يوميات الوباء: الفيروس والاعتقال والكتابة

12 ابريل 2020
الصورة
من إجراءات مكافحة كورونا في الجزائر (محمد قادري/Getty)
+ الخط -

اعتدتُ، بحكم وظيفتي كأستاذ جامعي وبصفتي كاتباً، على قضاء معظم وقتي في البيت. ولذلك لم يشكّل الحجر الصحي في المنزل، بسبب فيروس كورونا، مشكلةً حقيقية بالنسبة إليّ. غير أن ذلك لا يعني أنَّ كلَّ شيء ظلّ كما كان. لقد تغيّر فجأةً معنى الفضاء الخارجي وأصبح مقترناً بخطر يُمكن أن يكون مُميتاً.

حتى الشارع الذي اعتدتُ الإطلال عليه من نافذتي من وقت إلى آخر بات مختلفاً، يُخيّم عليه صمت غير معتاد، قليل الحركة بشكل لافت، يَظهر فيه بين الحين والآخر شبح أو اثنان لا يلبثان أن يختفيا... شارع يشبه بفراغه وسكونه - وبالداء الخفيّ والصامت المحدِق به - جلَّ شوارع المعمورة التي باتت تنقلها الشاشات الصغيرة عبر العالم هذه الأيام. مشاهد تُذكّر بالمدن الأميركية الميتة التي تحدّث عنها الروائي الجزائري محمد ديب في "سيمورغ"، مؤلّفه ما قبل الأخير.

الزمن بدوره لم يعُد هو نفسه، أعني بالخصوص الساعة الخامسة منه. صار اقترابُ حلولها يثير الجزع في النفس. حين تحلّ، يجتمع في صمت وقلق كلّ أفراد العائلة أمام الشاشة الصغيرة. إنها ساعة الإعلان اليومي عن عدد الإصابات والوفيات بجائحة كوفيد 19. الداء في تفاقم مستمر. الجزائر هي الأكبر عربياً وأفريقياً في عدد الوفيات. الوضع يذكّر بالعشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي.

في تلك الأيام أيضاً كان الفضاء الخارجي غير آمن، لا يدري المرء، إذا ما غادر بيته، سيعود إليه سالماً. الفرق أن المتوفّين هذه الأيام تحوّلوا إلى أرقام، بينما في التسعينيات كانت جثثهم وصورهم تُرى رؤية العين وأسماؤهم يُعلن عنها، والصحف تقدّم كل التفاصيل المروّعة عن مقتلهم.

صحيح أن صور وأسماء ضحايا الموت الذي جاء ينشره كوفيد 19 في العالم تظهر أحياناً في منصّات التواصل الاجتماعي، لكن نراهم لحظتها وهُم في صحّة وعافية. مع ذلك، يتّخذ الموت بهذا الشكل طابع المفارقة والمأساة، وحتى التراجيديا في بعض الحالات: حين يتعلّق الأمر مثلاً بأطبّاء أو ممرّضين لقوا قدرهم وهم يقاومون الداء الذي أصاب مرضاهم. لقد جعل الوضع الكارثي لمستشفياتنا مهنةَ الطبّ أخطر مهنة اليوم عندنا.

ولأن القنوات التلفزيونية صارت تُقدّم - خصوصاً منذ بداية حراك 22 فبراير/شباط - عالماً غير موجود، فقد صرتُ أُكثِر التردُّد هذه الأيام على وسائط التواصل الاجتماعي للبقاء على صلة بما يجري في أرض الواقع. وفي هذا السياق، يلفت الانتباه في ما يكتبه بعض المنتمين إلى عالم الثقافة تركيزهم على موضوع عالَم ما بعد جائحة كورونا، لا سيما الغربي منه. الحديث يدور عن "التفكّك الحتمي" للاتحاد الأوروبي وعن "موت الحضارة الغربية" وبداية هيمنة الشرق - يقصدون الصين - على العالم، وعن "سقوط منظومة القيم النيوليبرالية"، وعن "عودة ماركس"، وهلم جرّاً.

شيءٌ جيّد كلُّ هذا في الواقع. نحن لا نعيش بمعزل عمّا يجري في العالم، لكن حين نسكت في آن واحد عن التحدّيات الوجودية العاجلة والآجلة الخاصّة بنا، لا سيما عن المشكلة السياسية، أُمّ المشاكل عندنا، وفي بقية بلدان المنطقة، نكون في هذه الحالة أمام ضرب آخر من الهروب من الواقع.

من حسن الحظّ أنّك تجد، أيضاً، صُوَراً أُخرى تسعى إلى تغيير هذا الواقع. نماذج خلّاقة ومبدعة في التضامن والتحدّي في هذا الوقت العصيب، إن لم أقل الوجودي؛ لحظات تُذكّر أكثر من غيرها بعبارة شكسبير الخالدة "أن توجَد أو لا توجد فتلك هي المسألة"... صور آتية من المجتمع تبعث على الأمل وعلى الحسرة في آن، تدفع إلى التفكير في المعجزات التي كانت ستتحقّق لو أنَّ النظام القائم استثمر في الجوانب الخيّرة لإنسان هذا البلد، لا في نقائصه.

الواقع أنه عندما تكون من الجزائر، فإنه يصعب عليك أن تفكّر في خطر جائحة كورونا فقط. وأنت تتابع أخباره المقلقة الوافدة من العالم وقد تمّ فيه توقيف عجلة الاقتصاد وتعطيل مختلف الأنشطة وغلق الحدود بين الأمم من أجل الحفاظ على وجود الإنسان الذي بات مهدَّداً، تأتيك هذه الأخبار عندنا مرفقة أيضاً بأنباء يومية عن اعتقالات ومحاكمات تمسّ أصحاب الرأي، أحيانا بتهم غريبة، من قبيل "التشكيك في قدرات الدولة". يصعب على المرء في مثل هذا الجو الموبوء ألّا يفكر بأنه إذا نجا من الجائحة، فقد لا ينجو من خطر "التشكيك في قدرات الدولة"، أو من شيء عبثي آخر على شاكلته.

فقط مع القراءة يشعر المرء بنفسه بعيداً عن هذا العالم، في أجواء أخرى غير أجواء الاعتقالات البائسة وأرقام الوفيات والإصابات الآتية من مختلف بقاع العالم، في هذه الحرب الكونية الثالثة؛ ضد فيروس هذه المرّة، لا بين البشر. آخر عمل قرأته في زمن الكورونا هذا، للمرّة الثانية في الحقيقة، رواية "الديوان الإسبرطي" للكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي. عمل يتحدّث عن احتلال فرنسا، الجزائر، وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية. رواية جميلة وثرية لا أستبعد أن يكون صاحبها أوّلَ جزائري يحصل على هذه الجائزة. وأقرأ الآن أيضاً رواية "حطّاب سراييفو" لسعيد خطيبي التي بلغت بدورها القائمة القصيرة للجائزة نفسها.

الإحساس نفسه بالابتعاد عن عالم وباء كوفيد 19 يعتريني عندما أعود إلى الرواية التي أعكف حالياً على كتابتها، رغم أنّ الرواية - أية رواية - هي دائما تعبير عن الوجود الإشكالي للإنسان. أحرص كذلك على ألا أتأثّر بالأجواء التي جاء بها الفيروس. تجربة ما سُمّي "الأدبَ الاستعجالي" المتولّد عن العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي لا أعتقد - بالمناسبة - أنها ستتكرّر مع هذا الوباء.

كيف سيكون ما بعد كورونا في الجزائر؟ سيكون شبيهاً بما قبل دخوله يوم فُتحت له الموانئ والمطارات. أعني أنَّ حراك 22 فبراير سيعود يومها للمطالبة بإقامة الدولة المدنية.

كلّنا في انتظار ذلك اليوم.


* روائي من الجزائر

المساهمون