هل يسبب "كورونا" العنصرية؟

07 فبراير 2020
الصورة
غالباً ما ارتبطت العنصرية بعداوةٍ يفرزها أهل الشمال نحو الجنوب، إلا أن عنصرية الغرب تجاه الشرق بدت الأبرز في مناقشات الباحثين في العرقية والعنصرية، بين أدواتها وأسبابها. وبالإضافة إلى هؤلاء، لما كان العنصريون ينتمون إلى العرق الأبيض، مثلاً لا حصراً، فمردّ هذا إلى نتاج ثقافي يدّعي الفوقية والاستعلاء الأبيض فوق أي عرق آخر، حتى وإن كان أبيض بدرجة أقلّ. وبالنتيجة، لم تعد ثنائية "أبيض - أسود" المعيار أو القول الوحيد للعنصرية في العالم، بفعل الاختلاط وزيادة "الوعي العنصري"، ومقارنة الذات بكل من هو آخر، فقد عمل خطاب الاستعلاء الأبيض على إنتاج ألوان جديدة لأعراق (كالعرقين الأصفر والبني) لدعم سردية التميز والفوقية التي أسندها النخبة "البيض" إليهم. وبالمحصلة، ذهبوا إلى تقسيم الجغرافيا بحسب هذه الألوان، ليكون البني من نصيب الأستراليين، والأصفر من نصيب أهل الصين واليابان وبعض مناطق آسيا الشرقية. ولا حاجة لأيٍّ من الأزمات أن تنشأ ليفكّر البيض، أو الغرب بالمجمل، بخطاب كراهيةٍ أو عنصرية ضد الآخر. الأمر الذي يسبب توتراً وهلعاً على مستوى العلاقات الشخصية والمجتمعية، وينشئ حالةً من التحيز ضد أيّ ممن ينتمون إلى هذه المناطق. 
أخيرا، وبعد تفشّي مرض كورونا في مقاطعة ووهان الصينية ومدن صينية أخرى، طفت 
العنصرية بشكل ملحوظ على سطح العلاقات المجتمعية، على مستوى العالم، مع من ينتمون إلى بلدان آسيا الشرقية، وتحديداً الصين. إلا أن أوروبا حملت، بحكم طبيعة بلدانها وتركيزها على العرق محدِّدا للتعامل، النصيبَ الأكبر من هذا التفاعل، بعد ظهور أزمة مرض فيروس كورونا الذي عصف بالصين منذ نحو شهر. وقد تحوّل تفشيه إلى رُهاب جماعي، إلى درجة أن التنميط دفع أذهان الأوروبيين إلى إطلاق صفارات إنذار حال رؤية أي آسيوي في أي من نقاط التجمع أو أي وسيلة نقل. وقد اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي في فرنسا وألمانيا وهولندا بحملات التحذير من التعامل مع أيّ من الآسيويين، وأطلقوا وسماً (هاشتاغ) تحت اسم "الإنذار الأصفر"، الأمر الذي زاد من مستوى خطورة هذا المرض، على اعتبار أن أيقونة هذا الإنذار لطالما ارتبطت بخطرٍ من مستوى التلوث الإشعاعي.
تاريخياً، تم تداول هذا المصطلح بعد زيادة أعداد المهاجرين الصينيين إلى أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين، في إشارة عنصرية واضحة إلى "العرق الأصفر". وبعدها، زادت نسبة إقصاء الصينيين والعداوة تجاههم لتصل ذروتها، منذ أسبوعين، تحت أثر مرض كورونا. وسادت حالة من التنمّر الإلكتروني على الصينيين، وحتى الأوروبيين من أصول صينية. وكانت الشرارة دعوات، عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى الصينيين بالكفّ عن أكل الحيوانات البرّية والخفافيش وغيرها. وإذا كانت تلك هي الحقيقة في الصين أنهم يتناولون مثل هذه الأطعمة، فمن الادعاء عبثاً، ومن دون الاستناد إلى دليل، ربط فيروس كورونا بحساء الخفافيش، وهو ما ذهبت الحكومة الصينية إلى صلة هذه الأطعمة بالمرض.
ولم تكتفِ الصفحات الالكترونية وحسابات تويتر وفيسبوك الفردية بتداول هذا الوسم، لينتقل إلى
أرض الواقع في النظر إلى أي من الصينيين على أنهم "فيروس كورونا متنقل". وانعكس هذا في مقالات صحفية، أبرزها في صحيفة كورييه بيكارد (Courrier Picard) الفرنسية، فقد نشرت مقالاً بعنوان "إنذار أصفر"، فيه صورة لسيدة صينية ترتدي كمامة. وبالإضافة إلى هذه المقالات وغيرها، باتت ملحوظةً معاناة الصينيين، خصوصا في كندا ونيوزيلاندا، جرّاء حالات التنمّر والإساءة اللفظية نحو الأطفال، وحتى البالغين، في المدارس وأماكن العمل، الأمر الذي استلزم اتخاذ خطواتٍ تضع حداً لهذه الإساءات، ريثما تتكشف حقيقة الفيروس وأسبابه. وإن كان اليمين المتطرّف في ألمانيا قد غذّى أنصاره بجرعات العنصرية تجاه اللاجئين، فإن هذه الجرعات بدت قويةً لتصل باليمينيين إلى معاداة أي أجنبي وإهانته، لاجئاً أم لا. إذ أن امرأتين من أنصار اليمين المتطرّف قد تعرضتا لشابّة صينية تبلغ 23 عاما، في إحدى ضواحي برلين، بالبصق وبألفاظ عنصرية قبل أن يشبعانها ضرباً، ليتم نقلها إلى المشفى. ولم تكن هذه الحالة الوحيدة، فأنصار اليمين المتطرّف يتربصون بأي حادثة قد يتخذونها ذريعة لأذية الأجانب. ولم يكن أمام الصينيين حاليا سوى أن يكسروا هذه النمطية، فأطلقوا حملاتٍ إلكترونية واسعة تحت وسم "أنا لست فيروساً"، للتعبير عن استيائهم من جهة. ومن جهة أخرى، تخفيف أثقال التنمر والنكات والتعليقات والحملات العنصرية المعادية للصينيين، إلكترونياً أو واقعياً.
وإن كان بعضهم قد ربط وباء كورونا بأحداث خيالية لفيلم "عدوى (Contagion)، الأميركي الإنتاج، فإنه ليس علينا أن ننسى أن ترويج فكرة الفيلم الهوليوودية يصبّ في خانة التعميم المقصود لحالة هلع وعنصريةٍ لا تخفى مقاصدها السياسية والاقتصادية على أيٍّ من متابعي معركة أميركا مع الصين. وإن كنا لسنا في وارد نظرية المؤامرة وتبعاتها، إلا أن فكرة عزل الصين وأبنائها ما تزال قيد التنفيذ، من خلال حالة العنصرية على مستوى الأفراد والجماعات، على الأقل، في أماكن وجود الصينيين، واستغلال قيادات في أوروبا وأميركا حالة الهلع أصل العنصرية والاستعلاء الأبيض.
تعليق: