصور القديمة، إلا في نوعية الجيوش وشاراتها. فهنا بدلاً من تلك، تُجنّد فرق "علماء" إناسة وعلم اجتماع ونفس، تلحق بهم فرق موت وفرق نهب وسلب، بعضها يتخصص بتدمير المساجد والكنائس، وبعضها بسرقة محتوياتها، ومحتويات المتاحف والمجموعات الخاصة، والكتب والمخطوطات والمشغولات المعدنية والحجرية واللوحات الفنية وكل ما تطاله اليد، وبعضها يتخصص بملاحقة العلماء من مختلف التخصصات قتلا وتشريداً. وخصص لورنس ديفدسن في كتابه المشار إليه آنفاً فصلا للتدمير الممنهج الذي اتبعه ويتبعه المحتلون الصهاينة للثقافة الفلسطينية، إما بالقضاء على شواهدها المعمارية والاستيلاء على مصادرها من كتب ووثائق، أو بانتحال منتجاتها.

الصورة
آثار ومقتنيات اختفت بُعيد احتلال العراق تظهر من جديد في "متحف الموصل"، تموز/ يوليو 2003
آثار اختفت من بغداد بُعيد احتلال العراق تظهر من جديد في "متحف الموصل"، تموز/ يوليو 2003 (Getty)

وتذكر أخبار الأيام الأولى التي احتل فيها الغزاة الصهاينة القدس عسكرياً في العام 1967، أن سيارة سوداء تسللت وفيها عدد من اللصوص "الخبراء"، ووقفت أمام المتحف الفلسطيني، وهبط منها هؤلاء ودخلوا قاعات المتحف؛ كانت الغاية الاستيلاء على مئات المخطوطات المسماة "لفائف البحر الميت". ولحقت بها بالطبع موجودات المتحف الأخرى. ولا تنسى العاصمة اللبنانية سرقة المحتلين الصهاينة لمحتويات "مركز التخطيط الفلسطيني"، في ما يمكن اعتباره استمراراً لسرقة ونهب محتويات المكتبات الخاصة في المدن الفلسطينية بعد احتلال فلسطين في عام 1948، وفي هذا السياق نفسه لا تغيب عن ذاكرة العراقيين أن هؤلاء اللصوص ذاتهم تسللوا تحت مظلة قوات الاحتلال الأميركي إلى "المتحف العراقي" واستولوا على نفائسه، قبل أن يشرعوا أبوابه لتعمه الفوضى، وما تلا ذلك من عمليات اغتيال لمئات العلماء والخبراء العراقيين على يد أجهزة المخابرات الصهيونية على وجه الخصوص.

هذا وجه من وجوه الإبادة الثقافية يتمثل في محاولة محو الذاكرة عن طريق محو الآثار الملموسة والوثائق والمخطوطات والكتب وقتل حملة الخبرات الثقافية. ولكن هناك وجه آخر مثاله كتاب حمل عنوان "الإبادة الثقافية في مناهج تعليم السود والأفارقة" صدر في عام 1972 للكاتب يوسف بن جوشانان (1918-2015)، وفيه سرد مطول لما جرى للأفارقة منذ استعبادهم في العالم الجديد، أي الأميركيتين، طيلة خمسة قرون تقريباً، وهذا النوع من الإبادة يمارسه الصهاينة في فلسطين عبر فرض مناهج تعليم تلغي من ذهن الفلسطيني أي أثر لوطنه في الماضي والحاضر.

كانت الإبادة الثقافية تنزوي تحت عنوان سرقة الآثار

ويعرض كتاب "القيثارة المحطمة: الهوية واللغة" للأيرلندي توموس أوين الصادر في عام 2014، ما تعرضت له اللغة والهوية الأيرلندية من إبادة، كإحدى أكثر نتائج الاستعمار البريطاني المتعدد الوجوه خبثاً لشعب إيرلندا منذ القرن السادس عشر. وهناك كتاب مؤثر للكاتب الاسكتلندي آلاستر ماكنتوش عنوانه "روح وتراب" (2001)، يتناول فيه إبادة الثقافة الاسكتلندية التي بدأت مع الاحتلال البريطاني في القرن السابع عشر لاسكتلندا، لغة وتقاليد وأقاصيص وتاريخاً، وتشريد الاسكتلنديين بعد الاستيلاء على أراضيهم وقتل المدافعين عنها، ومسيرة قوافلهم نحو الشواطئ وركوب السفن إلى المنافي البعيدة، في مشهد يذكر بتشريد الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه.

الصورة
أسد من الحقبة الآشورية أصابه التخريب أثناء نهب "المتحف الوطني العراقي" في بغداد في نيسان/ أبريل 2003 (Getty)
أسد من الحقبة الآشورية أصابه التخريب أثناء نهب "المتحف الوطني العراقي" في بغداد في نيسان/ أبريل 2003 (Getty)

صحيح أن القتل الجماعي ترافق مع الإبادة الثقافية طوال تاريخها، إلا أن إبادة الأرواح ظلت تحتل رأس القائمة، والتي تعني إبادة مقومات الثقافة، مثل اللغة والموسيقى والروايات وما إلى ذلك. بل وعدّ عتاة الاستعماريين نجاحهم في الهيمنة وإخماد أي مقاومة رهين نجاحهم في تدمير هذه المقومات الثقافية لأي أمة تقف في وجههم. وأثبتت تجارب مقاومة التسلّط والغزو أن المتسلطين والغزاة لا ينتصرون ما داموا يعجزون عن كسر إرادة المقاومين، أي تدمير أرواحهم. ولهذا السبب ربما تكتسب كلمات صاحب كتاب "روح وتراب" قيمتها، حين يكتب "إن نجاح مقاومة ما أحدثه البريطانيون من خراب في اسكتلندا، يتوقف على استعادة العلاقة بين ثلاثة عناصر هي "الروح والتراب والمجتمع".

والثقافة هي المؤهلة لإحداث التركيب الفعّال من هذه العناصر الثلاثة. تماماً كما تحدث المفكر الجزائري المقاوم مالك بن نبي حين علّق شروط المقاومة والنهضة على الفكرة التي تحدث تركيباً من عناصر ثلاثة هي: التراب والزمن والإنسان. الثقافة هي التي تحدث هذا المركّب، ومن دونها تظل العناصر شتيتة، وبلا فاعلية. ونعتقد أن هذا هو ما تفعله قوى الغزو والعدوان في هجومها على عنصر الثقافة؛ أن تجعلها عاجزة عن القيام بمهمة إيجاد تركيب تتفاعل فيه قوى المجتمعات مع زمنها وترابها، فتظل مشتتة آيلة إلى التلاشي والانطفاء.


* شاعر وروائي وناقد من فلسطين

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون