من رابعة إلى قيس

من رابعة إلى قيس

16 اغسطس 2021
+ الخط -

قبل ثماني سنوات من الآن، ارتكب الجيش وقوات الأمن المصرية أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث أثناء فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة والعنف غير المبررين. وهي جريمة ترتقي إلى الجرائم ضد الإنسانية.

لم يُحرّك "المجتمع الدولي" ساكنًا، باستثناء بعض التصريحات المقتضبة لبعض الزعماء الذين أدانوا المجزرة في حينه، دون اتخاذ أيّ إجراء فعّال ضد سلطات الانقلاب لمحاولة كبح القمع المسلّط على المنتسبين لجماعة الإخوان المسلمين وكلّ من يعارض سياسات عبد الفتاح السيسي، أكان علمانيًا أم إسلاميًا، مؤيدًا لمظاهرات 30 يونيو 2013 أم معارضًا لها.

أسّس السيسي لديكتاتورية شبيهة بتلك التي أرساها أوغستو بينوتشيه، الجنرال الذي قاد انقلابًا على الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور ألّليندي بدعم من الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر/ أيلول 1973.

سحق السيسي معارضيه بلا رحمة، قتل بعضهم، وسجن البعض الآخر، مستعينًا بالدعم الدولي، وخصوصًا الإقليمي، حيث ما فتئ المحور المعادي للديمقراطية بشكل عام، وللثورات العربية بشكل خاص، التي تقوده الإمارات، يُدعّم نظامه بالمال (الرُزّ بتعبير السيسي نفسه) والإعلام.

كلّما تباهت الثورة المضادة بـفشله متغنيةً بشعار أنّ "الديمقراطية لا تُناسب الشعوب العربية"، إلّا وظهرت حركات احتجاجية، عفوية وغير أيديولوجية، تحمل نفس المشروع

تكمن أهم أسباب فشل تجربة الانتقال نحو الديمقراطية في مصر في استئثار المؤسسة العسكرية بالسلطتين التنفيذية والتشريعية بعد ثورة 25 يناير، لتدير البلاد بدون رقابة شعبية، وبلا مشاركة فعلية للقوى السياسية التي من المفترض أن تُمارس السلطة، أو على الأقل تكون جزءاً منها – كما حدث في تونس – وهي التي لم تتفق على قواعد إقامة النظام الديمقراطي، بل إنّ بعضها حاول التقرّب من الجيش. فقد أيّدت جماعة الإخوان المسلمين بشكل مباشر، خارطة الطريق التي أعلنها المجلس العسكري بعد سقوط مبارك، بل وقامت بالضغط على شبابها المنتسبين إلى "ائتلاف شباب الثورة" الرافض للحكم العسكري لكبح أنشطتهم المناوئة للأخير. في الجهة الأخرى، دعّم الكثير من القوى الليبرالية واليسارية انقلاب الثالث من يوليو بهدف التخلص من الإخوان.

وقد ساهم الاستقطاب (العلماني - الإسلامي) الذي نخر الجماعة الوطنية المصرية، وفتّت وحدتها وفق مقاربة "نحن وهم" في تهيئة التربة للانقلاب الذي استعان ببعض النخب العلمانية في حركته ضد جماعة الإخوان. وكما هو معلوم، عمد الجيش منذ البداية -مدعمًا بفلول النظام القديم- إلى تنمية هذا الاستقطاب، وتحويله إلى صراع وجودي أفضى إلى انشطار النخبة، ومعها جزء من المجتمع إلى قسمين: من مع عزل الرئيس مرسي ومن ضده، عوض أن يكون السؤال على الشكل التالي: من مع الديمقراطية ومن ضدها؟ ولو توافقت القوى السياسية منذ البداية، وقبل إجراء الانتخابات وكتابة الدستور على دفتر تحمّلات ديمقراطي يقرّ بالتعددية السياسية وبإيجابية الاختلاف وقواعد تدبيره، لما نجح الانقلاب، ولما أمسك الجيش بخيوط اللعبة على امتداد المرحلة الانتقالية.

لعب العامل الخارجي أيضًا دورًا أساسيًا في تثبيت الانقلاب الذي جاء بعد سنة من انتخاب أوّل رئيس مدني في تاريخ مصر الحديث، إذ كانت ولا تزال دولة الإمارات تمثّل رأس رُمح الثورة المضادة الذي ينقضّ على أيّ تجربة ديمقراطية ناشئة، وربما ذلك يعود إلى أنّ هذه الدولة تعتبر أنّ الديمقراطية تشكّل خطرًا داهمًا على مشروعيتها القائمة على نسق الولاءات التقليدية الذي لا أثر فيه لعناصر النظام الديمقراطي. ففي تونس، دعّمت الأخيرة (الإمارات) ومنذ البداية، الإجراءات الانقلابية التي قام بها الرئيس قيس سعيّد أخيرًا. وسارع الإعلام الموالي لها إلى مقارنة الوضع في تونس بما وقع في مصر خلال عام 2013، مبتهجًا بـ"سقوط" أوّل ديمقراطية عربية.

ولحسن الحظ أنّ بنية الجيش التونسي تختلف عن الجيش المصري، وإلّا لاستعان الرئيس سعيّد -المعجب بالسيسي و"الديمقراطية" القاعدية التي كان القذافي "منظرًا" لها -بالجيش لقمع معارضيه وتثبيت مشروعه الشعبوي- السلطوي على أرض الواقع.

فمن المعلوم أنّ الجيش التونسي متشبّع بعقيدة جمهورية مستلهمة من التقليد الفرنسي الذي يعود إلى الجمهورية الثالثة، والذي يحظر على الجيش المشاركة في العملية السياسية وإبداء أيّ رأي فيها، إذ يُمارس فقط أدواره الوظيفية التي أقرّها له الدستور والقانون في إطار الحياد التام عن كلّ الأطراف، فالجيش الفرنسي يوسم بـ ، "La grande muette" أي "الصمّاء الكبرى". ولولا هذا الحياد لما نجحت الثورة التونسية (يُمكن العودة إلى موقف الجنرال رشيد عمّار الذي رفض الانصياع لأوامر بن علي بإطلاق النار على المتظاهرين في 13 يناير 2011).

قد يكون الربيع العربي قد فشل مرحليًا في مصر، لكنّ سيرورته لم تنته بعد. فكلّما تباهت الثورة المضادة بـفشله متغنيةً بشعار أنّ "الديمقراطية لا تُناسب الشعوب العربية"، إلّا وظهرت حركات احتجاجية، عفوية وغير أيديولوجية، تحمل نفس المشروع، ونفس الأهداف التي رفعتها الثورات العربية في عام 2011.