وجدي معوّض: سؤال اللغة الأم

02 ابريل 2015
من أحد عروض "أختان" (تصوير: باسكال جيلي)
+ الخط -

من تأمّله، في أحد الأيام، لأخته نائلة وهي تكوي ملابس والدهما، انبثقت داخل المخرج والكاتب المسرحي اللبناني وجدي معوّض (1968) فكرة نصّه المسرحي الأخير "أختان"، الذي صدر حديثاً عن دار "أكت سود" الباريسية.

في ذلك اليوم، كان معوّض جالساً في منزل نائلة، في مونتريال، قرب والده، حين بدأ يفكّر بحياة هذه الأخت وتضحياتها وأحلامها وأسرارها، وبعدم تمتّعها يوماً بالحد الأدنى من الخصوصية، لتقاسمها معه ومع أخيه غرفتهم في المنزل العائلي، في بيروت، ثم لاستضافة والدها في منزلها الصغير في مونتريال.

في خضمّ تأمّله هذا، بدت له الأخت فجأةً أكثر قوةً وأهميةً من سائر أفراد عائلتهما، وندم على إلقائه تلك النظرة المشفِقة عليها، ما إن تجلّى له البُعد الرمزي لعملية الكَي التي طالما اضطلعت بها من دون تذمّر، بموازاة عملها خارج المنزل كوكيلة تأمين.

فبِكَيّ ملابس والدها، كانت نائلة في الواقع تحاول محو تغضّنات عائلةٍ علكتها الحروب والمنفى والصمت. وبالتالي، لم تستسلم للمأساة، بل قاومتها بأملٍ كبير، وإن حمل هذا الأمل طابعاً "سيزيفياً"، لأن التغضّنات ستتشكّل من جديد ولا بد من إعادة كيّها غداً. انبثقت "أختان" إذاً من فهم معوّض فجأةً لدور أخته داخل العائلة؛ دور يقوم على تمليس قصة هذه العائلة والمحافظة على وحدتها.

هذا بالنسبة إلى المحرّكات التي دفعت صاحب رباعية "دم الوعود" إلى كتابة نصه، لكن ماذا عن النص نفسه؟ مثلما اعتدنا في أعماله المسرحية السابقة التي تبدو على شكل "مُربِكة" (puzzle)، وبالتالي لا بد من تجميع كل قِطَعها كي تتجلى أمامنا الصورة الغامضة المخفية فيها؛ يطرح معوّض في هذا العمل الجديد سؤال الهوية والموقف من الأصول الذي طالما سعى خلفه.

نصٌّ متعدّد الأصوات، تؤدّيه شخصية نسائية واحدة، وينخرط ضمن خماسية مسرحية جديدة بدأها معوّض مع نص "وحيدون" عام 2008، وسيُتبعها بنصوص لاحقة تحمل العناوين التالية: "إخوة" و"أب" و"أم". خماسية تشكّل محاولة لرسم خارطة عائلية توقِّعها اعترافات متبادلة وخطوط متشابكة من القصص والوقائع الشخصية والتاريخية.

تنطلق مسرحية "أختان" بمشهد نتعرّف فيه إلى امرأة خمسينية كندية تدعى جنفييف بيرجورون وتقود سيارتها بصمتٍ وألم لدى إصغائها إلى صوت المغنية جينيت رينو وهي تنشِد "المهم هو أن نعرف الحب". فرغم كونها محامية لامعة نذرت نفسها للعمل كوسيطة في مجال حل الصراعات الدولية؛ إلا أن سنوات شبابها مرّت من دون أن تستكشف أيّاً من رغباتها.

وها هي الآن تفكّر بوجه أمها الهزيل، بوالدها المتوفى الذي أُجبر مع زوجته على تعلّم الإنجليزية والتخلّي عن لغتهما الأم، الفرنسية، بقرار رسمي فُرض على أبناء مقاطعة مانيتوبا التي وُلدا فيها. وبسبب عاصفة ثلجية، تضطر جنفييف إلى التوقف ليلاً للنوم في فندق عصري في أوتاوا. وبما أن اللغة الوحيدة المستخدمة في الفندق هي الإنجليزية، تنتابها نوبة عصبية تقوم إثرها بتدمير أثات غرفتها، قبل أن ترتمي على السرير وتستسلم للنوم.

إلى هذا الحد من النص، لا شيء يُنذِر بظهور امرأةً أخرى يمكن للقارئ أن يقرّبها من أخت معوّض. لكن في صباح اليوم التالي، حين يكتشف أصحاب الفندق حال الغرفة التي تنام جنفييف فيها، سيحصل هذا الظهور، أو بالأحرى هذا التصادم الذي سيكشف كيف تتحوّل امرأتين في السن ذاتها، لكن من عالمين مختلفين، إلى "وعاء" لعنف التاريخ وأحداثه الكبرى، وأيضاً كيف ستتمكنان بالحميمية التي ستنشأ بينهما من معاندة قسوة الزمن.

فلدى وصول وكيلة التأمين ليلى، ذات الأصول اللبنانية، لإجراء كشف بالخراب الذي حل بالغرفة، تكتشف أن جنفييف هي في الواقع أخت لها، بعد أن تتقاسما منفاهما الداخلي والخارجي، وأحلامهما التي خنقتها رياحٌ معاكسة في كندا ولبنان.

لدى قراءتنا نص "أختان"، ينتابنا شعورٌ بعدم الاكتمال. لكأن الكلمات والجُمَل والعبارات تحضر لتغذية التأملات التي تُنسج في أرجائه تدريجياً، ولكن خصوصاً لتغذية الصمت الذي يؤدّي دوراً رئيسياً في المسرحية. فأبعد من الكلمات التي نقرأها ونسمعها، تُشبع المناخات الصامتة، والمدلّل عليها كثيراً في النص، ذهننا؛ مناخات على شكل أصداء مكتومة لماضٍ ما برح معوّض يعود إليه لمساءلته واستكشافه واستخلاص العِبَر من أحداثه.

وفي هذا النص، وعبر شخصية جنفييف، يقارب موضوع اللغة الأم والهوية العميقة التي تمنحها لنا، والجروح والإهانة التي نختبرها حين لا يعود بإمكاننا التحاور بها بحرية. كما يقارب، عبر شخصية ليلى، التهميش الذي تتعرض له المرأة، رغم الدور المركزي الذي تؤدّيه على المستوى العائلي؛ دور يقوم على إبقاء اللحمة بين أفراد العائلة والسهر على وحدتها وحراسة ذاكرتها المصدّعة.

نصٌّ هو إذاً عبارة عن مزيج من اليومي والسيرة الشخصية، يختلط الحميمي فيه بأحداث التاريخ الكبرى فيوفّر قراءةً عميقة لها، وتعبر المسارات الفردية حدود عالمٍ حديث يفقد كل يوم قليلاً من إنسانيته.

المساهمون