يا بيروت

10 اغسطس 2020
الصورة

على الرغم من هول الفاجعة الكبرى التي حلّت ببيروت، وكل ما لحق بشعب لبنان العظيم من مختلف الكوارث السياسية والاقتصادية والمالية والبيئية، إضافة إلى تحكّم عصابة من الفاسدين في مقدّرات البلد، وهم الموغلون فيه نهبا وإفقارا وتجويعا، غير أن الشعب اللبناني المنكوب على غير صعيد ما زال قادرا على تلقيننا دروس الحياة كما ينبغي لها أن تكون. منذ اللحظة الأولى لوقوع الانفجار الكبير الذي أتى على نصف بيروت وأحالها إلى أنقاض، نهض الشباب والصبايا سريعا من وقع الصدمة المدوية، متطوّعين لوجه الوطن المغدور في أمنه وأمانه، عاملين على إنقاذ أرواح عاثرة الحظ محتجزة تحت الركام، باذلين أقصى جهد ممكن في انتشال ضحايا المصادفة الذين وجدوا هناك في تلك اللحظة الرهيبة المروعة.
وفي اليوم التالي، انطلق هؤلاء الأبطال من جديد بهمةٍ عاليةٍ وإيمان عميق بجدوى الوطن، على الرغم من كل النوائب، ممتشقين مكانسهم ومعاولهم وعشقهم غير المشروط لمدينتهم/ أمهم الذبيحة ظلما وإثما وعدوانا، يداوون وجع قلب مدينتهم الجريحة المستباحة على مرأى من العالم، تدفعهم فورة دم غاضب مقهور، وهم من يعانون من إحساس كبير بظلم رموز السلطة، وبتعسّف هؤلاء واستهتارهم، وقد بدأوا في تبادل التهم والتنصل من المسؤولية، بإلقاء عبئها على الآخرين، ولم يفكّر أي بليد منهم في الاستقالة، كرمى لعيون الضحايا من الشهداء والجرحى والمدمّرة بيوتهم ومحالهم التجارية وكل ممتلكاتهم، ممن باتوا مشرّدين في غمضة عين، بل واصل أولئك المجرمون استخفافهم المشين بأرواح المواطنين التي لا تعني لهم شيئا، كما هو جلي، وهم يدركون جيدا أن الشعب غسل يديه منهم منذ زمن طويل، وهو يزدريهم ويمقتهم، ويحمّلهم المسؤولية الجنائية والإنسانية والأخلاقية كاملة غير منقوصة، غير أن الصلافة أعيت من يداويها، وبكل ما أوتوا من "بجاحة" وعنت ووقاحة، لا يتردّدون في الظهور على وسائل الإعلام في محاولة بائسة مكشوفة مفضوحة لترويج بضاعتهم المغشوشة من مصطلحات ومفردات جوفاء، فقدت قدرتها على الإبهار من فرط تكرارها في كل مناسبة.
ويبقى الرهان على أبناء هذا الجيل الواعي الشجاع وبناته، وقد ملأ منذ زمن ليس بعيدا ساحات بيروت، ولبنان برمته، في مظاهرات سلمية حضارية، تدعو إلى التخلص من عفن السلطة الباغية. من في وسعه أن ينسى مشهد الممرّضة، باميلا زينون، التي احتضنت التوائم الثلاثة حديثي الولادة، معرّضة حياتها للخطر، كي يظلوا على قيد الحياة. سألها صحافي: لماذا لم تحاولي النجاة بنفسك؟ ردت بعفوية: لأني لا أستطيع أن أتركهم، أقسمت اليمين على ذلك حين تخرّجي، ولن أحنث في يميني تحت أي ظرف... وفي سردها تفاصيل إنقاذها لهم قالت: حضنتهم ووضعتهم في قلبي، ضممتهم إلى صدري، وحرصت على أن تبقى وجوههم ناحيتي، كي لا تتلوث ذاكرتهم بمشاهد الدمار الكارثية، لأني خشيت عليهم من صدمات نفسية مقبلة..
أي روح عالية شجاعة هذه؟! أي ضمير حي هذا. عبرت هذه الشابة البطلة عن مستوى أخلاقي وإنساني رفيع لجيل مسؤول واع منتم، يستحق فرصةً حقيقةً لإعادة بناء وطنه، حرّا كريما، متخففا من قبضة المافيات التي تاجرت بأوجاعه ومعاناته طويلا. تكررت، بطبيعة الحال، حكايات شجاعة وبطولة وإيثار وتضامن في مختلف أنحاء لبنان، كما عبر الشرفاء في العالم العربي، وفي كل أرجاء الدنيا، عن الحزن لمصاب لبنان الكبير.
نتمنّى من كل قلوبنا المتوجعة على حبيبتنا، ست الدنيا بيروت، كما سمّاها نزار قباني، ذات قصيدة، السلام والصمود والتعالي على الجراح، والشفاء العاجل للجرحى، والرحمة لأرواح الشهداء. ونحن على يقين أن بيروتنا ستنبثق من رمادها كعنقاء فتية صاخبة الجمال، عنيدة عصية على الفناء.