"تركي رمضان"... وصمت الجدران

"تركي رمضان"... وصمت الجدران

17 اغسطس 2021
+ الخط -

كانت تبدو على ملامح صديقي الأديب الصحافي تركي رمضان، الذي اختطفه الموت مؤخراً، قبل قدومه إلى تركيا والعيش فيها، بعيداً عن مسقط رأسه -الرّقة- علامات الغضب، وأنا أهمّ بالدخول عليه في خلوته في مسكنه المتواضع الذي طالما كان ينفردُ فيه وحيداً في مدينته، والذي يتكوّن من غرفتين ومطبخ وفسحة سماوية.

غرفة يستقبل فيها أصدقاءه الزائرين، وتعتمرُ بمكتبة متواضعة الرفوف إلّا أنّها تجود بالكتب الأدبية والتاريخية والفلسفية والفكرية، فضلاً عمّا تحتويه من مجلات ثقافية وأدبية، وصحف صادرة يومية كان يواظب على قراءتها باستمرار، على الرغم من أن المكتبة التي يشتري منها غذاءه الروحي اليومي تبعد مسافة بعيدة عن مكان إقامته، وهو إنسان يُعاني من مرض ألمّ به منذ ولادته، وغير قادر على الذهاب إليه بسهولة ما يضطره إلى ركوب التاكسي للوصول إلى مكتبة بور سعيد، واللقاء بصاحبها أحمد الخابور، أبو المهند التي تم إحداثها إبّان العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، وكانت منفذاً لأبناء أهل الرّقة المهتمين بالثقافة، الذين يعودون إليها كل يوم والاطلاع على كل ما هو جديد، لا سيما أنّ الخابور يُعد الوكيل الوحيد الحصري للمؤسسة العامّة للمطبوعات، ما يعني ذلك وصول الصحف الرسمية وما يرسل إليه من قبلها من مجلات وصحف عربية تصدر بصورة يومية أو أسبوعية، فضلاً عن الكتب والروايات الأدبية التي تصل إليه من قبلها، وبشكل دوري.. والغرفة الأخرى كان يقضي فيها جلّ وقته في كتابة ما يحلو له، أضف إلى أنها تضمّ سرير نومه، والكومبيوتر الشخصي الذي يقوم بكتابة ما يخطّه قلمه، ومن ثم تفعيله من خلال لوحة الكيبورد ليصار إلى تدوينه والاحتفاظ به ليتمكن بعد ذلك من إرساله إلى الجهة التي يرغب النشر فيها.

كان متواضعاً جداً، ومثقفاً وإنساناً بسيطاً، ولم يكن يهمّه الظهور، أو التقرّب إلى المسؤولين باحثاً عن عطاءَاتهم، كما فعل غيره

كان تركي محبّاً جداً للقراءة والكتابة، ويصرف ما في جيبه لقاء شراء كتاب صدر حديثاً، أو مجلة أسبوعية أو شهرية يتابع ما ينشر فيها باستمرار، وحتى صحيفة يومية كانت تلفت نظره، ما يعني أنه سيضطر إلى اقتنائها مهما كلفه ذلك من مبالغ مالية، وإن كان دخله المادي، باعتبار أنه موظف صغير يعمل في المؤسسة العامة لسد الفرات، بالكاد أن يسد الرمق، وهو الإنسان الملتزم الذي يعيش بمفرده في بيت عربي صغير الحجم، وهو أشبه بصمت مطبق، مثال صمت الجدران الذي عاش فيه سنوات طويلة من عمره في حبّ الوحدة التي كانت سبيله الوحيد في اقتفاء أثر الراحة التي كان يبحث عنها في كل زاوية من زواياه.

وحينما كنا نزوره في بيته، نجده ينشغل بضيوفه كثيراً، ويحاول أن يقدم لهم ما يتوافر ما بين يديه من ضيافات يمكن له من أن يقدمها وبكل تواضع، وإن لم يكن ذلك متوافراً، يلجأ إلى الذهاب إلى جاره صاحب البقالة لشراء ما يمكن أن يثلج صدورهم.
وكان، رحمه الله، يصرّ على تقديم الضيافة بنفسه، وإن كانت متواضعة، حيث يرى أنها حاجة لا بد من تقديمها للضيف، وهو نتيجة وضعه الصحي لم يكن باستطاعته خدمة الضيوف الخدمة التي تستحق، كما يراها هو، ما يجعله يتألم في دخيلة نفسه ويرثي الوضع الذي يعيشه، فكان أغلب أصدقائه الزوار يعذرونه على تأخر الخدمة، ويحاولون مؤكدين عدم رغبتهم في تناول أي شيء تلافياً للجهد والإرهاق اللذين سيكون لهما نتائجهما السلبية حيال صديقي الكاتب والصحافي النبيل الذي لا ينفك بالانشغال عنك ولا بك بحديثه المشوّق، وبنهفاته المضحكة التي كانت تطل برأسها راسمة ابتسامة صادقة على كوكبة الأصدقاء الذين يزورونه بين فينة وأخرى للاطمئنان عن صحته.

كان الأديب الراحل الذي وافاه الأجل قبل نحو أسبوعين، وأقام في تركيا بعد مغادرته مدينة الرّقة، تعرّض لإصابة بليغة نتيجة قصف الطيران الذي لحق بمدينته، ونال قسماً كبيراً من أحيائها، واستمر على هذه الحالة سنوات حبيس الفراش، بعد مغادرتها، والانتقال إلى تركيا، وتحمّل مرارة العيش والفاقة والعوز الذي كان يعاني منه!.

يكفي فقيدنا المرحوم تركي رمضان أنّه كان متواضعاً جداً، ومثقفاً وإنساناً بسيطاً، ولم يكن يهمّه الظهور، أو التقرّب إلى المسؤولين باحثاً عن عطاءَاتهم، كما فعل غيره، لقاء السكوت عن الكثير من الأخطاء التي كانوا يرتكبونها في المديريات والمؤسسات التي يديرونها.

كان تركي رمضان محارباً للفساد، ولأيّ تجاوز مهما كان صغيراً، وأسس -رحمه الله- قاعدة من الصحافيين الشباب، ومنهم من شقّ طريقه ونجح، ومنهم من سعى في اتجاهات أخرى باحثاً عن التقاط رزقه بعيداً عن هذا الدرب الشائك!

دلالات