وهم "الاستثناء" المغربي

وهم "الاستثناء" المغربي

24 اغسطس 2021
+ الخط -

قبل أكثر من عشر سنوات، تظاهر مئات الآلاف من المغاربة للمطالبة بالحريّة والديمقراطية في إطار "حركة 20 فبراير"، النسخة المغربية من الربيع العربي، التي اتخذت من عبارة "إسقاط الفساد والاستبداد" شعارًا مركزيًا لها.

استجاب الملك محمّد السادس بسرعة للاحتجاجات، وأعلن في التاسع من مارس/ آذار 2011 عن تكوين لجنة خاصة قام بتعيين أعضائها لإعداد دستور جديد للبلاد، قال إنّه يسعى إلى "توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، وتعميق دمقرطة وتحديث المؤسسات وعقلنتها".

أصبحت الأصوات الموالية للسلطة، وأحيانًا حتى تلك المستقلة عنها، تتحدث بحماس وانبهار عن "الاستثناء المغربي" وعن "دينامية الإصلاح في ظلّ التغيير"، خصوصًا مع صعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى رئاسة الحكومة.

ساهم حزب العدالة والتنمية بدوره في الترويج  لهذا المصطلح (الاستثناء المغربي)، وهو الذي فقدَ مصداقيته لدى قطاع واسع من المغاربة، لعدم الوفاء بالتزاماته المتعلقة بـ"محاربة الفساد والاستبداد"، كما لتبريراته اللامنتهية للتراجعات الخطيرة في مجال حقوق الإنسان، أضف إلى ذلك تبعيّته المطلقة للسلطة، على الأقل في الأربع سنوات الأخيرة، وأخيرًا توقيع أمينه العام، سعد الدين العثماني، لاتفاقية التطبيع مع إسرائيل إلى جانب مائير بن شبات، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي المتهم بارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين الفلسطينيين.

لم تشهد تركيبة المشهد الحزبي أيّ تغييرات جوهرية مقارنة مع ما قبل 2011 وما بعدها، باستثناء تبوؤ العدالة والتنمية المركز الأوّل

وعلى العموم، لا يستطيع رئيس الحكومة في المغرب، أكان من العدالة والتنمية أو من حزب آخر، ممارسة الحُكْم بشكل فعلي، كما في الديمقراطيات التي تقوم أنظمتها على ملكيات برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، إذ منح الدستور المغربي صلاحيات واسعة للملك مقارنة مع رئيس الحكومة. فالملك من يترأس المجلس الوزاري الذي يقرّ التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، وهنا نجد أنّ المجلس الحكومي الذي يرأسه رئيس الحكومة ما هو إلّا منفّذ للتوجهات العامة المحددة سلفًا في المجلس الوزاري.

كما يترأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للأمن والمجلس العلمي الأعلى (باعتباره أميراً للمؤمنين)، إضافة إلى تعيينه لـ6 من أصل 12 عضوًا بالمحكمة الدستورية، وإمكانية إعفائه للوزراء حتى ولو رفض رئيس الحكومة..

لم يتغيّر المغرب كثيرًا بعد إقرار الدستور الجديد في عام 2011، بل يُمكن القول إنّ الأمور قد ساءت عن ذي قبل انطلاقًا من عام 2017، من ناحية إحكام قبضة السيطرة السلطوية على المجتمع، وتصاعد درجة قمع المعارضين ومجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين المستقلين، ناهيك عن الفساد الاقتصادي الذي يؤثّر سلبًا على تقدم البلد وتنميته.

كما لم تشهد تركيبة المشهد الحزبي أيّ تغييرات جوهرية مقارنة مع ما قبل 2011 وما بعدها، باستثناء تبوؤ العدالة والتنمية المركز الأوّل، إذ استمرت أغلب الأحزاب المشاركة في اللعبة السياسية الرسمية في تأثيث المشهد دون أن يكون لها أيّ رأي مستقل أو موقف حرّ، وهي التي لا تعرف إلّا أن تُعلن ولاءها للسلطة وتتبنّى نفس برامجها وطروحاتها التي تتغيّر حسب كلّ مرحلة ومتطلّباتها.

توالت السنوات، وانكشف زيف "الاستثناء" المغربي بفعل مجموعة من العوامل، أهمها تخلّي السلطة عن وعودها، إذ أثبتت مجموعة من الوقائع أنّ لا رغبة لها في الإصلاح.

كيف يكون هناك "استثناء" مغربي وقد أدين العشرات من شباب "حراك الريف" بالسجن النافذ الذي تراوح ما بين 5 و20 سنة عقب مشاركتهم في تجمّعات احتجاجية سلمية؟ هل من المقبول أن يتمّ الزجّ بصحافيين مستقلين في السجون لأنهم دبّجوا مقالة أو تحقيقاً ينتقد الأوضاع، وفي مقدمتهم توفيق بوعشرين، رئيس تحرير صحيفة "أخبار اليوم" المدان بـ15 سنة سجنًا، وسليمان الريسوني الذي أضرب عن الطعام لمدة 126 يومًا احتجاجًا على اعتقاله، وهو رئيس تحرير نفس الجريدة (أخبار اليوم) التي توقفت عن الصدور، والمدان بـ 5 سنوات سجنًا، أضف إلى ذلك عمر الراضي المدان هو كذلك بالحبس النافذ لمدة 6 سنوات، واللائحة طويلة..

دلالات