في ذكرى الرحيل: العجيلي... محدثكم الكبير

23 فبراير 2021
+ الخط -

هَجَعي إلى الكتابة، بصورةٍ دائمة، يُشكل بالنسبة لي رغبة وألماً، وخاصة في حال غيابي عنها لمدة لا تتجاوز الأيام العشرة في أعلى مراحلها، لا سيما أنّها تدفعني إلى اقتحام أسوارها المنيعة وبقوّة، وهذه الأسوار أو الحواجز تظل مثال الصورة الحية التي تسعفنا في لحظة ما، لأنها تملأ عليّ الرغبة بتجاوزها، أو التحايل عليها للوصول إلى الهدف.

هذا الهاجس له أبعاده، و طالما أشتهي الكتابة، بصورة مستمرة، ما يجعلني أضع نفسي بين هلالين معترضين لا ثالث لهما: الإقبال عليها برغبة حقيقية، والاعتراف بفضلها علي، أو الجحود لها.. ولم أتعوّد أن أضع نفسي في الباب الثاني، لا سيّما أنني لم أقصّر يوماً بتقديم أي خدمة يمكنها أن تفيد القارئ، لأنها تطرزني بالذهب، وتأخذني بعيداً إلى عالم الأدب، وهو عالمي الذي بدأت أبني عليه مستقبلي، وأستأنس فيه بوحدتي ورغبتي الشديدة، في الوقوف أمام جمهوري المثالي العاشق للصورة وللكلمة معاً، الذي طالما يدفعني، وبصورة دائمة، إلى الوقوف على اكتناز أمثال هذا التحقيق الوجداني الذي أجد فيه ضالتي، وأتمرّس فيه تحت سقف دكّاني وحدوده الممنوعة من الصرف، والذي يطويني طياً، ويجعلني أبوح بهذا النّفس النقي التي تُصرّ حركة القلب وتدفّقه على أن تكون له أبعاده، وباشتراطات بسيطة سهلة، وإن كانت معلّقة، على أن أقدمها للقارئ، ورغبتي بأن آمل ما يمكن أن أفعله رغم إصرار البعض من العامّة، على وجه التحقيق، على أن ما احتللت به عليهم وحدتهم، بل إنّي أراعيها باستمرار.

وكما يقول الكاتب الكبير، طيب الله ثراه -عبد السلام العجيلي- بعد أكثر من ثمانية عشر عاماً من الفراق، وأنا الذي سبق أن التقيت به في عيادته الخاصة، وفي بيته الحَجَري المكوّن من طابقين، وكنت في حينها ما زلت شاباً يافعاً أتعلم بذور الكتابة، وأفخر أنّني من مدينة الرقّة، مولد المرقدين، مقام الصحابي الجليل عمار بن ياسر، وأويس القرني..

لم يلجأ يوماً إلى قيادة سيارته "البويْك" بدوافع التفاخر، لا أبداً، فكان ينتقل أغلب وقته مفضلاً ذلك راجلاً باحثاً عن أماكن جديدة وأحداث عميقة تجرّه إلى تجارب أكثر اقبالاً من قبل العامّة

لما لا أليس من روّاد العجيلي، ومحبّي فن الرواية والقَصص، وهو الذي عشق صنوف الكتابة والأدب، ناهيك عن الكتابة في مجال التاريخ والفولكلور ومجد الرقّة وتاريخها، وهو الذي لم يعجز عمّن غلبه كثيرون، من كتّاب سورية المجيدين، وهو من عرف أن للرقّة تاريخاً، وهو الذي زاده هوساً بناء مدينته، وعشقه هواءَها، وظلّ ينقل خطواته الواسعة بين مدينة الرّصافة والرّها، ومدينة تدمّر مع المرحوم الآثاري مصطفى الحسون، فتناول مدينة الرقّة، وكتب عن مدينة السخنة، ولم يهجرها في تناوله لها.

كان العجيلي النبراس الحقيقي لأبناء الرقّة. كان أهالي الرقة يفرحون لمجرد رؤيتهم له عندما يرونه، أو لمجرد مشاهدة عابرة، أو يسمعون أنه ها هو الآن في زيارة لمكتبة الخابور وصاحبها أحمد الخابور، العاشق للكتاب ولمخطوطات العجيلي.

الخابور الذي أسّسس مكتبة عمرها تجاوز الخامسة والستين، وكان ينشط في قرارة نفسه عن كل ما هو جديد، ويهتم بكل ما هو مفيد، وكذلك كانت تصدمه الصدفة في الجلوس إلى جانب أسرة العجيلي التي يفرح بحضورها، وتسود التهاني بصورة أسبوعية بجلسات مفتوحة وغنية، فهل نبخس حق أبي بشر، المتحدّث الكبير الذي طالما نتشرف به، ويتشرف به أبناء الرقّة ومثقفيها.

أبو بشر الذي تعلمنا منه الكلمة الطيبة، والأخلاق العالية، والحكمة المؤداة، والقول الفصل، والحب الصادق، وروح الكاتب الهاوي التي لم تعرف يوماً روح المحترف. فلم يبحث عن الاحتراف رغم أحقيته به، والبحث عنه، ولم يلجأ يوماً إلى قيادة سيارته "البويك" بدوافع التفاخر، لا أبداً، فكان ينتقل أغلب وقته مفضلاً ذلك راجلاً باحثاً عن أماكن جديدة وأحداث عميقة تجرّه إلى تجارب أكثر إقبالاً من قبل العامّة.

ففي إحدى سفراته، رحمه الله، وفي حكاية سبق أن سردها، قال: كنتُ إلى جانب خمسة ركاب، وكانت معنا امرأة من أهل السخنة، وفوّرت السيارة، فأرادوا أن يطفئوا محركها "الحامي" الساخن، فما كان على المرأة الريفية الوحيدة التي معهم، إلا أن لجأت إلى سائق السيارة، فاستدرجته وقالت له وبدون خجل، إن خالتكم ستفعل فعلتها، وستنطلق من ثم كمدفع مكسيم الرشاش، فأرجو منكم أن تديروا ظهوركم وسيتحقق بلا شك حلمكم الضائع في الصحراء. في الحماد السورية، التي ليس فيها لا طير يطير ولا بشر يسير!. وبالفعل حققت ما عجز عنه الركاب الأربعة والسائق الذي لم يأخذ حذره وهو في هذه المتاهة.. وبالفعل تمكنت أن تشمّر خالتي عن فخذيها وتبارك لها السماء بمدرار غزير، ويستيقظ النائمون من حلمهم.

وقال العجيلي: إنّها إرادة الخالق. لم نفعل شيئاً، ولتَطرَبوا.. إنّها النساء. إنّها حلم سعادتكم التي لا قبلها ولا بعدها.

اصحوا .. اصحوا.. فلتكن البداية، ومن هنا. هذه نهفة من نهفات ما سرده أبو بشر، رحمه الله، وجعل الجنة مثواه.

إلى رحمة الله أيها العجيلي الكبير، فقد قلت يوماً: "إنّي أخذت من الدنيا الكثير .. كتبت وزرت وحضرت العديد من الاجتماعات، وترأست كعضو في مجلس النواب، وصرت وزيراً، ولأكثر من مّرة، وكنت عاشقاً ومحبّاً للأدب، وكتبت في الكثير من المجلات الأدبية والثقافية، كـ "الدوحة" القطرية، و"الديار" البيروتية... وغيرها كثير.