وارثات القهر المديد

وارثات القهر المديد

26 نوفمبر 2023
+ الخط -

تحكي الصور قصصاً بالغة العنف، بليغة في معناها وهي تنقل حزن الطفلات وهن يودعن الأمهات والآباء ويهدهن حزن من تبقى من أطفال العائلة، طفلات ورثن أمهاتهن في ظلم قديم ومتجذر.

 في شوارع المخيمات وما قبل حرب غزة تقوم الطفلات بدور الأمهات في رعاية إخوتهن، كل الصور تظهر طفلات يحملن الأشقاء الأصغر سناً، تترك كبرى البنات المدرسة لتعين والدتها على رعاية العائلة الممتدة التي قد تكون سلسلة طويلة من العائلات المتعاقبة، تقول الطفلات إن مشاعرهن تجاه إخوتهن تعادل مشاعر الأمهات، تختبر الطفلات الأمومة باكراً ليس فقط بسبب تزويجهن المبكر، بل بسبب ثقل الحمل العائلي على كواهل النساء، إنهن وارثات القهر المديد.

كيف تعلمت تلك الطفلات هدهدة جراح الفقد، المشاركة في جنازات الأهل وتكريس الجنازات لعبة طفولية متكررة؟ كيف تدربن على لملمة الجراح ومعاودة الإقلاع مباشرة في إدارة شؤون العائلة التي فقدت الأب والأم؟

لا جواب سوى أن الموت المتكرر أبقى الجميع على حافة الانتظار، خزان كلمات الرثاء وتقبل الموت موجود وكأنه قدر، لا فكاك منه ولا سبيل للنجاة، لكنه مؤجل لساعته، وها قد أتت الساعة القاهرة بكل عنفها وألمها وسطوتها، لكن ينبغي على أحد ما أن يمسك بدفة القيادة! قيادة من قلب النزاع! يا لهول الفاجعة، قيادة في خضم الموت معمدة بسطوة ألم الفقد والخوف من النزوح والخيبات وويلات الحياة الجديدة بلا مأوى، بلا أهل، بلا مؤسسات وبلا دعم من أي كان! فالكل يتذوق مرارة الكأس نفسه، وفي الوقت نفسه، الكل مشغول بتضميد الجراح حتى أثناء الوداع.

ثمة عنف سيلد أشكالاً جديدة من العنف المتراكم والذي سيؤسس إلى عنف مكدس في القلوب التي لن تنسى، في ارتجاف الصوت النائح وفي انكسارات العيون التي هزمها الموت وأفقدها جذوة الحب والحماية والرعاية.

كل هذا العنف سيتسبب في عجز طويل ومقيم أيضا، ستبقى النساء أسيرات مهام وواجبات الرعاية لمن تبقى، رعاية زادت أحمالها وستطول مدتها، في أوقات النزاع والحروب ستدفع النساء الأثمان مضاعفة.

ينبغي الالتزام بتحييد النساء والأطفال والطفلات والمسنين وكبيرات السن وذوي الاحتياجات الخاصة خارج دوائر الصراع قبل كل شيء

 سبعة آلاف حالة اختفاء مجهولة المصير، خمسة آلاف منها مكونة من النساء والأطفال! هل يكفي هذا الرقم لوصف الحال؟ لا أظنه كافياً ولا رادعاً لهمجية الحرب، لكنه إشارة كبيرة إلى فقدان منهجي أصيل في الوصول إلى مقومات الحماية أو الوقاية. تعيش النساء والأطفال في بيئة قليلة المساحة وفي ظل كثافة سكانية عالية، وفي ظروف غير مؤهلة للنجاة أو الحماية، سيكون موتهم مؤكداً وأعداد المختفيات منهن كبيراً جداً، هن عصب المكان والأطفال جذوته وبنيته السكانية الأوسع، والحرب لن تحميهم ولا تتذكرهم أصلاً، الحرب نار ضارية تحتاج وقوداً لسعيرها القاتل.

لماذا يتم التعامل مع النساء والأطفال كأولوية فقط فيما بعد الحرب أو النزاع ولا يتم ذلك أثناء النزاع؟ إنه سؤال حيوي يتطلب ليس الإجابة عنه فحسب، بل ينبغي الالتزام بتحييد النساء والأطفال والطفلات والمسنين وكبيرات السن وذوي الاحتياجات الخاصة خارج دوائر الصراع قبل كل شيء، وكما هو منصوص عليه في الاتفاقات والعهود والمواثيق الدولية، كي لا تتسع رقعة الخسائر البشرية وتحصد معها جميع احتمالات الحياة مستقبلاً، وتفاقم من حالات العجز والضعف البنيوي المديد.

في الهدن واتفاقيات تبادل الأسرى يتم الإفراج عن النساء والأطفال أولاً! لماذا لا يتم ذلك قبل أي نزاع؟ وقد يعترض قائل متسائلاً: ماذا عن الرجال؟ هل يتركون وحدهم للموت؟ بالطبع لا، الحياة من حق الجميع ووقف الحروب والاعتداءات والانتهاكات هو مطلب إنساني من أجل الجميع، لكن حلقات العنف تفتك بالأضعف أولاً، ومن الأجدى والأكثر أولوية تأمين الحماية للجميع، وخاصة من يقع في الحلقات الأضعف، قبل تفشي الموت بواسطة الحرب وأدواتها الفتاكة.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدوّنة سورية تقيم في دمشق. تكتب مقالات وتحقيقات صحافية. وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.

مدونات أخرى