بطانيات إماراتية وشاي جزائري في أسواق دمشق!

بطانيات إماراتية وشاي جزائري في أسواق دمشق!

10 فبراير 2023
+ الخط -

إعلان هام للسوريين في العاصمة دمشق.

بالتزامن مع الزلزال المدمّر، ثمّة مواد استهلاكية جديدة نزلت للأسواق في العاصمة دمشق، مواد غذائية وطبية، بطانيات وخيام... صنعت في الإمارات والجزائر، ليبيا وإيران، الأردن وروسيا... الأسعار تراوح بين ألف وعشرة آلاف ليرة سورية والتوصيل مجاناً أو بأسعار رمزية...

لا تستغرب عزيزي القارئ، نعم مواد جديدة في أسواق العاصمة السورية، بطانيات إماراتية، شاي جزائري، أرز إيراني، وخيام روسية...

أعلم الأسئلة التي تدور في رأسك، وسأجيبك عنها جميعاً.

- من أين أتت هذه المنتجات؟

الجواب بسيط، إنها المساعدات التي وصلت إلى سورية بعد الزلزال.

- لماذا لم تذهب إلى المتضررين؟

الجواب سهل، جزء قليل منها ذهب فعلاً للمتضررين، أما الجزء الأكبر فتمت سرقته من قبل الشبيحة وتمّ بيعه للتجار في الأسواق المحلية.

- ألا توجد رقابة من الدولة؟

الجواب هنا بحاجة إلى خلفية تاريخية، لأن سورية منذ استلام الحكام الحاليين قبل أكثر من خمسين سنة، تعتبر من أكثر الدول فساداً في العالم، ومؤشرات الفساد فيها مرتفعة للغاية، فالحكّام ومن يواليهم يقومون بسرقة الكحل من العين، وعلى الرغم من أنّ سورية من أغنى الدول العربية في الثروات الباطنية والزراعية، ولكنها بقيت خلال الخمسين سنة الأخيرة من الدول المتخلفة.

الدولة شريكة في السرقة، وهي التي تشجع "جماعتها" على ذلك

بالعودة إلى سؤالك، طبعاً لا توجد رقابة من الدولة، فالدولة شريكة في السرقة، وهي التي تشجع "جماعتها" على ذلك.

أعلم ماذا ستسألني الآن، تريد أن تعرف ما هو الحل، وكيف يمكن أن تصل هذه المساعدات إلى مستحقيها؟

حتى أكون صريحاً معك عزيزي القارئ، ليس لديّ حل سحري، ولا يمكن أن أعطيك الخلطة الأنسب لذلك، ولكن يمكن أن أقول إن من قَصف ودمّر، واعتقل وهجّر، وسرق ونهب، وشبّح وأرهب، لعشرات السنين، لا يمكن أن يكون يوماً صاحب أخلاق، ولا يمكن أن يكون هناك حل أو خلطة سحرية لتغيير سلوكه، والحل الوحيد باقتلاعه واقتلاع أفكاره الفاسدة. أما عن المساعدات، فيمكن أن أضمن لك أنّ كلّ ما سيأتي عن طريق النظام الحاكم من مساعدات إلى الشعب السوري، سيتم نهبها وسرقتها، وما سيصل فعلاً لمحتاجيه سيكون الفتات.

عزيزي القارئ، أرجو أن أكون قد أجبت عن كلّ أسئلتك، وفي حال كانت لديك أسئلة إضافية، يمكن أن تتخيّل الأجوبة عليها مما سبق..

ممثلو النظام و"الصحوة" المفاجئة

يمكن لفناني السلطة السورية أن يمثّلوا على الشعب العربي، وعلى المجتمع الدولي، ويدّعوا الإنسانية والرقّة والأخلاق، ولكنهم بطبيعة الحال لا يمكن أن يمثّلوا على السوريين، لأن الشعب السوري "كاشفهم"، فهو منذ اندلاع الحراك في عام 2011 يعرف طينتهم، وكيف يفكرون، وماذا يريدون، وما هي أهدافهم.

مع الزلزال المدمر، بدأت صفحات سورية تتناقل أخبار تبرع ممثلين سوريين للمتضرّرين. وبعيداً عن الأسماء، وبعيداً عن المبالغ التي تبرعوا بها، يمكن أن ننقد هذه التبرّعات على عدة مستويات.

المستوى الأول هو الشهرة، فمن  يريد أن يساعد لا حاجة له لإعلان ذلك على الملأ. وبإعلانهم هذا، يبدو أنهم يريدون ممن حولهم أن يشكروهم على مساعدتهم، كي تنتشر أسماؤهم أكثر في الأوساط العامة والخاصة.

لا يمكن لمن صمت أمام أكثر من مليون قتيل وملايين اللاجئين والنازحين، أن يصبح فجأة صاحب قضية

المستوى الثاني هو المال، فالأرقام التي دفعت أو تبرّعوا بها هي أرقام متواضعة مقارنة بالأجور التي يحصل عليها هؤلاء، ولكنها تبدو أرقاما كبيرة بالليرة السورية بحكم قيمة الليرة المتدنية، ولكنها لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات، وفي أحسن الأحوال ألفاً أو ألفي دولار. 

المستوى الثالث هو الأخلاق، فالسقطات الأخلاقية المتتالية لهؤلاء الممثلين توالت منذ 2011، بداية من مطالبتهم بسحق المتظاهرين، أو بقصف المدن، أو حتى تبنيهم لرواية النظام بوجود إرهابيين... دون أن يحرّكوا ساكناً، وهو ما لمسناه عند توقيع "بيان الحليب" في دمشق عام 2011، أو عندما تمّ اعتقال أطفال درعا، أو عندما نزلت البراميل المتفجرة بالمئات على منازل سوّيت بالأرض على ساكنيها، أو عندما قتل الكيماوي آلاف النساء والأطفال...

يعتقدون أنهم الآن، بإلقاء بعض المال، والإعلان عن ذلك، يمكن أن يمحوا جزءاً من سقطاتهم الأخلاقية السابقة.

أما المستوى الرابع والأخير فهو الإنسانية، إذ لا شك أنهم يريدون التشدّق بالإنسانية، هم يتباكون على ضحايا الزلزال، ويصدّرون أنفسهم على أنهم حماة البشرية، وهذا الأمر يمكن أن يمر على غير العارفين، لكن لا يمر على السوريين الذين يعرفون دوافعهم جيداً، إذ لا يمكن لمن صمت أمام أكثر من مليون قتيل وملايين اللاجئين والنازحين، أن يصبح فجأة صاحب قضية، ويريد أن يساعد و...

غيث حمور
غيث حمور
خريج كلية الإعلام. عمل في عدة وسائل إعلامية، منها صحيفة "الحياة"، وموقع "العرب اليوم" وصحيفة "القنديل".