احتجاز

احتجاز

29 يناير 2022
دُنى غالي (تصوير: فنَن عماد)
+ الخط -

إقامة وقتية

حين تعلو الأصوات كنتُ أحدِّق مِن على السرير في الدوش المنتصب فوق رأسي. ينتابني الإحساس بأنه سيقطر عليّ شيئاً أخضرَ صدئاً، صديداً مخاطياً سيلوّث جسدي المُتَلحِّف حتى حنكي أثناء استلقائي. أسمعُ إيقاع القطرات رغم التغليف المُحكَم للرأس بكيس من النايلون، ورغم غَلْق الفم داخل الكيس بشريطٍ لاصق عريض.

لا تغمضُ عيني بسهولة. قاموا بتسليط فوّهته تماماً فوقي، وكلّما دفعتُ رأسي أعلى الوسادة تحاشياً لما سينهمر عليّ كنتُ أصطدمُ بخلّاط الحنفية من خلفي.


■ ■ ■


مكانٌ عانس

لا يمكن لزنزانةٍ إلّا أن تشي جدرانها بالرائحة والصوَر. يافعة، لا يكفّ جسدي عن الرجفة طوال الليل، ليس خوفاً فقط. لفرحي به، كنتُ أنظر في المرآة الصغيرة إلى جانبي. جسدي وهو يُهدى إليه. تروح أظفاري تُقشّر طبقات طلاء الجدار حذوَ السرير. مثل قطّة بيتية لا تملك وسائل أخرى لتنعّم مخالبها. ترتسم أشكالٌ غريبة. كيف ترين كلّ هذا؟ الفن في الرؤية. أرواحٌ مخنوقة تلوذ بالزوايا! رؤوسٌ قد اقتيدت من شَعْرها، هناك في الزاوية، بين السقف والجدار، مجنوناتٌ معلّقات في الهواء. لم تدخل هذا البيتَ بناتٌ غريبات قبلَكِ. لكنّي أرى نساءً، أقفلْن الباب على أنفسهنّ، ونُسيَ أمرُهُنّ. ليس غير العنكبوت المُسنّ مَن يسندهنّ.

قد اعتنوا قدْر الإمكان بتنظيف المكان. لا تتجاوز مساحته المترين المربّعين. تمّ تجهيزُه بسريرٍ منخفض امتدّت عليه حَشيّةٌ لم تكن سميكة. وزني لا شيء، وقد صَفَّ لي في الجدار إلى يمين الباب خِزانةً حديدية طويلة ضيّقة، تحوي قسمين، تلك التي تستخدم في الدوائر الحكومية. دخلتْ عبر الباب مثل عمود كهربائي وانتصبت أمامي. ذرورٌ من الصدأ الأحمر تهمي من أدنى احتكاكٍ. رائحتُها تعلق بقوّةٍ في أشيائي القليلة كلّما فتحتُ أحدَ بابَيْها الضيّقين. قميصان أبيضان، زوج جوارب نايلون، منشفتان، وماذا بعد؟ مكياجي لم يكن يتعدّى قلم الكحل وأحمر الشفاه. يستلّه من جيبي ليستنشقه. شهيقٌ بطيء وعميق.


■ ■ ■


ظلال

حيّزٌ صغير رطِب مهمَل وقديم، تهتزّ جدرانه في كلّ مرة تُدوّي قذيفة على إسفلت الشارع، أو تنفلق في الجوّ. الباب ضيّق، لا يُفتَح إلّا إلى الخارج، أُقْفلُه عليّ من الداخل بقفلٍ رخوٍ من نوع أنثى وذكر غير متحابّين كثيراً، لذا يظلّ ذلك الشقّ الطوليّ الرفيع يسرّب ضوء الخارج الذي ينحجب لثوانٍ ثم يعود: أزواجٌ من عيون نصف مفتوحة، متلصّصة في رُواحها ومجيئها، خارجاً في فضائهم المنسيّ.


■ ■ ■


مواء متواصل

حين تهيج أصوات القطط يتحرّك شيءٌ فيّ. أعرف أن حركةً ما قد تكون اقتربت من الباب الجانبي للمطبخ المطلّ على الحديقة وموقف السيّارة. قد يكون انفتح ودخل أحدهم أو يكون قد غادر. أتخيّل حالة الاستنفار التي تصيب الثلاثة. ولكنْ قد يكون لمجرد إعدادهم وجبة سمك أفقدت القطط صوابها، أو يكون طقْس فتْحِ أفواه جِرار الخضراوات المخلّلة. كانت تُلْطَش بالطين لمنع تسرّب الهواء. أُلصقُ أذني في الجدار فأسمع البسبسة وهنّ يقرأن الأدعية التي تقي الجِّرار من الإصابة بالعَفَن. أحياناً يصلِني صوتُ تسلّقِ القطط وخربشة مخالبها للشبكة الناعمة على الباب الأوّلي الذي يُركَّب ليصدّ الذباب والناموس، أسمع صوت مناداتهن للقطط بأسماء الإثني عشر إماماً، أو زجرها.

  
■ ■ ■


ظهور وقتي

يتعبُ جفناي ويسقط الكتاب على إيقاع حساب أياّم الإقامة في المكان الآمن الذي وجَدَه لي. لم أكن مرئيّةً حتى يتّحد بي فأظهر. أنهض لأطفئ الضوء أعلى فتحةِ الباب، ولا تسلَم أصابع قدمي كلّ مرة. تزرقُّ بعد ضغط الزرّ على يمين الباب لإطفائه. أنسى حتميّةَ الاصطدام بالحنفية المدفونة أسفل الجدار قريباً من الأرض إلى اليسار.

ألعن، بالضدّ من الهذيانات التي تتسلل إليّ من الفتحات. صرتُ أعرف الآيات التي يطيّرونها في فضاء هذا البيت. لم تكن الحنفية لتخيفني حين يسقط عليها القليل من الضوء ليلاً، لكن أسفلها كانت هناك البالوعة ذات الفوهة المربّعة. رغم أنه قام بغلْقها بقطعةٍ من ورق مقوّى ثبّتها بشريطٍ لاصق عريض، ظلَّ الصوتُ الذي يطلع منها يشبه نواحاً أجوفَ له رائحة عطنة. منعني من فتحها ثانيةً وتسليط ضوء التورجلايت بداخلها.


■ ■ ■


ضحك وخوف

ينامون مبكّراً جدّاً. أطفئ الضوء وأعود لمكاني. أُمارس استذكار الدهشة في تخيّلي لقائنا، لمرّتين، ولمرتين متتاليتين قام بتزوير إجازة النزول. نضحك، وخارج ثنائية المحلَّل والمحرَّم تنسحق في قُبلَتِه حبّات الرمل الناعم ما بين أسناننا، وهو لم يأتِ إلّا قبل أن يستحمّ في النهر، لكنّه يعود ليرتدي الملابس العسكرية المطيّنة ذاتها. 


■ ■ ■


دفاعات

كيف يمكن للجدران ألّا تبوح بالسرّ. ألا يمكن أن تودّ ذلك وبشدّة. كانت ستتنفّس، لذا كلّ تلك التصدّعات! تلك الكسوة الثقيلة التي تنزل على هذا البيت المكعّب وتسدّ منافذه. اختاروا الحبس الانفرادي بداخله. ربّما لم يكن اختياراً محضاً، مثل المذهب أو الطائفة. عاداتٌ فحسب يصعب التخلّص منها بمرور الوقت. وجوهٌ خالية إلّا من رعب الحياة. يتصادى، الصوتُ غير واضح. هم يحذرون من تبادل كلمات تخرج عن المقرَّر للحوار، ولا مجال للسؤال عن شيء، أو جدوى من فكّ الأسرار. كما من الحمق الاستعانة بالخيال. لا أتلصّص. لا يهمّني إلّا الجزء الذي يوضّح علاقتنا وصِلَته هو بهذا المكان.


■ ■ ■


آب

منتصفَ تلاوة من القرآن بثّ المذياع بياناً هامّاً في المطبخ. لم أعرف فحواه. تسلّل مع رائحة حمْس البصل عبر المشبك الصغير أعلى الجدار في الحمّام. أعمى العنكبوتُ الهَرِم أغلب عيونِ المشبك لضجره. أُطفِئتِ النارُ وفرغَ البيتُ بعدها، على غير عادته. انقطعت الأصوات. في العادة لا يغادرون غرفهم إلّا في الثلاث وجبات اليومية، وأوقات التوضّؤ الخمسة. بالإمكان ضبْط ساعات العالم وِفْقَها. كلّ ما يفعلونه هو التهيئة اللازمة لموتهم، تتخلّلها تدريبات على إسعافات أولية بسيطة.

تجرأتُ وخرجت. فتحتُ الغرفة المجاورة لي. الفتحة الضيّقة تحت الباب تسرّب ضوءاً ساطعاً يثير استغرابي على الدوام. لم يكن الباب موصداً كما ظننت. انفتح بمجرّد إدارة أكرة الباب. كأنه الكون بأسراره. بامتلائه وفراغه، بضجيجه وسكونه: أشياء كثيرة تتفتّت بمجرّد لمسها، أخرى اختفت بعد ثانية من استدارتي لرؤيتها. الأشياء أصلاً تضيع هنا في هذا البيت. قبل يومين افتقدتُ أحد سراويلي التي نشرتها على حبل الغسيل المخصّص لي. كان مُتاحاً لي التحرّك في باحة صغيرة، ذات سقفٍ نصفي ذي خشب بالٍ تحتمي تحته قططهُم. يتركن حنفية الحوض الخفيض تقطر لهم الماء خوفاً من شرّ حرارة أشهر الصيف.

ينفتح باب الغرفة أمامي على مساحة مترامية شاسعة، بتأثير الحيّز الضيق الذي حُشِرتُ فيه. كما لو أني أتنفّس من داخل حكاية خرافية. الضوء كان وهّاجا، خلاف كل البيت، أغشى بصري، قادمٌ من جهة الشبابيك العارية. الغرفة خالية من الستائر التي كانت سميكة مبطّنة محكمة الإسدال في باقي أنحاء البيت. زجاجٌ عارٍ من أكياس الرمل. طبقة سميكة من التراب تغطّي سطوح كلّ الأثاث القليل في الغرفة. أثرُ أقدامٍ ليس بقديم. طبعة موحّدة ومقاسٌ واحد، غطّته طبقة من ترابٍ حديثاً.


■ ■ ■


تماسّ

يدخلُ فجأةً بعد غيبة طويلة جداً. أفزّ من مكاني. هناك لا بد ما حدثَ في العالم الخارجي. قد استحمّ في النهر، وزوجةُ فلّاح أعارته ملابسَ عوض ملابسه العسكرية. كان رطباً لزجاً متعجّلاً، وقد عَلِق شيءٌ على جسدِه منّي فأنذَرَ بهروبنا. في الحال ومن دون إشعارِ أحد، قال.

ذلك كان بعد أن أخبرته بما انسفح على أرضية الغرفة المجاورة من دون قصدٍ مني. امتلأت المساحات الفارغة بتلك القناني والعلب الزجاجية، أرض الغرفة الواسعة بأكملها. أحجام مختلفة، ألوان مختلفة وسدّاداتٌ وأقماعٌ شتّى! كانوا يشربون من هذا السائل الذي يملأ كلّ تلك القناني والفوارغ التي رأيت بعضها على رفوف مطبخهم.


■ ■ ■


حَفْر

مدينة مهجورة مثل تلك الأجساد التي أذكرها. أحدُهم تَعَمَّدَ أن يترك الباب مفتوحاً لتلك الغرفة. لا أذكر الآن، بعد مرور كل تلك السنوات، المعمل الذي يديره الأحفاد، إن كان في الركن على يسار الباب أم يمينه.


بطاقة

روائية وشاعرة ومترجمة عراقية من مواليد البصرة عام 1963، تقيم في كوبنهاغن منذ 1992. صدر عملها الأول عام 1998 بعنوان "حرب نامة"، وأتبعته بالعديد من الروايات (مثل "منازل الوحشة" و"بطنُها المأوى") والمجموعات الشعرية ("حديقة بعطر رجل"، "تلك المراوح التي تلوّح من بعيد")، إضافة إلى نصوص سردية وترجمات عن الدنماركية، من آخرها "إن أخذَ الموتُ منكَ شيئاً فرُدَّهُ إليه" لـ نايا ماريا آيت و"هَدْم" لـ توم كريستينسن.

نصوص
التحديثات الحية

المساهمون