أحوال الرواية

أحوال الرواية

30 يوليو 2021
بهجت صدر / إيران
+ الخط -

أعتقد أنَّ الرواية العربية اليوم، هي النوع الأكثر حيويةً في الإبداع العربي، وهي تكسر قاعدة الركود الثقافي الذي يطاول معظم حقول الكتابة والإبداع، بل يمكن القول إنَّ الرواية العربية تنهض وحدها من بين جميع الحقول الفكرية والفنية بمهام مواجهة الواقع المحبط المهزوم، أو ملاقاة حالات الثورة والتمرُّد. فلا الشعر العربي بخير، في ظلّ امتناع واستعصاء النشر، ولا المسرح بخير في ظل غياب الحريات، ولا النقد الأدبي بخير، وقد غاب معظم النقّاد العرب عن المجال التطبيقي، وهو المجال الوحيد الذي يتيح لهم إنتاج النظرية فيما لو كان الشغل النقدي يرغب في استخلاص نظرية ما للرواية.

وإذا ما كنّا نشهد كثيراً من العثرات، أو الأعمال الروائية الضعيفة، فإنّ هذا لا يعني عدم وجود رواية عربية ناضجة، ولا يُعتد بقلّة الأعمال الجيدة، فلا تنتج أيّ ثقافة، لا في الغرب، ولا في الشرق، كمّاً كبيراً من الأعمال الروائية الجيّدة معاً، وإذا ما كان كلُّ روائي عربي قد أنتج رواية واحدة جيّدة، فقط، فإن المجموع الكمّي لدينا، وهو مجموع ينعكس كيفاً في المجال العام، يكفي لامتداح حال الرواية العربية اليوم. 

كساد الرواية، لا يخصُّ النوع الأدبي في عالمنا العربي، بل هو كسادٌ عام

وقد يكون من الظلم ردُّ كساد الكتاب العربي، وهو ما يُقال عن الرواية اليوم، إلى فتور المضمون، أو إلى الضعف الفكري، كما يدّعي أصحاب هذا الرأي، أو إلى ركاكة الجانب الجمالي، أي وهن التقنيات، وعجز، أو تقاعس، الروائي العربي عن الاهتمام بالجانب التقني، أو البنائي في الرواية. فإذا كان الروائيُّ على هذه الحال، وإذا كانت الرواية مضعضعة فعلاً، وضعيفة، فلن يكون حال القرّاء أفضل من ذلك، وهذا يحشرنا جميعاً، في معركة مفتعلة من الاتهامات الجائرة المتبادلة بين قارئ مَلول صعب، أو قارئ يلوّح بالمزاعم تلويحاً بعد أن يكون قد قرأ رواية ما ولم تعجبه، أو يحمل رأياً يميل إلى التعميم المزاجي، أو ينجم عن تعب الوجدان والعقل معاً من سلسلة الهزائم التي تلحق بالعرب، وبين كاتب يقدّم موهبته وجهده ومعرفته وإمكاناته الإبداعية في رواية أو أكثر.

كساد الرواية، لا يخصُّ النوع الأدبي في عالمنا العربي، بل هو كسادٌ عام يغزو الجمال في حياتنا كلّها، أو هو تعبير عن حالة الفقر المادي المتفاقم الذي ينعكس بالضرورة على الرغبة والشعور والإحساس الفني أو الجمالي بالعالم من حولنا. ولا يدلُّ الإقبال على قراءة الروايات المترجمة على جودتها، بل على تبعية القراءة للسوق، من جهة، وهو سوق للقراءة يقدّم الأجنبي متفوّقاً في كلّ شيء، أو عزوف القارئ عن إعادة التعرُّف على واقع عربي رديء مسجَّل على الورق، من جهة ثانية. 

الطريف أنَّ الترجمة تمنح الروائيّين من بلدان العالم الفقير مجالاً رحباً معادلاً للمجال الممنوح للرواية القادمة من دول المركز. وهكذا يشتهر كتّاب من جنوب أفريقيا ونيجيريا والسنغال والصومال أيضاً، ويُقرؤون قبل أن يُقرأ الكاتب العربي. يحتاج المرء إلى أن يعرف حالة سوق القراءة في نيجيريا نفسها، كي يعرف إن كان أيُّ كاتب عربي مترجم هناك، ومتفوّق ومرغوب بوصفه كاتباً أجنبياً.


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون