صائب عريقات.. الغاضب العاتب

23 سبتمبر 2020

في حوار خاص أجريته مع الدكتور صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ودردشات متعددة على هامشه، يلمس المرء كم القهر الذي يشعر به الرجل، جراء ما يسميها "الطعنات الأخوية" التي وجهها عرب للجسد الفلسطيني.

الغضب أو العتب الذي يبديه عريقات تحول لصدمة شديدة، يقول الرجل لي مفضفضا إنه ما كان يتخيل أن يعيش حتى يرى" تشكل الليكود العربي من صهاينة عرب في الخاصرة العربية".

وفي سياق مشروع أشرف على تنفيذه في منتدى التفكير العربي يستهدف تقديم رؤية الفصائل والقيادات الفلسطينية للمشروع الوطني المنشود في مواجهة صفقة القرن والتطبيع والضم، ومع اختلافنا المنهجي مع مسار أوسلو، وسواء اختلف البعض أو اتفق مع الدكتور عريقات، الذي شغل منصب "كبير المفاوضين"، فإن الأكيد أن  وصفه لموجة التطبيع العربي الحالية بالخيانة هو توصيف دقيق، يعكس الشذوذ غير المفهوم لبعض الدول العربية التي اختارت التحالف مع المشروع الصهيوني الأخطر على الأمة العربية، فجأة خرجت عن الإجماع العربي وحالفت إسرائيل، وعادت بشكل غير مفهوم الشعب والقضية الفلسطينيين، وتحدثت بالعبرية، وغنى فنانونها لتل أبيب، ومجدوا القائد الملهم بنيامين نتنياهو مجرم الحروب، والذي يتزعم يمين اليمين العنصري في دولة الاحتلال.

كأن من شاركوا في ذلك العزاء في واشنطن يريدون منا نحن كفلسطينيين أن نعتذر عن وجودنا في أرضنا لحظة قرار الصهاينة إقامة دولتهم، كان ينبغي أن نموت لا أن ندافع أو نهاجر، كان علينا أن نذوب تحت الأرض لتقيم إسرائيل دولتها دون إزعاج، نعتذر أننا صرخنا، ونعتذر أننا قاومنا، ونعتذر أننا هاجرنا، وتحولنا للاجئين نزعج ذاكرتكم، ونعكر صفو مزاج بعض إخواننا العرب الذين تحولوا من تمني "إلقاء إسرائيل في البحر"، إلى تمني أن يبتلع البحر الفلسطينيين ليرتاح القائد الملهم بنيامين، فقد توافقوا على صفاته العبرية النبيلة ليقود هذه المنطقة العربية، عفواً العبرية، حتى لا ينزعج حواريو بنيامين من وصفها بالعربية.

كشف عريقات لي لأول مرة عن تلقيه اتصالاً هاتفياً من الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الخارجية البحريني السابق ومستشار ملك البحرين، قبيل أيام من إعلان البحرين التطبيع

بالعودة  لمشروع المنتدى، وقبيل صدور الكتاب الذي يقدم شهادة ورؤية عريقات والذي خصّ به منتدى التفكير العربي في هذه اللحظات الوطنية الفارقة، وعقب توقيع اتفاق التطبيع الإماراتي البحريني في واشنطن في 15-9-2020، تواصلت مع الدكتور عريقات، وسألته عن تعليقه، وكيف أن الأحداث جاءت بعكس توقعاته السابقة التي كان يستبعد فيها تطبيع أي بلد عربي مع إسرائيل، ليبدي الرجل في المحادثة تلك صدمته الشديدة من المسار الذي انتهجته دولتا الإمارات والبحرين، وأنه "ما كان يتخيل أن تصل الأمور لدى بعض العرب إلى هذا المستوى، وأن يُعلن عن الميلاد العلني للصهاينة العرب الذين يقولون بوضوح إن فلسطين ليست قضيتي وإسرائيل حليفتي، و إن الشعب والقيادة الفلسطينيين هما سبب نكبتهم، ويُشرعون الاستيطان، ويُشرعون سيادة إسرائيل على القدس، بما فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ويكافئون إسرائيل على ذلك، ويعلنون أن القضية الفلسطينية أصبحت عبئا عليهم وأن آلامهم هي بسبب الشعب الفلسطيني  وأنهم يريدون من الفلسطينيين الاستسلام".

طلبت منه في ذات المكالمة تفسيرا لبياناته التي كان يؤكد فيها  مواقف دول لم تطبع بعد،  فقال إنه كان يحاول إرسال رسائل تثبيت للدول التي لم تطبع، وشكر ودعم مواقف من صمد ولم يرضخ حتى آخر لحظة، وإرسال رسائل تذكير للدول العربية بخطورة المسار الذي تنوي الولوج إليه، وأنه لا يمكن للعروبة والتصهين أن يجتمعا، وأن إسرائيل لا تريد سلاما، وأنهم يريدون من الفلسطينيين الاستسلام وليس السلام، وأن أي تطبيع مع إسرائيل هو طعنة للقضية الفلسطينية، وأن التحالف معها خطأ استراتيجي، لمن يقرأ التاريخ والجغرافيا، إلا أن تلك الدول وبحسب تفسيره رضخت للضغط الأميركي، كما أن علاقتها مع إسرائيل اتضح أنها ليست وليدة اللحظة بل تعود لعقود طويلة.

وكشف عريقات لي لأول مرة عن تلقيه اتصالا هاتفيا من الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الخارجية البحريني السابق ومستشار ملك البحرين، قبيل أيام من إعلان البحرين التطبيع، حيث روى لي عريقات كيف أكد المسؤول البحريني له التزام مملكة البحرين بالمبادرة العربية، ورفضها التطبيع قبل أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه، وأكد له أن ما قاله الملك حمد بن عيسى آل خليفة هو موقف البحرين الثابت، ليُفاجئ الفلسطينيون بعد أيام بإعلان ترامب أن البحرين ستلتحق بالإمارات في اتفاق التطبيع، وهو الأمر الذي رأى فيه عريقات خضوعا للضغط.

وعبر عريقات عن دهشته من هذا " التصهين العربي"والذي عزاه لسنوات طويلة من الاختراق الإسرائيلي، والتجهيز والإعداد، حيث وبحسب رأيه  فإن هذا المسار التطبيعي لا يمكن أن يكون وليد الساعة، بل هو مخطط صهيوني عمل عليه الاحتلال مع عدد من الدول العربية لعقود طويلة من الزمن.

في النهاية سألت عريقات ألم تفاوض 30 سنة؟ لماذا اليوم تلوم العرب على اتصالهم مع إسرائيل؟ وأنتم أول من فاوض؟ قال لي: "لو كنت أنوى التنازل لوقعت خلال 30 ساعة على التنازل عن القدس واللاجئين والدولة". وفيما يتعلق بتبرير البعض إقامتهم  علاقات مع إسرائيل  بادعائهم أن الفلسطينين هم أول من قام بذلك، رد الرجل بأن هذا الطرح يعوزه المنطق، مستنكرا المقاربة بين العلاقات القصرية للفلسطينين مع إسرائيل بوصفهم شعباً واقعاً تحت الاحتلال الإسرائيلي يجد نفسه مرغماً على التعامل مع هذا الواقع لتسيير أمور حياته اليومية، وبين العلاقات الاختيارية التي يدعوا إليها البعض ممن لا علاقة لهم بإسرائيل من قريب أو بعيد.

أخيراً، وقبل إنهاء المكالمة، اتفقنا "بأن التاريخ سيحكم على الجميع"، وقلت: "فليحذر الجميع جيداً، فالتاريخ لا يرحم".