وقفة مع محمد حصحاص

16 يونيو 2020
الصورة
(محمد حصحاص)
+ الخط -
تقف هذه الزاوية، مع كاتب عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "نحتاج إلى توزيع ثروة العالم بشكل عادل. العالم كما هو الآن صعب وغير رحيم وغير إنساني"، يقول الباحث المغربي.


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟
- ونحن ما نزال في زمن جائحة فيروس "كوفيد - 19"، يشغلني أمران: مستقبل الإنسانية جمعاء، ومستقبل العالم العربي بالتخصيص. أمّا الأمر الأول، فإنني أرى أن العالم أصبح مجبراً على ولوج العالم الرقمي والتواصل عبر الإنترنت كما نتعامل مع الهاتف النقّال، بل أكثر. لقد جرّب العالم أجمع حقيقةَ أنه يُمكن لمجالات عملية كثيرة أن تُسيَّر أو تُنجَز من المنزل، عبر الإنترنت، وهذا شيء جميل طبعاً، فهو يكسبنا الوقت.

لكن الأمر قد يكون أخطر من ذلك، ففيه قفز على الإنسان وحريته والعلاقات الإنسانية وقيمها. انظُر مثلاً إلى مجال التعليم الابتدائي والجامعي: هل يمكن الاكتفاء بالتعلّم عن بعد؟ أين قيم التواصل والتآخي والتراحم والنقد العلمي المباشر في حالة الاكتفاء بالتدريس عن بعد؟ هل يمكن لهذا النموذج أن يصنع إنساناً أفضل في المستقبل؟ ألن تتحكّم الخوارزميات في التشويش على اختيارات الإنسان؟ أين مستقبل الديمقراطية والحرية في زمن اللاحرية في الاختيار؟ هل يستطيع العالم غير المتقدّم مواكبة الركب أم لا؟ هل عالم ما بعد كورونا أكثر رأسمالية ووحشية وأقلّ أماناً؟ غالب الظن أنه كذلك!

أمّا الأمر الثاني، فهو مكان العالم العربي، والقضية الفلسطينية في أوّل القائمة، من هذه التغيّرات التي ستقع. هل سيستفيد العالم العربي خلال عصر التكنولوجيا الخارق لردم الهوة بينه وبين العالم المتقدّم؟ هل يستطيع أن يطوّر قطاع خدمات عالي المستوى ليدخل المستقبل بأمانٍ نسبياً، أم أنّ الهوّة غير قابلة للردم لأنَّ البنية التحتية التقليدية واجبة لا يمكن القفز عليها؟ ما مستقبل الأمن القومي في زمن الحروب التكنولوجية؟ ما مستقبل الحرية والعدالة الاجتماعية في زمن تحكم الدولة في دواليب خطوط الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعية؟ وهل يستطيع العربي رفع منسوبه الفكري في هذا الزمن الرقمي أم أنه سيصبح أكثر كسلاً واستهلاكاً من ذي قبل؟


■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
- آخر عمل صدر لي سنة 2019 بعنوان "فكرة الإسلام الأوروبي"، وهو بحث استمرّ لما يقرب من عقد من الزمن، يبحث التأويلات الدينية والفكرية لمعنى الإسلام في السياق الأوروبي، وفي حوار مع الحداثة الأوروبية وفلسفتها السياسية المعاصرة. يرمي الكتاب إلى المساهمة في الدراسات الأوروبية للإسلام من منظور فلسفي نظري بدل الاكتفاء بما هو رائج من أعمال سوسيولوجية وأنثروبولوجية وعلوم سياسية فقط.

كتابي القادم عمل مشترك يقدّم بنظرة نقدية ملامح من فلسفة الأخلاق عند الفيلسوف المغربي المعاصر طه عبد الرحمان، ليكون أول عمل باللغتين العربية والإنكليزية حول الموضوع. سيصدر خلال تشرين الأول/ أكتوبر 2020 عن "دار بريل للنشر".


■ هل أنت راض عن إنتاجك ولماذا؟
- إذا أخذنا عامل السن، والظروف التي واجهتُها في مشواري الدراسي، لا يمكن إلّا أن أكون راضياً عمّا اجتهدت فيه لحد الآن. لكن هذا لا يكفي طبعاً. فعالم البحث فسيح يحسّ فيه الإنسان بالصغر دائماً. أن تكون راضياً لا يعني أن تكون قانعاً. أنا راضٍ ولستُ قانعاً. كما أتمنّى أن أجد الوقت لقراءة أعمال أدبية- فكرية أود الرجوع إليها أو الاطلاع عليها أوّل مرّة.


■ لو قُيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟
- لو عدت إلى الخلفِ لاخترت المسار نفسه، ولبدأتُ بالدراسات الفلسفية منذ الصغر، وأتبعتها بالدراسات الأدبية بعده، وليس العكس، كما حصل معي، ليس لأن الأدب ليس فلسفةً وحاملاً للفلسفة في حدّ ذاته، بل فقط لأن ذلك قد يكون أضاع منّي وقتاً في قراءات غير موجّهة كنتُ في غنى عنها، وأنا أفكّر فيها استرجاعاً الآن. ينقصنا التوجيه في التعليم بالعالم العربي، ونخسر طاقات كثيرة في غيابها. اهتمامي بالفكر شيء ربما أنا متأثّر به ومتعطّش له نظراً لما يمرّ به الفكر العربي من نقد ونقض من قبل الكثيرين.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟


- أودّ أن أرى العالم، الذي تقوده القوى الكبرى والغرب بالتخصيص، أكثر عدلاً ورحمةً. نحتاج إلى توزيع ثروة العالم بشكل عادل. ونحتاج للرحمة كقيمة لفعل ذلك. العالم كما هو الآن صعب، وغير رحيم، وغير إنساني. والغرب مسؤول أخلاقيا عن الكثير من مشاكل العالم، ولكن ليس وحده طبعا. إنني أرى القضية الفلسطينية كبارومتر لعدل الدول الكبرى من عدمه، وهذا ليس قولي، بل قول الكثيرين ومن أبرزهم نيلسون مانديلا. ما لم تُحل القضية بشكل يحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني والعربي إجمالاً، فذلك دليل مستمرّ على غطرسة الغرب والقوى الصاعدة الإقليمية والدولية الأخرى.


■ شخصية من الماضي تود لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
- أود لقاء ابن خلدون، ربما لأنه اشتغل في القضاء، أي في الفضاء العام، ومرّ بظروف سياسية صعبة، وبظروف عائلية قاسية (فقده لعائلته)، واعتكافه للكتابة عن التاريخ وتبدّل الدول والمجتمعات (في الغرب الإسلامي). ربما لأنني من المغرب العربي فإنني أحس بقربي منه وجدانياً أيضاً. وربما لأنني كنت قد قرأت خلال الأشهر الماضية إحدى الروايات التاريخية حوله، أقصد "العلّامة" للكاتب بنسالم حمّيش.


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟
- هناك كتب عدّة أعود إلى أجزاء منها من حين لآخر، ولكن يمكن أن أشير إلى عمل غير رئيسي لجلال الدين الرومي، أي "فيه ما فيه"، وهو كتاب مواعظ أساساً، وأعجبتني بعض جُمَلِه هنا وهناك، بحمولتها الروحية. ممّا أستشهد به للرومي باستمرار قوله في مقام مختلف عن هذا الكتاب: "كُن كالثلج، اغسل نفسك بنفسك". درسٌ في النقد الذاتي!


■ ماذا تقرأ الآن؟
- وجدتُني أعيد قراءة كتاب "النقد الذاتي" للإصلاحي المغربي علال الفاسي (1910 - 1974)، صدر سنة 1954، وهو موجّه ليس فقط للمغاربة والمغاربيين قبل استقلالهم من الاستعمار، بل لكلّ المهتمّين بالتغيير في العالم العربي والإسلامي. إنه كتاب قويّ يحتاج الجيل الجديد إلى مراجعته.


■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
- اسمحوا لي أن أرُدَ بغيرِ جواب واحدٍ. حياة الإنسان مقامات، وقد تستمع في اليوم نفسه لأصناف مختلفة من الموسيقى، وأحيانا تمرّ أيام دون سماع أي شيء. الهدوء من الموسيقى. أنتمي إلى الجيل الذي يسبقني زمنياً، وللغربة الفعلية والوجدانية كذلك فعلها فيَّ، لذلك فغالباً ما أستمع إلى الفرقة المغربية "ناس الغيوان" التي ترجع إلى سبعينيات القرن الماضي وما تزال قائمة كفرقة لحد الآن، وقد غنّت حول القضايا الشعبية المغربية وللقضية الفلسطينية. ومن روافدها الطقوس الصوفية، كما يقول عمر السيّد؛ أحد مؤسّسيها. أستمع بعشق لأغنية "الصينية" و"ما همّوني غير الرجال إيلا ضاعوا".

كما أستمتع بـ "رقصة الفرس" للعراقي نصير شمّة، فرع موسيقى العود، "نوستالجيا" لليوناني ياني، فرع البيانو، و"الراعي الوحيد" لـ جيمس لاست، فرع موسيقى الناي، للروماني جورجي زمفير. أمّا محمود درويش فهو رفيقي خلال القهوة الصباحية ليوم الأحد تقريباً بشكل أسبوعي. ولكلماته رفقة عود مارسيل خليفة نكهة أخرى.


بطاقة
باحثٌ مغربي من مواليد 1984 بقرية مستكمار في إقليم تاوريرت، شمال شرق المغرب. وهو باحث في مركز "لابيرا" لدراسة تاريخ وعلوم الإسلام بباليرمو في جزيرة صقلية جنوب إيطاليا، وأستاذ زائر بجامعة لويس الدولية في روما.

حصل على الماجستير في الدراسات الإنكليزية من جامعة محمد الأول في وجدة سنة 2008، وماجستير في الدراسات الأوروبية من جامعة لويس الدولية في روما سنة 2010، ودكتوراه في النظرية السياسية من الجامعة نفسها سنة 2013 بأطروحة في موضوع الإسلام الأوروبي. اشتغل باحثاً زائراً بجامعة كوبنهاغن، وجامعة تيلبورغ بهولندا، وجامعة أكسفورد بمركز الدراسات الإسلامية، وبمركز دراسات الشرق الأوسط ببرلين.

من كتبه، وجميعها بالإنكليزية: "فكرة الإسلام الأوروبي" (2019)، و"الجيوشعرية التثاقفية" (2017). ومن كتبه الجماعية التي أشرف عليها: "الإسلام، الدولة، والحداثة: محمد عابد الجابري ومستقبل العالم العربي" (2018)، و"الأئمة في أوروبا الغربية" (2018). وله قيد الإصدار: "الأخلاق الإسلامية ونسق الائتمانية: فلسفة طه عبد الرحمن - دراسات مقارنة"، و"التعددية في السياقات الإسلامية". وله مجموعة شعرية بعنوان "الخيمة التي كانت" بالعربية والإنكليزية نُشِرت منها مقتطفات فقط، بالإضافة إلى مقالات علمية في مجلّات محكمة وفصول كتب تزيد عن العشرين. كما ينشر مقالات رأي حول الفكر والمجتمع باللغتين الإنكليزية والعربية في وسائل إعلام أوروبية وعربية منذ 2010.

دلالات

المساهمون