سُمّ في البيرة وسلحفاة تتكلم

سُمّ في البيرة وسلحفاة تتكلم

04 نوفمبر 2023
+ الخط -

لم أستطع كتابة قصة منذ مدة، ففكرت في اقتراض قصة من سارد آخر على أن أردّها إليه بقصة أخرى حين يتيّسر الحال. السارد بطبيعة الحال ليس كاتبا آخر، وليس شخصاً حتى، إنه لا شيء تقريباً، ولا أحد، إلا أنّه رغم ذلك موجود. في الهواء، على الأرجح.

وتقريباً، إن لم نقل بالبتّ والمطلق: لكلّ كاتب سارده، يمكن القول أيضاً: لكلّ سارد كاتبه. إلا أنّ ذلك السارد ليس جزءاً من الكاتب، وليس ملكاً له، بل السارد ملك لنفسه فقط، مهمته الوحيدة في هذا العالم هي أن يكون سارداً. بهذه المهمة يأكل، يشرب، بها يمشي في الأسواق، وبين الصفحات، وبها يحيا ويموت، ويُبعث في بياض الأوراق وصفرتها. إن أردنا تشبيهاً بشكل أدق كي يتضح الأمر أكثر، فالسارد يشبه السكرتيرة، إلا أنّه من دون جنس كالملاك، وكالشيطان أيضاً، بحيث يُمنع علينا اعتباره أنثى، أو اعتباره ذكراً.

وكما قد تتعب السكرتيرة من كاتب عجوز وخرف يُملي عليها ما يجول في خاطره من سخافات كي تحوّلها إلى قصة محكمة البناء، مشوّقة، مقنعة وخالية من الأخطاء الإملائية الكثيرة، تحمل حقيبتها وتغادر مطالبة برفع أتعابها، فكذلك يتعب السارد ويملّ من الكاتب ويسأم، فيلملم أشياءه الخاصة من خيال الكاتب ويغادر.

وستكون مكلفة جداً محاولة إرضاء سارد آبق وإعادته إلى عمله، إذ من المحتمل أنّه قد وجد عملاً آخر عند كاتب آخر، بأجر أفضل، وظروف سرد أسهل. بل يكون من الأسهل، والأقل كلفة على كاتب أن يغري ساردا/ كاتبا آخر بالعمل معه عوض استرداد سارده.

هكذا أغمضت عينيّ وبحثت ساعة حتى بدا لي في ما يرى النائم أنّي رأيت سارداً متبطّلاً، كاتبه دخل في غيبوبة منذ شهور، ولا يبدو أنه سيخرج منها. اقتربت منه، وخاطبته: "يا هذا، أنا كاتب، وأبحث عن سارد".

يمكن القول: لكلّ كاتب سارده، كما يمكن القول: لكلّ سارد كاتبه

لم يتحمّس كثيراً، نظر إليّ فقط، ثم أشاح عنّي وعاد إلى مجّ سيجارته بعمق سردي لافت. ألححت عليه: "أشرب البيرة كلّ يوم تقريباً، وإذا سكرت فستسكر أنت أيضاً، وستشعر بنشوة عظيمة".

نظر إليّ ببعض الاهتمام هذه المرّة، ثم قال: "حسنا، أخاف فقط أن تكون شاياً، شاياً كلّ يوم، وليست بيرة".

أجبته بسرعة، وقد شعرت أنّه لان، وأنه سكير لا محالة، وقد فقد كاتبه السكير، وهو الآن دون شك يفكر في الشرب والمزاج أكثر ممّا يفكر في الأكل: "بل بيرة وليست شاياً، أتفق معك جملةً وتفصيلاً أنّ الشاي والبيرة متشابهان، لهما نفس اللون تقريباً، ونفس الرغوة، إلا أنّها بيرة، أقسم لك بكلّ مكتبات العالم.. إنها بيرة.. بيرة.. وليست شايا..".

اعتدل في جلسته، وقال وهو يُلقي عقب سيجارته بعيداً: "حسنا، دعنا نجرّب، يمكنك فتح تنكة البيرة أولا إذا سمحت..".

فتحت التنكة مُحدثاً ذلك الصوت بقوة أكبر، عمداً، حتى يسمعه، وحتى يطمئن قلبه، وقد فاضت البيرة قليلاً فوق التنكة، محدثة تلك النشنشة المغرية للسُرّاد. قال، وقد تهلّلت ملامحه، وعادت إليه حيويته القديمة، وعاد إليه تحفّز مؤلفي القصص وملفقيها المهرة: "ماذا تقترح كقصة أولى؟".

أخذت جرعة طويلة من البيرة أمامه، وصرخت: "الله..!" متلذذاً بطعم البيرة الباردة حتى يتلذّذ هو الآخر، ثم أضفت: "اقترح أنت، فأنت السارد وليس أنا، هذه مهمتك يا قرين".

حكّ ناظره بسبابته الشبيهة بقلم، وقال: "ما رأيك في قصة عن أرملة كان زوجها بائع ماس وتحف وكلّ تلك الأشياء، وقد مات منذ شهرين. كان يكبرها بعشرين سنة حسب سجلات الولادات والوفيات، وقد وضعت له سُمّا في البيرة فمات، والشرطة لم تفطن إلى شيء من ذلك، بل سُجّل حادث موته على أنّه موت بسبب السكر المفرط فقط. وقد ورثت الأرملة كلّ شيء من مال وبيوت وقرى ويخت كبير، وهي الآن غير نادمة ولو قليلا، بل أصبحت أجمل مما كانت عليه قبل ترملها، كما أنها تحبّ شاباً كان قد أنقذها من الغرق في مسبح ذات يوم، فأعطته قبلة طويلة... إلخ. ما رأيك أن نجعل الشرطة تكتشف أمرها وتعتقلها، وبذلك تصبح القصة محكمة أكثر. يمكن أن نجعل الشرطة تقتحم عليها البيت، وهي داخل الجاكوزي برفقة عشيقها؟ ما رأيك؟".

السارد ليس جزءاً من الكاتب، وليس ملكاً له، بل السارد ملك لنفسه فقط، مهمته الوحيدة في هذا العالم هي أن يكون سارداً

أجبته: "حسنا، قصة لا بأس بها، خصوصاً فكرة اعتقالها داخل الجاكوزي، سنترك للقرّاء أن يخمّنوا أشياء ممتعة، لكن دعنا نبحث عن شيء آخر، لا نريد هذه السيرة التي تبعث على التشاؤم منذ أول شراكة بيننا، سيرة شرب السم في تنكة بيرة. إنّنا نشرب بيرة، ولا نريد أن نعتقد نحن أيضا أنّ أحداً قد وضع داخلها بعض السم، سينّغص ذلك علينا سكرنا وسردنا. اقترح شيئا آخر لو سمحت".

زفر في الهواء متضايقاً، وغمغم: "حسنا، تجرّع أولاً جرعة طويلة من البيرة من فضلك حتى يعتدل مزاجي قليلا".

أجبته: "حاضر، لم تطلب إلا الموجود، لكنّي سأتجرّع هذه المرّة جرعة صغيرة فقط، لا نريد القضاء على العبوة بهذه السرعة الفائقة، ونحن لم نجد بعد حتى فكرة القصة".

تنهّد وقال: "حسنا، جرعة صغيرة أفضل من لا شيء. ما رأيك في هذه: رجل يربّي سلحفاة ويكلّمها. يحكي لها مذكراته، والسلحفاة تسمع ولا تجيب. إنّها حكيمة، ومنصتة جيدة لمخاطبيها، وصبورة لا تمل ولا تتأفّف، ومذكرات الرجل طويلة كسكة قطار نقل المعادن، فقد بلغ من العمر الثمانين، ورأى كلّ شيء في العالم، ولديه الكثير ليحكيه، لقد شارك في حربين عالميتين أيضا، يمكنك تخيّل ما سيمنحنا هذا الأمر من سرود. زد على ذلك أنّها قصة تجريبية لأننا سنجعل السلحفاة تتكلّم هي أيضا، ويردّ عليها ثم تردّ عليه. سلحفاة لكثرة ما صمتت وأنصتت لثرثرات الرجل تعلمت الكلام، وهو سيندهش لهذا الأمر ويعرضها على كلّ صحافة العالم لتتكلم أمام ميكرفونات التلفزيونات وتكتيكات الكاميرات، وسيكون حدثاً كبيراً مبهراً، ومذكرات الرجل ستشتهر أيضا".

قاطعته: "اسمع يا سارد. يبدو أنك قد سكرت قبل الأوان. جرعتان فقط كانتا كافيتين لأن تبدأ بالهرطقة. إنك تستمتع بنشوة بيرتي وتهرطق. لا يبدو أبداً أنك تبحث معي بجدية عن قصة. ألا تعرف إلّا هذا؟؟ سم في البيرة وسلاحف؟؟ وجاكوزي وامرأة تغرق في البيسين؟؟ ثم من قال لك إنّي أبحث عن قصص تجريبية؟؟ أنا كاتب لا يحبّ القصص التجريبية والقصص البوليسية، يبدو لي أنّك السارد الصحيح في المكان الخطأ، أو بالأحرى يبدو لي أنك السارد الخطأ في المكان الصحيح. هات فكرة جديدة جيّدة، واعلم أنّي لن أشرب قطرة واحدة من هذه العبوة اللعينة قبل أن تجد الفكرة. أنت تريد أن تسكر فقط. لكن ليس على حسابي".

ردّ بغضب: "إن لم تشرب جرعة أخرى فسأغادر. لا يمكنني إيجاد أفكار دون شراب. أنت كاتب بخيل على ما يبدو. تريد السكر وحدك بينما أفكر أنا في تأليف قصصك السخيفة نيابة عنك".

أجبته بهدوء، وأنا أضع تنكة البيرة فوق الطاولة بعيداً: "افعل ما تشاء، لن أضيف جرعة واحدة، السرّاد الذين لا يسكرون كثر وسأجد واحدا. ثم.. أنا.. لست مضطراً لكتابة قصة أصلا. أفضّل أن أسكر دون قصة على أن أكتب قصة دون أن أسكر، أو أن أقاسم بيرتي سارداً سخيفاً مثلك، وغير عليم".

نظر إليّ بغضب وبصق حبراً وزمجر: "اشرب بيرتك وحدك إذن، وابحث عن سارد لا يشرب، فهم كثر بعدد الرمل، وسيسردون لك قصصاً مهذبة مملة كشرب الشاي. أنا سأذهب. أنت مجرّد كاتب سخيف".

ألقى في وجهي هذا الكلام بصيغة الشتائم واختفى، بينما بقيت هادئا..

استيقظت من النوم، وجلست. كانت التنكة ما تزال فوق الطاولة ممتلئة تقريباً. قمت إليها، أحسستها ثقيلة في يدي، تجرّعت منها جرعة طويلة دون حساب، ثم أخذتها معي إلى مكتبي. جلست وفتحت الدفتر، ثمّ دوّنت:

القصة الأولى: سم في البيرة.

القصة الثانية: سلحفاة تتكلم.

ثم كتبت القصتين كما سمعتهما في المنام، قبل أن أنساهما، دون حاجة إلى سارد.

محمد بنميلود
محمد بنميلود
كاتب مغربي من مواليد الرباط المغرب 1977، مقيم حاليا في بلجيكا. يكتب الشعر والقصة والرواية والسيناريو. صدرت له رواية بعنوان، الحي الخطير، سنة 2017 عن دار الساقي اللبنانية في بيروت.