الحاج أبو دلال

الحاج أبو دلال

27 يوليو 2021
+ الخط -

وصل الأب إلى فناء بيته الواسع متأخراً بعد صلاة العشاء، وهذه المرة الثانية التي يصل بها في مثل هذه الساعة من الوقت بعد أن شارك أحد أقاربه واجب العزاء. كانت الفوضى تدبّ في أرجاء البيت قبل وصول الحاج أبو دلال، ولمجرد أن ضرب الباب بيديه القويتين، علم من كانوا داخل البيت بقدومه، إذ تحوّل الضجيج الصاخب الذي أزعج بعض أولاده، إلى سكون مطبق خيّم بأسه على الجميع، وهم لطالما كانوا يجزعون من الأصوات العالية، فضلاً عن الشغب الذي كان يرافقه من قبل الأخوة الذين يصغرونهم سناً، في غياب أبيهم الذي يظلل عليهم معيشتهم، ويقدرون مكانته وشخصه.

وكان الأب بمفرده يقوم بتحمل أعباء البيت، ودفع ما يستوجب لقاء معيشة أهل بيته، وتأمين احتياجاتهم وما أكثرها، وهو الإنسان القادر على ذلك، ولا سيما أن وضعه المادي جيد.

وكان والدهم متوسط العمر، قارئاً للقرآن ومتفهماً ويخاف الله صائماً، ولا تفوته أي فريضة من الصلوات الخمس التي يقضيها في المسجد القريب من البيت الذي ساهم في بنائه مع أبناء الحارة، كل حسب قدرته المادية.

أبو دلال، هكذا كانوا ينادونه، احتراماً لشخصه، ولكبر سنه ومكانته ووقاره، والكبرياء الذي يرى أبناء الحارة أنّه صفة من صفاته، إلّا أنّه هو عكس ذلك تماماً. فقلبه مليء بالطيبة وحبّ الناس، والعمل جاهداً على حل مشاكلهم. وهذه صفة توارثها أباً عن جد.

فأخلاق الحاج أبو دلال كان يعرفها الكبير قبل الصغير من أبناء الحارة الذين يعرفون بعضهم بعضاً، وطالما كان يستقبلهم ضيوفاً أعزّاء في بيته الواسع الذي يشتمل على حوالي عشر غرف كبيرة، نصفها مبني من الحجر الأبيض، والقسم الآخر منها قام ببنائها بالإسمنت المسلح.

كان الحاج أبو دلال محبّاً لضيوفه، لطيفاً وكريماً وحريصاً على خدمتهم وتلبية احتياجاتهم، فضلاً عن أنه يشارك الآخرين في تقديم واجب العزاء سواء لجهة جار عزيز، أو قريب بعيد، وغير ذلك، ويقوم بهذا الواجب على أكمل وجه، وكان يسعى دائماً إلى خدمة المحتاجين، وعن طيب خاطر، فكان يحاول أن يزور أغلب المآتم التي يسمع بها من قبل أصدقائه ومعارفه، ويقبل عليها بحب جارف، فكان يركض بكل ما يملكه من طاقة من أجل المشاركة بها وهذه صفة التصقت به، ومشاركته مبنية على الحب وتقدير جهد الآخرين، ويتولى  بنفسه تحمّل جزء ما يصرف على العزاء، فضلاً ما يطلب منه من شراء ذبائح يقوم بتقديمها إلى أهل المتوفي، ناهيك بأجور النقل التي يتحمّل نفقتها. كل ذلك يقوم بدفعه من جيبه الخاص.

بعد بحث وجد بنت الحلال التي وافقت على الارتباط به، وعاشت معه سنوات، وارتضت بما قسمه الله لها، فكانت خير زوجة محافظة ومثابرة، وصادقة في تعاملها معه

مشاركاته في تعازي المتوفين تعود إلى فترة بعيدة، وذلك يزيده حبّاً وشوقاً إلى فعل الخير الذي لم يتوانَ بصورة مستمرة في السعي إلى تحقيقه، وإن كان ذلك في أصعب الظروف، وهذا طبع جبل عليه وشكل جزءاً كبيراً من شخصه ومكانته بين أقاربه بصورة خاصة، وجيرانه الذين يكنّون له كثيراً من الود والاحترام.

أما الجانب المضيء الآخر في حياته، والذي يشكل عنواناً كبيراً في نجاحه، وهو العمل على متابعة عمله وبشغف كبير. فهو يوليه أهمية كبيرة، ولا يمكن أن يفكر ولو للحظة واحدة في التغيّب عنه مهما كانت الظروف، حتى وإن كان ذلك في أحلك المواقف التي تستدعي منه المكوث في بيته، وليوم واحد، أو حتى لساعات لظرف ما، فإنه كان يرفض ذلك رفضاً باتاً. فالعمل بالنسبة إليه جهاد حقيقي، وهو جزء كبير من شخصه وهيبته التي تجعل منه ملتزماً وقائداً ميدانياً في تكريس كل الوقت من أجل أن يقدّم شيئاً في عمله، ولا يمكن أن يناقش في أي جانب يرى أنه مقصّر فيه، لأن عنوانه في الحياة هو الركض خلف لقمة الخبز، وعلى أن تكون باتجاه الخير ومن خلال التنافس الشريف من أجل الحصول عليها، وهذا ما كان يهمه، السعي إليها وبكل جوانحه، وبالحلال، حتى يشعر أن ما حصده في يومه المكلل بالجهد والعرق جاء بعد أرق وكد وتعب، وهذا ما كان يحاول أن يجسده على أرض الواقع، وما حدث بالفعل، لأنه يرضى بالمقسوم وبما كتبه له الخالق من رزق حلال.

سعي أبو دلال ابن الريف المتواضع الذي ترك أهله من أبناء قريته وهو في سن اليفاع، حوّل أشياء كثيرة في حياته إلى مجرد صور عابرة، إلّا أن هذه الصورة استطاع أن يجسّد ظلالها في طريق حياته، التي تنوّعت مفرّداتها وكسر طوق ما كان يشبه بالمستحيل، وهو الشاب الصغير ابن الحادية والعشرين عاماً الذي وصل إلى المدينة بعد أن غادر أهله ورفاق دربه، وتمكن من العيش فيها وبمفرده، ومع مرور الوقت تعرّف إلى بعض أبناء قريته الذين يكبرونه سناً، وانسجم معهم، وشكل إلى جانبهم مجموعة مصغرة، إلّا أنه لم يرضَ بالأعمال التي كانوا يقومون بها، من خلال ترددهم على مقاهي القمار، ورأى أن الاستمرار معهم  في هذا الطريق سيضطره إلى دفع بكل ما لديه من مبالغ في هذا الاتجاه وستتبخر كلية، وهذه حصته من أهله،  وارتضى بما أعطوه وترك قريته واتجه نحو المدينة للعيش والإقامة فيها راضياً، واستمراره في هذا الطريق سيخسر حياته وما يملك وهذا ما كان يرفضه، وسيلقى باللوم والحيف من قبل أهله الذين وثقوا به، وهو أكبر أخوته سناً ومكانة، وكانوا يعوّلون عليه كثيراً لأنه كان شاباً من غير المستحسن أن يكون أضحوكة من قبل أهله وأبناء قريته الذين كان يلتقي بعددٍ منهم في المدينة بين فينة  وأخرى، وكان يتحاشى الاختلاط بهم..

وبعد بحث وجد بنت الحلال التي وافقت على الارتباط به، وعاشت معه سنوات، وارتضت بما قسمه الله لها، فكانت خير زوجة محافظة ومثابرة، وصادقة في تعاملها معه، وساعدته في مقتبل زواجهما على هموم الحياة، وهذا ما جعله يوليها أهمية كبيرة، ويحترمها ويجعل خطواتها التي كانت تدفع به نحو تخطي الكثير من الصعاب في حياته إلى مزيد من الود، وأثمر زواجهما عن احتضان أسرة كبيرة عاشت في كنفهما، وفرح الأب بأبنائه قبل أن يغادر الحياة الدنيا التي عاش أيامها برضى من ضميره كان يرجو أن تقترن برضى من الخالق سبحانه.