يحيى حسن.. عربي غاضب بالدنماركية

يحيى حسن.. عربي غاضب بالدنماركية

10 يوليو 2014
الصورة
تصوير: روجر نومان
+ الخط -
تحوّل الشاب الفلسطيني يحيى حسن إلى ظاهرة مثيرة للجدل بعدما نشر ديوانه الأول في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي 2013 في الدنمارك، وظهر في أحد البرامج التلفزيونية هناك ليثير الكثير من اللغط في المجتمع بقصة حياته وآرائه الإشكالية. وها هو ديوانه الذي حطّم جميع مقاييس المبيعات في الدنمارك ينتقل سريعاً من لغة إلى أخرى.

فبعد السويدية والألمانية، حط رحاله مؤخّراً في اللغة الهولندية (دار "ده بازيخه باي") ناقلاً معه الجدل حول صاحبه الشاب إلى داخل هولندا وبلجيكا.

لدى قراءتنا قصائد الديوان نلاحظ أن حسن لم يكتب إلا معاناته الشخصية كطفل تربّى في أحد غيتوهات اللاجئين العرب في الدنمارك، فيحكي عن أب يسوط أطفاله الصغار بالحزام حتى يبولون على أنفسهم، عن الإصلاحيات التي دخلها هرباً من عتمة الشوارع التي ألقي فيها، عن العالم السفلي والتفكك الأسري، عن فلسطين واحتلالها والإسلام ( تحديداً المجتمع الإسلامي في الدنمارك) وصوت فيروز، عن جيل والديه اللاجئين إلى الغرب الذي يعيش على المنح المالية المخصصة للعاطلين عن العمل بحسب تعبير حسن.

خلال الأسبوعين الماضيين لم تقصّر الصحف الهولندية والبلجيكية في تتبّع ديوان حسن. ففي العاشر من الشهر الماضي دُعي الشاعر الغاضب على جذوره إلى أمستردام ليوقع نسخ ديوانه الذي ترجم حديثاً إلى اللغة الهولندية. ومنذ هذا التاريخ لم تخلُ صحيفة أو ملحق أدبي سواء في هولندا أو بلجيكا من حوار معه أو قراءة في ديوانه.

وكما هو متوقع، اختلفت الآراء النقدية حول قيمة ما يقدّمه شاعرنا الشاب من شعر. فبينما رأى بعضهم فيه موهبة شعرية شابة تمتلك شجاعة التمرّد، رأى بعضٌ آخر أنّ نشأته وتربيته المشوّهتين هما سبب تمرّده وتشويهه صورة اللاجئين العرب في الغرب.

اللافت في قصائد حسن أنه يقرأها كما لو أنه يقرأ نصّاً دينياً. فثمة نغمة واحدة تطغى على قراءته، نغمة من يتلو شيئاً، بطريقة رتيبة ومملة، وهو ما يتعارض مع محتوى قصائده التي تتجلى فيها المأساة الحقيقية التي عاشها وهو طفل في أسرة كبيرة تعاني من الفقر، ويسيطر عليها أب متسلط وأم لا حول لها ولا قوة. وليس صدفةً أن يفتتح ديوانه بقصيدة عنوانها "طفولة"، تلخّص الحياة التي عاشها. وكأنه يقود القارئ من الصفحة الأولى إلى منبع المأساة:

"خمسة أطفال صغار يقفون في طابور
أمام أب يمسك بهراوة
بكاء جماعي، وبركة بول
نمد أيدينا إلى الأمام
ونحن نعرف ما ينتظرنا
هذا الصوت اللاسع عندما تنهال الضربات
أخت تقفز بسرعة مبدلة قدماً بأخرى
فيما يتدفق البول من بين ساقيها مثل شلال
تمد اليد الأولى ثم اليد الثانية
إن تأخرت
وقعت الضربات أينما اتفق
ضربة ثم صرخة
الضربة الثلاثون، الأربعون
الضربة الخمسون
والضربة الأخيرة على المؤخرة
في الطريق إلى الباب".

ثمَّة رغبة عارمة لدى الشاعر في إيصال حجم المأساة إلى القارئ عبر قصائد مباشرة، مجرّدة من أي تلاعب باللغة، متخلّصة من الرغبة في أن تكون شعراً أصلاً. فهو لا يقدّم نفسه باعتباره شاعراً يملك مشروعاً أدبياً يشتغل عليه، بقدر ما يقدّم نفسه ـ وجيله من الشباب المسلم المغترب في أوروبا ـ كضحية شُوِّهت عن عمد. وربما لهذا السبب لم يستمر في موسيقى الراب التي انخرط فيها منذ صباه، واتجه إلى الشعر الحر، غير المقيد بالقيود التي تقولب الكتابة في موسيقى الراب.

يكتب حسن قصائده بغضب حقيقي على أسرته ووالديه والظروف التي جعلته ينشأ في إصلاحيات تقويم الأحداث، فيحكي عن كل شيء، كيف أصبح سارقاً، وكيف اتجه إلى الغضب على سكان البلاد الأصليين. وربما تضعنا قصائد يحيى حسن الغاضبة في موقف لا نحسد عليه. إذ يعبّر بصدق عن جيل من المغتربين العرب الذين كبروا في أوروبا فوجدوا أنفسهم لا هم غربيون ولا هم عرب. وفي هذا السياق، ينجح في وضع إصبعه على جوهر أزمة الهوية الذي يعاني منه جيله في أوروبا، فيقول في ختام قصيدته المذكورة أعلاه:

"في المدرسة علينا ألا نتكلم العربية
في البيت علينا ألا نتكلم الدنماركية
ضربة بهراوة
ثم صرخة
ثم عدد".

أياً تكن الآراء ـ على اختلافها وتباينها ـ حول قصائد يحيى حسن، يمكننا أن نقول إن الشاب الذي يحيا الآن تحت حماية السلطات الدنماركية بعد عشرات التهديدات التي وصلته بالقتل من الجالية العربية في الدنمارك، قدّم للجميع شيئاً للتمسك به كظاهرة.

فالأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وليس في الدنمارك وحدها، اعتبرته مثالاً يجب أن يحتذى بين الشباب المسلم من اللاجئين العرب، بينما اعتبرته الأحزاب اليسارية دليلاً على فشل سياسة الإندماج التي تنتهجها العديد من الدول الغربية تجاه اللاجئين، مطالبةً الدول الغربية بتوزيع اللاجئين على بيوت وسط أحياء السكان الأصليين لإلغاء فكرة الغيتوهات التي أنشئت على أطراف المدن، وأخرجت اليوم أجيالاً من الشباب الذين ألجأتهم جملة من العوامل والظروف إلى السرقة وتجارة المخدرات والجريمة.

المساهمون