من يجوّع غزة بالتحديد؟

من يجوّع غزة بالتحديد؟

20 فبراير 2024
+ الخط -

على مدار نحو 140 يومًا من العدوان الإسرائيلي على غزة؛ من جرائم حرب، وجرائم إبادة، وجرائم ضد الإنسانية، مجتمعةً كلها في تفاصيل الأحداث في القطاع المذبوح المصلوب المقتول المحاصَر؛ تبحث غزة -في أثناء مقتلها- عن كومة طحين، أو لقمة خبز، أو شربة ماء، تحاول الوصول إلى ما يبقيها -حتى الموت- على رمق الحياة، على الأقل لئلا تموت قبل موتها بكثير.

يحاصر الاحتلال الإسرائيلي غزة من كل الجهات، عدا معبر رفح، المنفذ الوحيد للحياة، كما يفترض، وكما كان دائمًا، على اختلاف الأنظمة على الجانب الآخر من الحاجز، وعلى اختلاف التسهيلات والعقبات، ومساحات التوافق أو ضيقها مع النظام المصريّ الحاكم، بين مبارك، ومرسي، والسيسي، وإن كان من الإجحاف جمعهم في جملةٍ واحدة، ولو عرَضًا في سياق مقال.

كان أهل غزة المحاصَرون، حين تأزف الآزفة، وتقوم قيامتهم، وتُشنّ أولى الغارات، وتبدأ مواكب الشهداء، وقبالتها الإجراءات العقابية للاحتلال على غزة، فيمنع مرور أي شاحنات مؤونة من طرفه، تتجه الأنظار إلى الفوّهة الوحيدة على العالم، الطاقة التي يأتي منها بصيص نور وحيد بشقّ الأنفس، وهكذا كانت مصر دائمًا، قبل الآن بقليل، يعبر الطعام والماء والدواء والوقود، كإجراء روتينيّ أقل من الطبيعيّ، في أوقات العدوان والأزمات، صحيحٌ تتأثر الحياة في غزة، ترتفع الأسعار، تشح السلَع قليلًا، لكن أحدًا لا يجوع، ولا ينام وبطنه يقرقر، وإن جاع يومًا فإن وزنه لن يقلّ، إلا ركضًا للفرار من القصف أحيانًا، لا من جوع، ولا من جفاف.

ومنذ ذلك الحين، لم يتبدل شيء، الاتفاقيات التطبيعية السخيفة بين مصر والاحتلال هي هي، والحكومة في غزة هي هي، وإسرائيل هي هي، لم يتبدل شيء إلا ذلك النظام الحاكم في القاهرة، أو عاصمته الإدارية الجديدة، لتتحول "الورقة الروتينية" إلى ورقة ضغط في المفاوضات، وليستحيل معبر رفح إلى حاجز من ثلاثة أسوار عالية متتالية، وبوابةٍ لا تفتح إلا بإذن إسرائيل! مع أن مبارك نفسه لم يفعلها بتلك المهانة، وإنما كان "يلعب" أحيانًا، بين كل "تواطؤ" والآخر.

الاتفاقيات التطبيعية السخيفة بين مصر والاحتلال هي هي، والحكومة في غزة هي هي، وإسرائيل هي هي، لم يتبدل شيء إلا ذلك النظام الحاكم في القاهرة

لكن اليوم، لا أقول الجبن، وإنما الخيانة، أوصلَت الحال إلى أن تُسلب إرادة معبر رفح وسيادة أرض مصر إلى تلك الدرجة الذليلة، التي ستكون صفحتها في كتاب التاريخ مبتلةً عن آخرها، من بصق قراء التاريخ عليها؛ ومن يصدّق أن مليوني إنسان محاصر بالقتل والقصف والذبح والاعتقال -وحديثًا الاغتصاب حسب تقرير الأمم المتحدة-، لا يستطيعون أن يجدوا كسرة خبز، ولا كيس طحين، ولو باعوا كل ما تبقى لهم في هذه الدنيا بعد هدم ديارهم وفقد أحبابهم، كيف يعطشون، وكيف يشربون -إذا استطاعوا- من ماء البحر؟ وكيف يجوعون حتى تهزل أجسادهم، وتتوقف أعضاؤهم الحيوية عن العمل، وتتعطل أنفاسهم وضربات قلوبهم، حتى يموت أطفالهم من الجوع؟!

لو كان الحاكم المتحكم في المعبر جبانًا، لانتفى خوفه للأبد بعد ما يرى، ولفتَح المعبر على مصراعيه، لاستقبال الجرحى وعبور المساعدات، أي دولةٍ تلك التي شعبها 110 ملايين إنسان، وجيشها يتراوح بين أكبر عشرة جيوش وأكبر خمسة عشر جيشًا في العالم، وهي أكبر وأضخم وأهم دولة في الإقليم كله، في الوطن العربي كله، وربما العالم الإسلاميّ كله، وفي المنطقة كلها، التي تخشى أن يقصف الاحتلال الإسرائيلي شاحناتها، أين قوة الردع؟ وأين قوة الموقف؟ وأين قوة الكلمة؟ وأين "حكمة القوة، وقوة الحكمة" حتى كما يقول ذلك الأحمق الآخر؟ أين أدنى درجات الاحترام، أو عدم الاحترام حتى؟ ذلك ليس مما في الشيء ونقيضه، وإنما معنى جديد، خارج حدود العقل والمنطق والكلام.

والمصيبة، أن ذلك المقال قد يصلح لليوم الأول من الحرب، وهو الآن يُكتب بعد مضيّ نحو خمسة أشهر منها، وربع سكان غزة في الشمال يموتون حرفيًّا، من الجوع، والبقية في الجنوب يأكلون بقايا علف الحيوانات، لو كان الحاكم، أي حاكم، لو كانت الدولة أي دولة، ولو كان النظام أي نظام، لما سمح بتلك المجاعة، ولما وصل إلى تلك البجاحة في الخيانة!

صحيحٌ أننا نعيش ذلك الواقع، لكننا داخل إطاره، محشورون في البرواز، مخنوقون داخل المشهد، مسجونون في الصورة، ولا نصدق ما يحدث، أجل، لكننا إن نظرنا من الأعلى، لو ركبنا آلة زمن إلى الماضي أو المستقبل وتفحّصنا الوضع، والأحداث، والظروف، والشروط، والأخبار، والصور، لما صدقنا أن حاكمًا ما على وجه الأرض، أو نظامًا ما ولو في عالمٍ متخلف عاشر، سيفعل ما يفعله عبد الفتاح السيسي اليوم!

صحيحٌ يقتل نتنياهو بأمره، وجيشه التافه المغرور، مليوني إنسان في غزة، يحاصرهم، يركض خلفهم، من مكان إلى مكان، ويهدم بيتًا بيتًا، ويطمس مدنًا كاملة، لكنه حتى الآن قتل ثلاثين ألفًا من أهل غزة الكرام، بحيواتهم الكبيرة العريضة، وأصاب سبعين ألفًا، منهم كثرٌ سيعيشون بإعاقات دائمة وأطراف مبتورة؛ لكن قد تكون انتهت مأساة أحدهم عند هذه اللحظة، لو كان الأمر قصفًا وقتلًا وذبحًا فقط، لكن الجوع؟ يموت الرجل وهو جائع؟ ويستشهد الطفل في طابور مياه؟ وتستشهد السيدة وهي تلد لعدم توافر وقود في المستشفى يعطيها بعض الأمل في الحياة لها ولجنينها، ولا يوجد طعام يدرّ الحليب في صدرها؟ وأن ينزف الجريح بإصابة متوسطة أو أدنى، حتى يموت لأنه لا يستطيع الخروج من معبرٍ يملكه؟ وبينه وبين بلد عربي؟ وأن يجوّع -ما زال- مليونا إنسان، يُقتلون بالبطيء، جميعًا؟ فذلك ما يودّ نتنياهو فعله لكنه يعجز، بينما يفعله السيسي بجدارة، فيقتل عشرين ضعف ما قتل نتنياهو في غزة!