أيام في أنتويرب

أيام في أنتويرب

20 أكتوبر 2021
من مدينة أنتويرب البلجيكية (Getty)
+ الخط -

ذهبتُ إلى مدينة أنتويرب البلجيكية لكتابة عمل أدبي، بدعوة من الإقامة الأدبية، الفرع الفلاماني، لـ "نادي القلم الدولي". قالت الكاتبة إلينة، المكلّفة بالتواصل معي، إن الشقة التي سأقيم بها توجد في قلب المدينة، وكان كلامها صحيحاً. قالت إن منظر محيط الشقة خلاّب ومليء بالكنائس العتيقة والبارات والمتاحف والساحات، وكان ذلك رائعاً وجذاباً. إنني أهتم، عادة، للإقامات الموجودة وسط المدن أكثر من التي في الضواحي.

على خلاف معظم الكتّاب، لا أحب الخضرة والطبيعة والماء ولا أكتب وسط الطبيعة إلّا نادراً. أكره أن أكون وحيداً مع الأشجار والماء والبطّ. عادةً، أكتب في الساحات العامرة والأماكن المكتظّة والمقاهي والبارات وأحسّ بالسعادة والاطمئنان وسط الفوضى وحديث الناس ونقاشاتهم. هناك شيء مميّز في الحركة التي تحيط بك دون أن تكون معنياً بها ولا شريكاً في فوضاها.

يحدث غالباً أن أحسّ الهدوء وسط فوضى الوجود، فأكتب وأنغمس في النص. هل لذلك من سبب؟ ربما لأنّني أمضيتُ طفولتي في الحقول والخضرة والماء قرب الأشجار والطبيعة، وكانت حياتي بين الصحراء والواحة. اكتملت الدورة وتحقّق فائض الهدوء. ماذا تفعل العين المملوءة بالخضرة بمزيد من الخضرة؟ أشتهي الصناعة والزحام وتحوُّلات الحياة التي تمنع صوت قلقي الداخلي من الصعود إلى السطح وتمنع أسئلة الوجود التي غمرتني وقتَ الطفولة وفاضت. لقد أحسستُ بالغبطة كثيراً وأنا أتجوّل في ضجيج نيويورك وشيكاغو والقاهرة وبيروت وباريس أكثر ممّا أحسستُها وأنا أنعم بهدوء لوزان أو فرجينيا.

نزلتُ قرب محطّة القطار، بعد رحلة بالسيارة من مطار بروكسل. تمشّتْ معي مسؤولة الإقامة، وهي كاتبة ومناضلة حقوقية، على الأقدام لخمس عشرة دقيقة. تحدّثت كثيراً عن نضالها لأجل الكتّاب المضطهدين في العالم. ثم أخبرَتْني أنّني ربما الوحيد، من بين الكتّاب، الذي سيسكن شقّة أنتويرب دون أن يكون ملاحقاً من طرف حكومته. قلت لها: حكومتي هذه الأيام لا تلاحق المبدعين. لاحَقَتهم خلال سنوات الرصاص القديمة وسجنتهم ثم دفعتهم إلى الاهتمام بالأشكال والأساليب بدل الأفكار. لقد رسموا حدود حركتهم ولم تعد السياسة تستهويهم لأنّ المواطن لا يقرأ الأفكار بل يقرأ عن الفضائح والمؤخّرات ويهتم بالصور والفيديوهات...

ماذا تفعل العين المملوءة بالخضرة بمزيد من الخضرة؟

تمشّينا طويلاً وكنتُ سعيداً بالمشي. من الصعب أن تُقنع كاتباً عربياً دعوتَه إلى لقاء أدبي بأن يتمشّى. أحياناً أدعو كتّاباً مغاربة وعرباً إلى لقاءات أدبية عديدة بالمغرب فيتذمّرون من المشي ولو لبرهة. المشي دلالة احتقار والسيارة التي تنتظرهم عند كلّ حركة دلالة اهتمام من المضيف. يريدون أبّهة مغشوشة ولو للحظة فيُكثرون على المضيف من آيات التذلّل مثل حبيبة تهوى المـتع وتتمنّع.

الدرّاجات كثيرة في أنتويرب. أغلب الناس يركبون الدراجات ويتمشّون وعلى وجوههم ابتسامة المساء المُشبعة بالرضى والأمان. صفّ الدراجات في كل مكان يحتاج بطاقتك البنكية فقط. نُسمّي الدرّاجة في المغرب بِّيكَالَة، وبْشَكْلِيطَة تحويراً للاسم الفرنسي بِسِيكْلِيتْ. البَيَاكِلُ نعمة في أنتويرب، لكن المغاربة ينظرون إلى الدرّاجة نظرة احتقار. راكب البّيكالة، بالنسبة لهم، بسيط، معدم، لا قيمة لكلامه. يركبها الحرفيون والصنّاع والمياومون والأطفال، وهم في أدنى مراتب السلّم الاجتماعي في البلد. السيارة عنوان الوجاهة الاجتماعية. حين يشتري المغربي السيارة يستعملها في كل لحظة ليتباهى ويخنق الطريق ويُكثر من استعمال المنبّه الصوتي لينتبه الجالسون في المقهى المجاور إلى نوع المركوب. حتى وهو يشتري خبزاً من المحل القريب يركب السيارة ليُصاب، في منتصف العمر، بأمراض القلب والضغط والانطواء وينتهي جثّة متباهية تتنفّس بصعوبة. إذا ركبتَ سيارة صغيرة سيحتقرك جميع الناس بدءاً من حارس السيّارات الذي لا يملك قوت يومه لكنه يراقبك ويحكم عليك، مروراً بأقربائك وأنسبائك وزملائك في العمل...

تمشّينا وتبادلنا أطراف الحديث وسمعتُ كلاماً كثيراً عن الضيوف الذين سبقوني إلى الإقامة، حيوات تنداح أمامي في الطريق لكتّاب وفنّانين من دول العالم المترامي، تضايقهم الحكومات فيهاجرون بحثاً عن الراحة في تلك الإقامة الصغيرة...

أمشي والأقدام خلفي. عليّ أن آلفها. عليّ أن أستوعب الطمأنينة في مدينة لن يباغتك أحد فيها من الخلف بسكين أو يصدمك شخص بكتفه دون أن يعتذر. الحذر كائن أسطوري يلعب معنا في الدار. الحذر يتسلّل الى الأطراف كافة ويتربّع على العرش. قالت إلينة إنّ الأمان موجود حتى بالنسبة للأطفال والنساء ليلاً ونهاراً. لا خوف عليك من أي شيء. تذكّرتُ زاكورة المدينة الجنوبية الهادئة، حيث أمضيت طفولتي. هي مكان لا يخاف المرء فيه ولا يلزمه الحذر. لكن الحذر ضروري في المدن المحاطة بالسوء مثل كازابلانكا. فكّرتُ: عليك أن تضع الحذر خلفك، أيها المسافر، حتى حين. احزمه في كيس وضَعْهُ في المطار واحمله معك في رحلة العودة لتعيش به في مدن تُقطّعها سكاكين الوجل والبارانويا. قطعنا المسافة ونحن نتفرّج على المحلّات التي تعرض اللباس والماس. مدينة أنتويرب معروفة تاريخياً بالماس. الشوارع فسيحة والأزقّة مبلّطة بالحجارة. محلّات الأكل واللباس في كل مكان. حياة ممتدّة من الأناقة والمتعة. وصلنا إلى الزقاق ثم إلى الشقّة. دخلتُ.

■ ■ ■

الفراش صغير. رغبتُ في غطاء كبير في الغرفة كما تعوّدتُ. لا بُدّ من نَوْمَة في صرفها غيّرٌ. أحبّ أن أغطّي رأسي أثناء النوم. لا أطيق أن أتركه في الخارج عرضة للظلام. سوف يدهمني شيء غامض لا أعرفه. الغطاء أمان. منذ الطفولة ألفتُ أن أغطي رأسي. ربما للأمر علاقة بالزوابع والزواحف والحشرات التي كانت تجول في قريتي الصحراوية ليلاً. فكرة دخول الذباب إلى الفم والأنف تسكننا وتتبعنا في الخيال فنهرب منها بالتخَبّي وسط اللحاف. حتى في المدن البعيدة المحاطة بالنظافة والأناقة والأمان نتغطّى. الفكرة المقرفة المخيفة لحشرة داخل الفم تجعل الجسد يرتعد.

سوف أكتب عن كلّ شيء لأتطهّر منه، فأنا أكون غزيراً في ضيافة مناخ مختلف حيث تنتعش المقارنات. الأشباح والموتى أيضاً قد يظهرون حالما تنطفئ الأضواء في هذه الشقّة الصغيرة. أريد أن أشعر بالخوف كما في الطفولة لكي ألتذ باستعادة الأسباب وتحويرها فنيّاً لتطغى الصورة على الفكرة. تعجبني انزياحات الوجود. من يضمن لك أن ميتاً أو شبحاً لن يأتى ليطوّق رأسك العاري. الغطاء أمان وجدار. أووف، الغطاء قصير، وإذا غطّيتُ رأسي تتعرّى رجلاي ولن أنام. في هذه الحالة، قد يأتي ملاك مسيحي تائه من الكنيسة القريبة ليدغدغ رجلي من الأسفل. سأغطي رجليّ وأترك رأسي. على الأقل الرأس قريب من اليدين لتطرد أي شيء قد يدهمك. أمّا إحساس الدغدغة في الرجل فبعيد ولا حلّ له.

اندمجت فأحسستُ برعشة الطفولة عند قدمي. بسم الله الرحمن الرحيم. آية الكرسي وقُل أعوذ برب الفلق. يظهر موتى كثيرون في حياتنا وداخل أدمغتنا وقت النوم. أحياناً نُفكّر في موتنا وفي موت القريب. فكرة الموت تسيطر عند كلّ تحوّل وفي كلّ سفر. لماذا تفكّر في أسباب الوجود أيها البدوي؟ ولماذا يَتَخَربَقُ الزمن عند كلّ سفر؟ الموت تحوّل عجيب لا يمكن للإنسان أن يتصالح معه إلّا بالتجاهل والنسيان أو الكتابة.

كان للمقبرة والموت والجن والعفاريت والسحر حضور في حياتي، قضّيتُ في طفولتي وقتاً طويلاً وأنا قريب من كل هذا، وكنا نعبر المقبرة، أخي وأنا، في طريقنا نحو الحقول فنأكل النّبق ويتفرّس الموتى في ملامحنا من أطراف قبورهم التي نخرت السوسة خشبها. كانت أغلب أحاديثنا عن الموت. أحاديث الموت والعذاب وجهنم تتكاثر في الكتب التي قرأتُها في طفولتي. قرأتُ منها ما يكفي لشحن أجيال من البشر بالعقد والمخاوف. لم ينقذني من كل ذلك غير الأدب. الأدب يطهّرني من كلّ تفاهات الطفولة ولهذا كان أول كتبي "زقاق الموتى".

أحضروا هوياتهم معهم ليرتاحوا وينسجموا مع الحياة

في السفر أحمل بعض عاداتي التي توازن وتساعد على الانسجام: المنامة الزرقاء، موسيقى الكونترباص، والبلبولة بالزرع كي أعدّ حساء المساء لأنّ معدتي لا تساعدني على تتبُّع مسارات الحياة البسيطة. أعاني في كلّ سفر يتبدّل فيه الطعام فأصبح عصبياً ولا أعرف هل أنصرف للجهاز الهضمي أم لاكتشاف العالم الجديد. وزّعت أشيائي بين المطبخ وطاولة الجلوس وفتحت النافذة فدخل هواء الخارج البارد وأحسست بالدغدغة والحنين وأنا أتنسّم البرد الخفيف المحمّل بنذور مطر قادم. الليلة ستمطر وسأكون في سريري مرتاحاً وممتلئا بالغيوم، لكنّ الغطاء القصير يترك في القلب شيئاً من حتى...

في المطبخ أشياء بسيطة وضعتها إلينة. مواد بسيطة لكنها مرتّبة بعناية وتكفي لتدبير الحالة. وجدتُ قنّينة نبيذ من النوع الفاخر عليها إهداء من كاتب معروف، عضو في النادي، يتمنّى لي التوفيق. سوف يزورني بعد أيام قليلة ونتناقش حول أحوال الأدب والكتابة ويمنحني عناوين كتّاب مغاربة يقيمون في أنتويرب. كتّاب مغاربة كثيرون يعيشون في المدينة ولا أحد يهتم لهم في المغرب. فاجأني حضورهم في الساحة الأدبية البلجيكية وتأثيرهم فعرفتُ أن الكفّة مائلة.

بعد منتصف الليل يوقظني خاطر ما. إحساس طاغ بأنّ شخصاً آخر يشاركني الغرفة. فكّرتُ وأنا في وَضْعِ الجنين على الجنب الأيمن: سوف أقوم بحركة التفاف سريعة محسوبة وأنزع الغطاء وأشعل الضوء وأكتشف من يتطفّل. لكنّني لم أفعل أي شيء. بقيتُ في فراشي نائماً، مولياً ظهري للباب، وإحساس الحضور الطاغي لزائر ما يزداد. ومن زاوية ضيقة صغيرة بدا لي الظلُّ الخفيف عند الباب. لم أتحرّك من مكاني وظلّت يدي تحت رأسي وأنا أفكر في صيغة ما للعيش مع الوهم الذي نصنعه للحظة فيسكن معنا. بقيت لوقت أنتظر هجوم الضيف أو انصرافه، مثل عدوّين يعيشان تحت سقف واحد، إلى أن غلبني النوم. عند السابعة، سمعتُ صوت مطر الصباح، يجلد السطح بهمّة وإيمان، فأحسستُ أنني قد تطهّرت.

■ ■ ■

أخرج لأجول بين الأزقة والدروب. أنتويرب مدينة ساحرة مثل رواية من القرن الثامن عشر. الشقة الصغيرة وسط المدينة: غرفة نوم ومكتب صغير ومطبخ مجهّز وفراش بغطاء قصير طبعا. كل شيء بحساب. أكتب بحساب وأمزّق بحساب. لا أتصل بأحد ولا أكلّم أحدا على الفيسبوك. لم أعد أحتاج لأن يعرف أحد كيف أعيش. اكتفيتُ بنفسي مثل راهب يسكن صومعة. في أسفار كثيرة كنت ألتقط الصور وأبعثها للأصدقاء والعائلة. في هذه الرحلة بدا لي ذلك سخيفا ومجانيا. أطل من النافذة المبلولة بمطر خفيف لطيف فأسمع همس الأقدام وهي تُعانق الأرض كما يُعانق العازف أوتار الكونترباص. أضع أشرطة الكونترباص وأمتليء بالموسيقى واحتكاك الأوتار فتتغيّر نبضات قلبي. البيض المقلي يناسب الكونترباص مع عسل النحل والحليب الساخن مع قهوة خفيفة لا تُتعب الأمعاء. 

أخرج لأتمشى حتى البار القريب حيث يعزف الشباب الجاز طوال الليل والنهار دون كلل. الجاز صلاة أخرى. العازفون شبان يمارسون طقوسهم بلا توقف مثل من أُسندت إليه مهمة تاريخية سيضيع العالم بدونها. لاشيء يشغلهم غير الجاز والكؤوس. تختلط الأنغام بضحكاتهم وتحاياهم وهم يسلّمون على بعضهم من بعيد أو وهم يلوّحون لكل قادم جديد قبل أن يواصلوا عزف الجاز.خشب كثير في المكان. خشب فنّي عتيق وكؤوس ولوحات وعتمة. أسمع الجاز وأفكّر في النصوص التي تنتظرني. أنقر على الخشب لأتأكد من وجوده. ما علاقة الخشب بالجاز؟ لا شك أنّ للجاز تأثيرًا على مناخ النصوص. سوف أكتب نصوصا جَازيّة. نصوصا مُموسقة لا تشبه الخشب. سوف ألعب بالنصوص مستمتعًا بمنتصف العمر الذي يجعل الأشياء بلا جدوى أو بلا معنى أو بلا قيمة أو بقيمة فائضة تتجاوز كلّ شيء. الجاز جميل والاتكاء على الخشب يمنحك القدرة على السكينة. الخشب العاري الذي يحيلك على الشجرة وتجعلك رائحته تنداح مع ذكريات مدفونة. 

أسمع الموسيقى وأتساءل: متى يحبّ هؤلاء الشبان ومتى ينامون ومتى يأكلون؟ هل يمكن للجاز أن يصبح مهمة وجودية مثل العبادة؟ إذا كان الراهب والفقيه يسكنان المعبد ويعقدان خيوط الحياة بين كلّ صلاة وصلاة فإنّ العازف يربط خيوط الوجود بين الأنغام ويرتّب النوتات في وقت فراغه. البار صغير ومع ذلك تحسّ كما لو أنه مبنى الأوبرا من قوة الحياة التي تغشاه ومن حجم الابتسامات وسيلان المتع. أتمشى لآكل بعد بضع كؤوس. أكتب سطورًا جميلة وأحسّ بالغبطة. في الشارع أفكر بأن أول شيء يلزمني استعادته هو البسمة. الابتسامة ضرورية كلما وقفتَ أمام محل أو حادثتَ شخصًا. يبتسم لك أصحاب المحلات ويبادرونك بالتحية. الابتسام في المدن الكبرى مثار شبهة غالبًا. إذا ابتسمْتَ لامرأة تعتقد أنك تتحرش بها، وإذا ابتسمت لرجل لا يفهم سبب ذلك. جرّب أن تبتسم لبائع في محل أو لسائق تاكسي في مدينة كبيرة. سيعتقد بأنك ستطلب منه معروفًا. قال لي سائق التاكسي، في كازابلانكا، إنه يعاني من جفاء الركاب بدوره. لا يحبّون الابتسام ويخبطون الباب بعنف عند النزول. يحدث ذلك في المدن الكبرى حيث يضغط الوقت وظروف الحياة على الإنسان. لكن المدن الصغرى يبتسم الناس فيها أحيانا ويضحكون. فتحتُ حقيبة الظهر، أخرجتُ ابتسامتي المطوية بعناية، فردتُها ثم ركّبتها ومضيت. كتبتُ على ظهر ورق السندويتش: سوف أبتسم في كلّ المدن، وفي ما يشبه المدن، في المدن الخفاف، الثقال، مدن القطيعة ومدن الوصال، المدن الكاملة والمدن إلا ربعا. سوف أبتسم ولا أبالي بردّ التحية.

عادة، في كل رحلة، أبدأ بالأمكنة الجميلة ثم أتوغّل في اتجاهات التجربة الخاسرة. أُعجِبتُ بهدوء المرشدات في المدينة وهنّ يَقُدن السياح المبهورين بالساحة الكبرى للمدينة. مرشدات رشيدات راشدات في كلّ مكان. ألوان المباني والمتحف المجاور لقصر البلدية في غاية الروعة. أخطو باتجاه كاتدرائية السيدة القديمة التي استمر بناؤها مايزيد عن قرن ونصف كما قالت إلينة، ثم أنعطف نحو أزقة صغيرة متشابهة عامرة بالتحف ومحلات الشوكولاطة الملوّنة المنسّمة بالويسكي. ثم بعيدا باتجاه النهر أدخل إلى متحف الفنون المعاصرة الضخم الذي تتعدّد طبقاته. أخرج مستمتعا بالبرد وألتف نحو متحف الأجساد البشرية، حيث تُعرض اللحوم في سوق النخاسة لإرضاء نزوات العابرين الذين يبولون، بعد الخروج من الفترينات، وسط الزقاق على مبولة أعدّت لهذا الغرض. كما تبول الرأسمالية العطنة، التي تبيع كلّ شيء، على تراث البشرية ومجد الأمم وحياة الشعوب وكرامة الإنسان.

■ ■ ■

أتوغل في المدينة. خلف محطة القطار الكبرى، يقبع حيّ شبه عربي، سماه صديق زارني حيّ المغاربة. وفي أزقته يمكن أن تفكر في الهوية وتراها. لقد أحضر الناس هوياتهم معهم ليرتاحوا وينسجموا مع اللباس والطبخ والحياة. اغترفوا من ذكرياتهم ليتوازنوا. بعضهم استعمل الخصوصية في التجارة ليُرضي فضول الناس وطموحهم للعيش. حيّ صاخب بالكرة والكارطة والمأكولات المراكشية. العرب ينقلون هوياتهم إلى الحي الذي يسكنونه ليرتاحوا ويغنَموا زمنا مُستوردا. الشاي المنعنع والبسطيلة والمسمن والبغرير المغربي. البنك الشعبي عند الناصية كما لو أنك في "حي شماعو" أو"درب السلطان" أو "الداوديات". الطاجين باللحم والبرقوق والشوّافة وبائعة الحناء والمتسوّل. حتى المواد التي يستوردها المغاربة ويستعملونها بكثرة داخل البلد يتم تعميمها واستعمالها، هنا، بالطريقة ذاتها. هوية مستوردة أو مزدوجة أو لقيطة. ماذا نسمي الشيء الذي ليس لنا ونستعمله بكثرة ثم نستوعبه ونستدمجه ونُعيد تصديره إلى البلد الأصلي؟ الوجوه العربية والأفريقية في الشارع بلا حساب. وجه الأفريقي الأسود محاط بالهم والغربة والبحث عن حلّ لأزمة الوجود. مصري يحمل مسجلة ويذيع أغنية لعدوية ويتسوّل النقود. أغنية رقيقة تذيب الحجر، لا يفهمها كثيرون لكن المغترب يُعطَى بعض المال. المقاهي عامرة بالعاطلين من جزائريين وتوانسة ومغاربة. عرب يلعبون الورق طوال النهار وينتظرون فلوس الإعانة الاجتماعية. وجه المغربية التي تمر، الآن، من أمامي مليء بألم المراحل. تخاطب صاحبتها، في المقهى، فأسمعها تقول:
- اعْطِ لأمي عشر أوروات.
آكل التبولة وأسمع اللبناني يقول لصاحبه: 
- خليها على ألله يا حبيبي. العالم مفصّل تفصيل.
الهمزة في الحرف الأول من كلمة ألله تقف في حلقي.

■ ■ ■

في الإقامات الأدبية، أجد نفسي، عادة، بين خيارين: إما الإخلاص للكتابة وإما الاغتراف من متعة الحياة. الحياة جميلة في أنتويرب خصوصا مع الشمس الخفيفة اللطيفة التي تظهر وتختفي والمطر الرقيق الذي يداهم المارة وموسيقى الجاز والكونترباص وحياة الهدوء التي تغنيك عن التفكير في أي شيء، لكن الكتابة ضرورة لا فكاك منها. كنتُ في الماضي أكتب كثيرا وأحيا قليلا. الآن سأكتب قليلا وأحاول أن أحيا أكثر. ماذا سأضيف للعالم بكتابتي؟ لقد كتب قبلي آلاف من الناس وسوّدوا كتبا ولم يتغير شيء. سأحيا وأستمتع. إذا لم أصنع الفرق للعالم سأصنعه لنفسي.

أكون غزيراً في ضيافة مناخ مختلف حيث تنتعش المقارنات

في محل الجاز، عند المساء، أرقب امرأة في منتصف العمر. ليس لها سوى هاتفها الصامد تنحني عليه وتداعبه في صمت وهي تشرب كأسا. كنتُ أراها قبل اليوم تأتي لتجلس على الطاولة نفسها. نظرتها توحي بالاستغراق والاكتفاء. أسمع رشفة الكأس بين شفتيها. تسمع الموسيقى وتداعب هاتفها وتحرّك رأسها مع الإيقاع كما نستمع لكلام شخص دون أن ننظر في عينيه. تتلاقى نظراتنا عندما ترفع رأسها. تكتشف أنني أراقبها. تلقي التحية وأردّ بارتباك وبابتسامة مطوية. نترافق حتى المحطة الأخيرة من خشب جميل أنقر عليه بأصابعي ومزّيكة مبلولة. أكتشف أن صوت الرّشف وعادة النقر قد تلبّستا بي أنا الذي لا أرشف كثيرا. تبدو لي كلمة الرّشف غريبة و"بيزاغ" لكن النقر مناسب لأنه يرتّب المجرى. أنقر بلا هوادة في الليل وأحاول أن أحفظ البسمة كي لا أبدو"بيزاغا". فكرتُ في الحراشف وأنا أكلّمها بالإنكليزية وأبحث عن لفظ يعادل مفردة رشفة. أسألها عن نطق الكلمة بلغة المدينة. 
- ماذا تفعل؟ 
قالت لتقطع كلامي الذي لا ينتظم. بدا أنني تكلّمت كثيرا وأفسدتُ الحفلة.
- لا شيء. أنا متفرغ تماما ولا شيء يشغلني.
- إذا كنت كذلك، تقول لي، وأنا أشك، فأنت شخص خطِر.

نضحك. نتلامس بعفوية. شهوة العبور تجتاحني وأنا أرى المرأة الجميلة اللطيفة الحزينة. ربما هي سعيدة لكن خيال الكاتب يريدها امرأة حزينة. أكثر العبارات دقة هي هادئة ولا تنقر على الخشب. أنا أنقر على الخشب وأتلمّسه لأنه يُحيي ذاكرة الطفولة ويرتّب المعاني. لكن لماذا يرتبط الهدوء في ذهني بالحزن؟ تفكير غريب و"بيزاغ" كذلك. متلازمة الخَرْبَقَة تعود من جديد. يتحول كل شيء إلى إيقاع برائحة الرّشف وبملمس الحراشف. أحسّ الشوك في يدي وأحاول العودة إلى رطوبة الخشب المطلي اللطيف الناعم. أحاول أن أُبعد أي إيحاء جنسي كي تستقيم الجلسة والحديث الأدبي المؤدَّب. تحدثني عن تاريخ أنتويرب وتدقّق المعلومات والتواريخ مثل دليل سياحي. لاشك أنها قد روت هذه المعلومات لأناس كثيرين من قبل كي تحفظ وقار الجلسة. تحفظ الأشياء عن ظهر قلب مثل طالب في مدرسة عتيقة. امرأة فقيهة. امرأة جميلة لكنها فقيهة لا تريد أن تمنح نفسها في اللقاء الأول لأول رجل يشرب معها كأسا. فريق الجاز يعزف مقطوعات من الثمانينات كما لو أنها دعوة أو طقس. 

أشرب كأسي الخامس وأحس، فجأة، بأنني ضجر وخطر لأنني متفرغ ولا شيء يشغلني. ليس أخطر من رجل متفرغ و"بيزاغ". تتبدّل صورة المرأة الحزينة ويبدو لي من خلال جبهتها تسلّط وعناد. تتجاور الصور في ذهني كما لو أنني أعيش في فيلم. أشعر بالقدرة على إعادة الزمن إلى الوراء وابتداع بدايات جديدة للتعارف. أوشك أن أقف لأقدّم نفسي من جديد. أتَخَرْبَق من جديد وأعرف أن سلوكا كهذا سيقطع حبل الوداد تماما ويجعلها تخاف. أبالغ في الخيال فأخاف تمزيق السيناريو وتكسير الكاميرا. تمنيت لو أننا لم نتكلم ولم تُغرقني بهذا الكم الهائل من المعلومات التي بدأت تسيل من رأسي. أرجوك، لا أريد أن أعرف عن المدينة ولا عن تاريخها، أريد أن أعيش المدينة، وأريد أن أعرف عنك! رجاء أطفئي هذا الوجه الصلب وأغلقي هذه المسجلة التي تسرد التاريخ وابتسمي قليلا لنتقارب. أبتسم وأمضغ الكلمات. أخرج إلى الهواء البارد ثم أهرب من المكان وأبتعد متذرعا بالانشغال. أجول على الأقدام ثلاث ساعات في هدوء وخواء الليل الذي لا يرحم...

مرّ يومان بعد ذلك، وفي رحلة العودة أفردتُ قلبي مثل سجادة جدتي وأتكأتُ عليه، طويتُ ابتسامتي ووضعتها في الحقيبة من جديد، أخرجتُ حذري ونفضتُ الغبار عنه، ثم غفوتُ وفي ذهني كلام اللبناني صاحب التبولة:
- خليها على الله. العالم مفصل تفصيل.


بطاقة
عبد العزيز الراشدي كاتبٌ مغربي مِن مواليد مدينة زاكورة جنوب المغرب عام 1978، حاصل على ماجستير في علم النص وتحليل الخطاب من جامعة أكادير. صدر له في الرواية: "بدو على الحافّة" (2008)، و"مطبخ الحب" (2012)، وفي القصة القصيرة: زقاق الموتى" (2004)، و"طفولة ضفدع" (2006)، و"وجع الرمال" (2007)، إضافةً إلى كتاب نصوصٍ بعنوان "غرباء على طاولتي" (2009)، وكتاب رحلات بعنوان "سندباد الصحراء" (2013).
 

المساهمون