هل ينجح محمد بن سلمان بحماية سعود القحطاني؟

11 ابريل 2019
الصورة
لا يزال بن سلمان يتصل بالقحطاني طلباً للمشورة (Getty)
"أظن أنهم استبعدوا صاحب الرقم 17، MBS (ولي العهد السعودي محمد بن سلمان)"، بهذه الكلمات اختار السناتور الأميركي، ليندسي غراهام، التعليق على إعلان وزارة الخارجية الأميركية عن قائمة بأسماء 16 شخصاً لهم علاقة بجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية المملكة في إسطنبول في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مانعة إياهم مع عائلاتهم من دخول الولايات المتحدة، ومؤكدة أنهم سيتعرضون لعقوبات مالية وتجميد أرصدة.

وتصدّر سعود القحطاني، المستشار السابق في الديوان الملكي وذراع ولي العهد السعودي، القائمة الأميركية، إلى جانب العقيد ماهر مطرب الذي يُعتقد أنه المتهم الرئيس في تقطيع جثة خاشقجي وإخفائها في إسطنبول.

وتعيد القائمة التساؤل حول ما إذا كان بن سلمان سيستمر في حماية القحطاني من جهة والاعتماد عليه في عدد من الملفات الأمنية والإعلامية من جهة ثانية، على الرغم من أن الأخير كان قد "أعفي" من منصبه كمستشار في الديوان الملكي، بأمر من العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، بعد أن قدم له المسؤولون الأتراك أدلة على ثبوت تورطه في جريمة قتل خاشقجي.

وتذهب بعض الآراء إلى أنّ بن سلمان لن يتخلى عن حماية القحطاني لأسباب عدة؛ أولها استمرار تمتع ولي العهد بغطاء من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تباحث معه هاتفياً، ليل الثلاثاء الأربعاء، بعد يوم فقط من صدور القائمة. وحرص بيان البيت الأبيض، عقب الاتصال، على الإشارة إلى أنّ "المحادثات كانت بناءة"، وناقشت "الدور الحاسم للسعودية في ضمان استقرار الشرق الأوسط، والحفاظ على أقصى قدر من الضغط ضد إيران، وأهمية قضايا حقوق الإنسان".
ولم يرد في البيان أي تفاصيل إضافية، وما إذا كان ترامب تطرق في حديثه مع بن سلمان إلى قضية خاشقجي والمتهمين بقتله، أو الناشطين والناشطات الذين تواصل الرياض اعتقالهم وبينهم من يحملون الجنسية الأميركية. مع العلم أن صحيفة "واشنطن بوست" سبق أن وصفت موقف الرئيس الأميركي بأنّه "ضعيف وجبان" تجاه ممارسات ولي العهد السعودي.

وما يعزز الاعتقاد بأن بن سلمان سيواصل التمسّك بالقحطاني، حقيقة أنّ الاستغناء عنه في هذه المرحلة، يعني التخلّي عن شخص مهم ساهم في صعود ولي العهد، وخطط له أمنياً وإعلامياً. يضاف إلى ذلك أن هذه الخطوة يمكن أن تزعزع صورة بن سلمان التي يحاول رسمها عن نفسه، بكونه الزعيم الذي لا يستجيب للضغوط الخارجية على عكس من سبقه من الأمراء السعوديين، بل يحاول المناورة، كما فعل في قضية الناشطات النسويات اللاتي وعد بالإفراج عنهن، لكنه لم يطلق سراح سوى ثلاث منهن فقط، مع استمرار محاكمتهن.

في المقابل، يذهب آخرون إلى القول إنّ دعم ترامب، لن يكون كافياً حتى يواصل بن سلمان تجاهل الضغوط المتعلقة بجريمة خاشقجي، لا سيما أن كبار أعضاء الكونغرس، سواء من الجمهوريين أو الديمقراطيين، يصرّون على ضرورة محاسبة المتورطين فيها.
كما أنّ الدعوات تتوالى لتحقيق دولي في القضية، وآخرها مطالبة منظمة العفو الدولية بإجراء تحقيق أممي مستقل. واعتبر مسؤول المناصرة في المنظمة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيليب ناصيف، في بيان، رداً على القائمة التي أصدرتها الخارجية الأميركية، أنه إذا كانت واشنطن جادة في سعيها للمساءلة في قضية مقتل خاشقجي، فإنه "يتعين على وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أن يدعو ويدعم إجراء تحقيق مستقلّ بقيادة الأمم المتحدة".

وأضاف ناصيف "للأسف، الاستعداد التاريخي لإدارة ترامب للتغاضي عن انتهاكات الحكومة السعودية لحقوق الإنسان يجعل من تحقيق الأمم المتحدة المحايد الأمل الوحيد للحصول على الحقيقة الكاملة حول ما حدث لخاشقجي، وإبلاغ المسؤولين السعوديين بأنهم لن يفلتوا من المساءلة عن هذه الجريمة".

وبالتالي، بات واضحاً أنّ هناك ثمناً سيدفعه بن سلمان في حال استمراره بحماية المتورطين في الجريمة بمن فيهم القحطاني، خصوصاً مع السجل السيئ للأخير في مجال حقوق الإنسان، وتورطه في الإشراف على تعذيب المعتقلين والمعتقلات، وتهديده باغتصاب الناشطة لجين الهذلول وقتلها، بحسب ما أفادت عائلتها.

ولم يمثل القحطاني أمام المحكمة السعودية المختصة بمحاكمة قتلة خاشقجي والتي عقدت أربع مرات في جلسات سرية غابت عنها الصحافة، بحسب وكالة "رويترز". كما أنه لم يكن من بين المتهمين الـ11 الذين تحاكمهم السلطات السعودية، وطالبت النيابة بإعدام خمسة منهم.

ولا يزال القحطاني يمارس مهامه الأمنية والإعلامية بعيداً عن مقر الديوان الملكي السعودي، إذ تم تجهيز منزل خاص له مزود بأحدث التقنيات للعودة لعمله بشكل خفي، بحسب ما تؤكد  مصادر تواصلت معها "العربي الجديد". مع العلم أن وكالة رويترز سبق أن ذكرت أنه يراسل مجموعة من الصحافيين والإعلاميين ويوجههم للكتابة في عدد من المواضيع، رغم انسحابه من مجموعات "الواتساب" التي كان قد أنشأها لإصدار الأوامر للإعلاميين بشكل مباشر.

ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" في مطلع شهر فبراير/شباط الماضي عن مسؤول سعودي قوله، إنّ ولي العهد لا يزال يتصل بالقحطاني طلباً للمشورة، وأنه لا يزال يصفه بمستشاره.

كما أوردت الصحيفة نفسها، نقلاً عن مصدر وصفته بالرفيع في الخارجية الأميركية، قوله إنه لم ترد شواهد تؤكد أنّ القحطاني مقيد في أنشطته، وأنه شوهد في العاصمة الإماراتية أبو ظبي رغم حظر السفر المفروض ضده.

وسبق أن قال مصدر مقرّب من الأسرة الحاكمة السعودية، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ القحطاني حصل على تطمينات من بن سلمان بأنه لن يتعرّض لأي عقوبة، وأنّ "القص" سيكون من نصيب الآخرين، في إشارة لعقوبة الإعدام بقطع الرأس التي تنفذها السعودية. وهي دلالة واضحة على أنّ النظام السعودي سيضحّي ببعض الأشخاص في سبيل الحفاظ على الأسماء المهمة لديه، والتي يشكّل القحطاني أبرزها.

وبحسب المصدر، الذي سبق له أن عمل تحت إمرة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، فإنّ القحطاني بات يتنقّل بسيارة واحدة فقط، بعد أن كان يتنقّل بموكب صغير. كما أنّ مظاهر الأبهة (العظمة) اختفت، وصارت دائرته مغلقة ومحدودة، وقلّصت بعض صلاحياته. لكن بالمجمل، فإنه لا يزال يمارس عمله ويشرف على الإعلام والأمن.

ويقول معارضون سعوديون إنّ حملة الاعتقالات الأخيرة التي شنّتها السلطات قبل أيام بحق ناشطين ونسويين، والذين كان من بينهم صلاح الحيدر، نجل الناشطة النسوية المفرج عنها عزيزة اليوسف، قد تمت بإشراف سعود القحطاني وتدبيره، وأنّ العملية بأكملها كانت تحمل بصماته الأمنية.

وكان القحطاني قد انتقل من كونه موظفاً يعمل تحت إمرة خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي إبان عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، إلى رئيس فعلي للديوان الملكي، بعد تحالفه مع محمد بن سلمان ورسمه طريق الصعود نحو السلطة وإشرافه على عدد من العمليات الأمنية، أبرزها حملة الاعتقالات العنيفة ضدّ تيار "الصحوة" في سبتمبر/أيلول عام 2017، ومن ثمّ حملة الاعتقالات ضدّ رجال الأسرة الحاكمة من الأمراء ومئات رجال الأعمال، والتي عرفت بحملة "ريتز كارلتون". وأشرف القحطاني بنفسه على عمليات تعذيب الأمراء ورجال الأعمال هناك.