مع رهاب "داعش"

14 أكتوبر 2020
+ الخط -

كنتُ أستمع وصديقي عوّاد، مدرس مادة الرياضيات، إلى النشرة الإخبارية المنبعثة من الراديو في بيت المهندس الزراعي ثائر في مساء يوم خميس، ومن ضمن ما جاء فيها أنّ الحرب المدمّرة السورية ما زالت تفعل فعلها وبقسوة بحق أهلنا في جنوب مدينة الرّقّة التي نقيم فيها، واستخدمت القوات الحكومية الطائرات الحربية وراجمات الصواريخ باتجاه تمركز فلول (داعش) الإرهابية التي احتلت المدينة، بذريعة القضاء عليها، وفعلت بحق أهلها ما شاءت من الأفعال الإجرامية بذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية، وهم منها براء، إلّا أنَّ حمم تلك الطائرات والراجمات كانت تغتال الناس المدنيين، وسجل الكثير من الضحايا الأبرياء، فضلاً عن الدمار الكبير الذي لحق بالأبنية السكنية التي يقيم فيها الأهالي.

وانضم إلى جلستنا المسائية طارق، المحاسب في مؤسسة المياه، وبرفقته محمد صديق طفولته، وهو طالب جامعي يدرس التاريخ في كلية الآداب في جامعة حلب، وبعد أن انتهى المذيع من قراءة نشرة الأخبار، قال عوّاد بلهجة حادّة، كما هو معروف عنه: هل سمعتم  يا إخوان ما ذكره مذيع نشرة الأخبار منذ قليل؟ كما يبدو أنّ القوات الحكومية صارت تُباغت عناصر (داعش)، وتدكّهم في معاقلهم، بوضع يدهم على جزء كبير من الأماكن التي سبق أن سيطروا عليها، وكلنا أمل بالقضاء عليهم ودحرهم والتخلص منهم من مدينتنا التي ابتليت بهم، اليوم قبل الغد.

لا شكّ يا صديقي أنّ المعركة في ما بينهما ستطول. وتعلمون ماذا يعني تنظيم (داعش)؟. يعرف عن أفراده أنّهم أشدّاء مجرمون لا يهابون الموت ولا يمكن القضاء عليهم وطردهم بسهولة من الأماكن التي سبق أن احتلوها، وصارت اليوم تحت أيديهم. إنّهم لا يخافون الموت بالمطلق، وإن كانت إمكاناتهم بسيطة، والسلاح الذي بين أيديهم بالكاد يوفّر لهم الحماية المناسبة، إلّا أّن عزيمتهم لا تلين، فهم أسود بمعنى الكلمة، ونذروا أنفسهم للشهادة في سبيل الدفاع عن معتقداتهم.

وأكد المهندس ثائر: هذه أمنية جميع أهالي المدينة. ما نأمله هو الخلاص منهم بشتى الوسائل.. لقد دمّروا البلد، ونفّذوا، وكما يبدو، اشتراطات ممرضة على الأهالي. إنّهم لا يخافون الله، وهم لا ينتمون لدين ولا لمذهب. إنهم مجرد عصابة جاءت بهدف الاعتداء على الناس، وتخريب البلد ونهب خيراته! إنّهم ينفّذون خطة مرسومة لهم من قبل جهات وصائية. لا أعلم بالضبط ماذا يريدون، ولكن هدفهم أصبح واضحاً للقاصي والداني، وهو العودة بالبلد إلى عصر ما قبل الإسلام؟!

تحولت الجلسة بين الحاضرين إلى صراع، وإن كانت الآراء التي تناولوها ووقفوا عليها تصبّ لجهة واحدة، فهي تعرّي واقعا بات يعرفه الجميع.

إنّ قصص عناصر (داعش) كثيرة ومثيرة في الوقت نفسه، وجرائمهم لم تقف عند حد معين، وهذا ما دفع الناس إلى الاستسلام لهم والخوف منهم. فهم أصحاب قرار، والقتل بالنسبة لهم أبسط شيء

فـ(داعش)، والكل يعلم، ما هو إلّا عصابة مجرمة انضمّ إليها العديد من المرتزقة، وكان من بينهم الكثيرون من أبناء الرّقّة الذين صاروا يُجسدون دورهم، وأخذ مكانتهم وتمثيلهم في معظم المحافل التي توزّعت أبواقها ومسارحها المكشوفة في أرجاء المدينة وريفها الذي لم يخلُ أي بيت فيها من جرائمهم وتعدياتهم المتوحشة!

كان عوّاد من الشباب المتحمّسين والفرحين ضمنياً بدخول أمثال هؤلاء المرتزقة إلى المدينة، فهو كان يصوّر للحاضرين من الزملاء في الجلسة أنّهم ما هم سوى أعداء، إلّا أنّه في الواقع كان مؤيداً تماماً لأفعالهم ومعتقداتهم وتصرفاتهم القاسية بحق الأهالي، ويشد على أياديهم في تطبيق الشريعة الإسلامية، وهم وللأسف لا يعرفون الدين إلّا بالأسم فقط!

إنّ الاشتراطات التي طبّقوها بحق الأهالي كانت مرعبة، فالسيف البتّار سلاحهم الوحيد الذي يرفعونه بصورة دائمة لكل من يقف بوجههم، وهذا ما أرعب الناس وأحبطهم، فضلاً عن تطبيقهم للقرارات التي كانوا يتخذونها، فقد كانت صارمة جداً ونتيجتها القتل في أغلب الأحيان.. وتنفيذها يتم بصورة فورية ومباشرة وبدون العودة إلى أي دليل شرعي، أو حتى عرف قائم متعارف عليه!

انبرى طارق في جلسته، وقال: يا جماعة الخير تعرفون قصصهم (المعثّة) ونتائج تصرفاتهم الخسيسة المثيرة للجدل التي تركت أكثر من اشارة استفهام، ومنها، وكما تعرفون كيف أنهم أقدموا على حرق مكتبة الخابور، وسط المدينة، بما تضمّنته من كتب أدبية وعلمية وتاريخية واجتماعية، ولم تكن تتضمّن كتاباً واحداً يتعلق بالدين، ولم يسبق لهم أن أنذروا صاحبها قبل إقدامهم على إحراق ما فيها.. فعمر المكتبة المعروفة في المدينة يزيد عن الخمسين عاماً، والكل يعرف طبيعة وأخلاق صاحبها، فهو إنسان متواضع ومثقف وعارف بأبناء المدينة ومثقفيها. وكان من بين الذين يترددون إليها والاطلاع على ما فيها من كتب ومجلات دورية وصحف يومية بصورة دائمة ابن المدينة الأديب الطبيب عبد السلام العجيلي، طيّب الله ثراه. المكتبة بالنسبة له كانت تمثّل تاريخ مدينة، فضلاً عن تردّد الكثير من مثقفي أبنائها ويومياً بهدف الاطلاع على ما تتضمّنه من صحف وإصدارات جديدة تهمهم.

وعلّق محمد: ما فعله (داعش) بمكتبة الخابور لوحده كان كارثة لا يمكن أن تغتفر، ولا يمكن بحال نسيانها، كما فعل عناصره أفعالا تثير الكثير من التساؤلات، ويشيب لها الأطفال الرضّع، ومن بينها ما أقدموا عليه بقتل أحد أطبائها بحد السيف لسبب تافه لا يذكر، كما قتل طبيب آخر برجمه بالحجارة حتى الموت، بذريعة تطبيق ما جاءت به الشريعة الإسلامية لمجرد أنه أجرى اتصالاً بالخطأ بامرأة متزوجة، وبالصدفة يرد زوجها على هاتفها المحمول، ما دفعه إلى التقدم بشكوى بحقه فتم القصاص منه برجمه بالحجارة حتى الموت، بدعوى الاعتداء عليها ومعاشرتها..!

إنّ قصص عناصر (داعش) كثيرة ومثيرة في نفس الوقت، وجرائمهم لم تقف عند حد معين، وهذا ما دفع الناس إلى الاستسلام لهم والخوف منهم. فهم أصحاب قرار، والقتل بالنسبة لهم أبسط شيء كانوا يقومون بتنفيذه، وعلى الفور!

وقال طارق مضيفاً: لا تنسوا يا شباب أنّهم كانوا يُخرجون الناس من بيوتهم عنوة ويسلمونهم إلى عناصرهم بذريعة أن أصحاب هذه البيوت يقيمون في مدن الكفر، المدن المؤيدة للنظام، وكل من يثبت أن صاحب البيت المؤجر مقيم في تلك المدن هذا يعني أن لا حق له في المطالبة ببيته وإن كان لديه ما يُثبت من وثائق وسندات ملكية صادرة عن جهات رسمية، فالبيت أصبح بحكم عرفهم حق مشروع لعناصر (داعش)، ولهم الحق في التصرف فيه. وسبق أن تعرضت إحدى النساء المالكة لإحدى العقارات للقصاص، لمجرد أنها طالبت ببيتها المسكون من قبلهم.. ولا ننسى دور (داعش) في محاربة العلم، والنيل من كل طالب أو طالبة كانت تدرس في المدارس أو في الجامعة.. وقد تعرضت طالبتان جامعيتان في الرّقّة للقتل لمجرد معرفة عناصر داعش بأنهما من طلبة جامعة دمشق، واعترافهما الصريح بذلك!

وتوقف المهندس ثائر بعرضه للزملاء الحاضرين جلسة الإمتاع في بيت المدرس عواد، عند بعض المواقف التي عايشها أثناء تسيّد عناصر الدولة الإسلامية لها، وكانت على سبيل النكتة وترطيب الجو المصاحب للجلسة الاستثنائية، فقال: تصوروا يا شباب أن أفعال عناصر (داعش) كان بعضها يثير الكثير من الضحك، فقد قاموا في إحدى المرات بالقفز على أحد البيوت في ساعة متأخرة من الليل بهدف سرقتها، وهم ملثمون وبأيديهم بواريد الكلاشينكوف، وإذ يفاجأون بصاحب البيت جالساً في فنائه الكبير وقد فوجئ بهم..

فقال لهم: من أين (طِلعْتُولي انتو!)، فردّ عليه أحدهم: نحن من كتيبة أحفاد الرسول! فقال لهم الرجل، وهو خائف: أنا أعرف أحفاد الرسول الحسن والحسين. أنتم (مَنُو!؟). فضحك الرجل وعناصر داعش وخرجوا من بيته بذريعة أنهم كانوا يبحثون عن أحد المطلوبين.

ومن بين الصور التي ظلّت عالقة في أذهان أهالي المدينة، تنفيذ الحكم الجائر بحق أحد الشبان صغار العمر، الذي كما روى محمد: أنه شوهد من قبل عناصر (داعش) وهو ممسك بسيجارته، واقفاً أمام بيته، فألزموه بإطفاء السيجارة التي كانت بين أصابعه ورميها، فلم يستجب لهم، فهرب من أمامهم فلحقوا به وقبضوا عليه وأودعوه السجن، ونفّذوا بحقه القصاص بالقتل بحد السيف بذريعة تعاطي المنكر.

وأشار طارق، بقوله: لا تنسوا الواقعة الأليمة التي حدثت مجرياتها في شارع المجمع الحكومي. فرد عليه المهندس ثائر: أي حادثة تقصد. فقال: الحادثة التي قتل على أثرها شاب في مقتبل العمر بسبب شتمه الذات الإلهية، وبدون قصد منه!

قال محمد: وكيف حصل ذلك؟

أجاب طارق: كنت وزوجتي نقف عند أحد محلات بيع الألبسة الجاهزة، وتعرفون تلك المنطقة تضجّ بحركة الناس، وبتوزع المحال التجارية، وبالصدفة يقوم أحد الشبان بضرب أخيه على ضوء خلاف سابق بينهما، فما كان من أخيه الصغير، ابن السابعة عشرة، إلا أن يقوم بسب الذات الإلهية، وصدف في نفس الوقت مرور دورية أمنية لـ(داعش) التي قامت بإلقاء القبض على الشاب، الذي اعتبرته بحكم المرتد، وبعد فترة تم إعلام أهله بمقتله!

معاناة أهالي الرّقّة مع (داعش)، وما أفرزه من تواجده في المدينة خلال السنوات الثلاث التي فرض سيطرته عليها كانت قاتلة. فتواجده كبّل الأهالي وقيّد حركتهم، وكانت أسوأ فترة عاشوها في حياتهم. فقد حاربوا كل شيء يقدم عليه الأهالي، وكانوا يفرضون عليهم اشتراطاتهم القاسية لجهة إذلال الناس والانتقام منهم والإساءة إليهم، وكانت فرحة الأهالي لا توصف بطردهم منها على الرغم مما حل بالمدينة من دمار وخراب من قبل قوات التحالف الدولي بالتعاون مع عناصر (قسد)، الذين كانت لهم اليد الطولى في تحويل أكثر من ثمانين في المئة من أبنيتها إلى كتل من الأحجار البرّاقة، والتي جلبت على أهلها الفقر والجوع والألم.. والحياة الكئيبة!

وهكذا كان حال أهل مدينة الرّقّة الذين عاشوا في ظروف قاسية جداً، ومنهم من سنحت لهم فرصة الفرار بالهجرة بعيداً عن أهله ورفاقه وممتلكاته، وما جناه من تعب وشقاوة السنين!