هل لمبادرات عقد "مؤتمر وطني سوري" فرصة للنجاح؟

03 فبراير 2020
الصورة
شاع تعبير "المؤتمر الوطني السوري" عند كثيرين، خلال السنوات الماضية، وعاد اليوم إلى الظهور بوجود مبادرات متعدِّدة من جهات متنوعة لعقده. وعلى الرغم من أنه ليس من حق أي فرد أو جهة التشكيك في نيات الساعين له، ولا بدّ من الإقرار بنياتهم الإيجابية، إلا أن من حق الجميع وواجبهم إبداء رأيهم بالمبادرات هذه، من حيث كفايتها وكفاءتها لإنجاحه، بل والتعبير عن الخوف من أنها قد تؤدي إلى تراكيب سياسية جديدة، هشّة وضعيفة ومعيقة، وتزيد الطين بلة. لذلك تركز المطالعة التالية، بصورة أساسية، على شروط عقد "مؤتمر وطني سوري" ناجح مستقبلًا.
في المفهوم ودلالاته ومتطلباته
تُضاف عادة إلى تعبير "المؤتمر الوطني السوري" كلمة أخرى في نهايته، طمعًا في مزيدٍ من التوصيف، أو "تكبير الحجر"، مثل كلمة "العام" أو "الشامل" أو "الجامع"، وهي مفرداتٌ لا تضيف شيئًا، لأنها لا تختلف عن مفردة "الوطني" الواردة أصلًا في المصطلح نفسه، فليس من معنى لمفردة "الوطنية" إلا العمومية أو الشمولية، إلا إذا كان المبادرون يستخدمون كلمة "الوطنية" في السياق هذا بمعنىً أخلاقي مضاد لكلمة "العمالة"، وهذا خطأ كبير.
من المهم الإشارة إلى أن تعبير "المؤتمر الوطني السوري" يعني أن المؤتمر معنيٌّ بأغلبية السوريين في الحد الأدنى، فهو للسوريين كلهم، وليس لأهل الثورة فحسب. وينبغي في الدعوة إليه التصريح بهذا على أقل تقدير، ولكن ينبغي أيضًا التصريح باستبعاد المتورّطين في القتل والفساد، خصوصًا نظام الحكم وأركانه. لا يمكن لمؤتمر يحمل الصفة الوطنية أن يُستثنى منه أي جهة أو تيار، وإلا كفَّ عن كونه مؤتمرًا وطنيًا سوريًا.
إذا ضمنا حيازة "المؤتمر الوطني السوري" رضا قطاع مهم من المعارضة والثورة، وهذا مستبعدٌ في اللحظة الحالية، هل يمكن أن يحظى بمباركة القطاعات الأخرى التي ابتعدت عن الثورة أو أدارت لها ظهرها؟ إذا لم تشارك قطاعاتٌ من البعثيين والقوى السياسية والاقتصادية الأخرى في المجتمع السوري، هل يبقى الاسم المستخدم للمؤتمر "المؤتمر الوطني السوري" صالحًا؟ لا يمكن، مثلًا، في مثل المؤتمر هذا استبعاد البعثيين أو الإسلاميين أو غيرهم، ولا نجاح لمؤتمر وطني من دون وجود كتلةٍ من رجال الأعمال، ومجموعة من المثقفين البارزين وغيرهم. كذلك، لا بدّ من الإشارة إلى وجود قطاع مهم من السوريين لن يعنيه المؤتمر اليوم، ولن يتفاعل معه، بحكم أن هواجسه معلقةٌ بالحياة اليومية وصعوبات العيش وتأمين مستلزمات البقاء، تلك التي لا يستطيع أي "مؤتمر"، أيًا كانت صفته، تأمينها اليوم، أو اتخاذ القرارات الفاعلة في حياة الناس على هذا المستوى في اللحظة الحالية.
في سياق خلط المفاهيم، يشيع أيضًا تعبير "المؤتمر الوطني الكردي"، ولا ندري ما تجسيده 
الواقعي وحدوده، هل هو خاص بالحركة الكردية في سورية، أي بالأكراد السوريين، أم بالحركة الكردية والأكراد في البلدان التي يتوزّعون عليها؟ استخدام التعبير هذا للدلالة على مؤتمر يجمع الأكراد السوريين يثير البلبلة والتشويش، فتعبير "المؤتمر الوطني" مرتبطٌ بالسوريين جميعهم وليس بالأكراد السوريين فحسب، ويمكن للحركة الكردية أو الأكراد السوريين أن يختاروا أسماء أو تعابير أخرى تتوافق وواقع الحال، وتكون أكثر انسجامًا مع المنطق السياسي.
لا بدّ أيضًا من الإشارة إلى أن "المؤتمر الوطني السوري" المأمول مستقبلًا ليس تجمعًا لما تسمى "المكونات" الدينية والطائفية والإثنية. مثل هذا المؤتمر، إن حصل، يليق به أن يكون مؤتمرًا يُعلن نهاية الوطنية السورية والوطن السوري لا العكس. يعني "المؤتمر الوطني السوري" الإعلاء من شأن "الوطنية السورية" أولًا، والذهاب نحو بنائها من جديد على أسس سياسية ديمقراطية، وهذا يحتاج إلى جهد ثقافي وفكري، يسبق أي مؤتمر ذي عنوان وطني، لإعادة بناء الهوية الوطنية السورية على أسس جديدة.
شروط موضوعية وذاتية
لتتحول أي فكرة أو مبادرة إيجابية، مثل "المؤتمر الوطني السوري"، إلى حقيقة منتجة، تحتاج إلى تضافر وتزامن شرطين ضروريين، موضوعي (العلاقات الإقليمية والدولية المحيطة، أحوال عموم السوريين ومزاجهم الراهن، حال النظام السوري، ميزان القوى بمعناه الشامل... إلخ)، وذاتي (أحوال القوى السياسية وسائر التعابير والتشكيلات السياسية والثقافية). وببساطة، يمكن اكتشاف أن الأحوال الموضوعية غير داعمة حاليًا لهذا الخيار، كما يمكن القول إن تحسين الشرط الذاتي يحتاج إلى جهد كبير على المستويات كافة، يسبق عقد مثل هذا المؤتمر، ويراكم الطاقات في الاتجاه الصحيح. وهذا معناه أن أفكارا إيجابية كثيرة، حتى لو توفرت الصدقية والنيات المخلصة، مصيرها الفشل، في حال عدم التقاط اللحظة السياسية الملائمة.
يتمثل الشرط الموضوعي لإنجاح وفاعلية لقاء بعنوان "المؤتمر الوطني السوري" بتوفر مجموعة من المعايير الضرورية. وببساطة، يمكن القول إن أيًا من الشروط أو المعايير الموضوعية غير متوفر في الحالة السورية، فأي مؤتمر وطني يحتاج إلى اختيار لحظة ملائمة للإعلان عنه 
وعقده، وعمومًا تُعقد المؤتمرات الوطنية في اللحظات الانتقالية، عندما يكون هناك حدثٌ نوعيٌّ ما، مثل سقوط نظام أو وصوله فعلًا إلى حافة السقوط، وجود توافق دولي بشأن مصير بلد ما، نضج الحوار الداخلي في المجتمع المعني إلى درجةٍ توحي بالاتفاق على تغيير نظام الحكم، أو وجود دعوة حقيقية من السلطة الحاكمة، في لحظة ما، لمواجهة أزمة كبيرة تعصف بالبلاد، داخليًا أو خارجيًا، ما يعني أن لحظة عقد "المؤتمر الوطني" ينبغي أن تكون فاصلة بين وضعين أو حالين مختلفين نوعيًا. أي يفترض أن تنتج بعده حالة نوعية مغايرة لما قبلها، وإنْ لم يتمخض تغيير حقيقي، فإننا لن نكون فعلنا شيئًا سوى تسفيه هذا المصطلح المتبقي أو قتله. الخوف كل الخوف من ضياع هذا المصطلح "المؤتمر الوطني السوري" مثل سائر المصطلحات والتعابير السياسية التي تعرّضت للابتذال والتسفيه والإفراغ من مضمونها خلال السنوات السابقة.
أما الشرط الذاتي، فيتمثل في أحوال القوى والفئات السياسية والثقافية والاقتصادية في المجتمع المعني، من حيث مستوى تنظيمها ودرجة توافقها على أساسيات أو عناصر حاسمة في بناء الدولة والمجتمع، أو حصول توافق عام على شخصياتٍ تصلح لأن يُطلق عليها صفة "شخصيات وطنية". وأيضًا يمكن أن نكتشف، ببساطة، أن المجتمع السوري اليوم ممزّق وفقًا لتقسيمات متنوعة؛ موالين ومعارضين، علمانيين وإسلاميين، أكثريات وأقليات وفق المعايير القومية والدينية، فضلًا عن انقسام القوى والشخصيات السورية استنادًا إلى الولاء أو الارتباط بالدول المتدخِّلة في الشأن السوري.
لذلك، "المؤتمر الوطني السوري" هو اليوم هدفٌ أكثر من كونه وسيلة، بمعنى أننا ما دونه بمراحل عدة، وللوصول إلى هذا الهدف هناك شروطٌ ينبغي توفرها، موضوعيًا وذاتيًا. إنه "تتويج" لعمل أساسي وضروري ينبغي توفره أو القيام به، وليس "مؤسسة" عليها عبء صناعة الشروط التي تنقصنا، أي ليس وسيلة يمكن، من خلالها، اليوم، بناء كل ما قصّرنا في بنائه طوال السنوات الماضية. عند توفر الشروط الأساسية، موضوعيًا وذاتيًا، يصبح في الإمكان عقد مؤتمر وطني سوري، يكون بمنزلة الوسيلة التي تعمل على استكمال شروط إعادة بناء الدولة والمجتمع في سورية.
يدل السعي إلى عقد "المؤتمر الوطني السوري" في اللحظة الحالية على: أولًا، القفز عن المهمات الأولية الضرورية لنجاحه، بل والتقاعس عن إنجاز الأعمال الضرورية المتراكمة طوال السنوات الماضية على المستوى الذاتي. وثانيًا، استمرار سيطرة العقل التجريبي الذي ينقلنا من تجربة إلى أخرى، من دون تخطيط أو اهتمام بحسابات الجدوى أو النجاح في المستقبل. وثالثًا على يأسنا من إنجاز ما هو مفيد على صعد كثيرة، ما يجعلنا نقول إن عقد "مؤتمر وطني سوري"، في اللحظة الحالية، لا يزيد على كونه "ضربة يائسٍ أو عاجز".
لا بأس في التواضع قليلًا، وعقد لقاءات تشاورية وحوارية بنّاءة، وبناء تشكيلات سياسية وثقافية واقتصادية متماسكة وناجحة، كخطواتٍ على طريق عقد "المؤتمر الوطني السوري".
الجهة الداعية
يأتي أي مؤتمر وطني نتيجة تداعي قوى وجهات وشخصيات عديدة في الوقت نفسه، شعرت بالحاجة إليه فعليًا، ونضجت رؤاها بدرجةٍ عالية تمنعها من "النطوطة" أو الانتقال من ضفة إلى أخرى، أو الدخول في رهاناتٍ وتكتيكات متعدّدة ومتعارضة ومؤقتة، خصوصًا ما يتعلق منها بالدول؛ أي يكون المؤتمر المأمول تتويجًا لتداعي أوسع طيفٍ ممكن من السوريين الذين يرون في عقده خطوة إنقاذية، فيسهمون بفاعلية في إنجاحه، ولا يكون عَقدُه تلبيةً لدعوةٍ من مجموعة أو تيار منهم فحسب، فعندما تأتي الدعوة إليه من شخص أو مجموعة أشخاص ستكون نقطة مقتله، وتفقده صفته الجوهرية: الوطنية، وسيتحول بالضرورة، بغض النظر عن نيات الأفراد الإيجابية، إلى مجموعة خاصة بشخص أو مرتبطة به أو إلى مجموعة سياسية جديدة لا تزيد حظوظها على التشكيلات الأخرى. سيتحول "المؤتمر الوطني السوري" في حال عقده تحت هذا المسمّى، في اللحظة الحالية، إلى منصّةٍ سياسيةٍ مثل بقية المنصات، ولن تزيد وظيفته أو تأثيره على إرسال مندوب أو أكثر إلى لقاءات أو تجمعات أو تشكيلات "أوسع" برعاية إقليمية أو دولية، للعمل وفق الآليات التي عُقد المؤتمر الوطني أصلًا لمحاربتها.
عندما نعلم أيضًا أن هناك جهاتٍ متعدّدة تسعى إلى عقد "مؤتمر وطني سوري"، وكل منها تنسب إلى نفسها الصلاحية والمشروعية، نكون أمام كارثةٍ حقيقية، إذ لا يختلف اثنان، بالتأكيد، على أنه في حال كانت لدينا عدة مؤتمرات وطنية سورية، فإنها ستكون مسرحياتٍ ساخرة تزيد من الإحباط العام، فضلًا عن كونها كوارث جديدة تضاف إلى رصيد المعارضة السياسية السورية.
شعار الاستقلالية واستعادة القرار الوطني
شعار استعادة القرار الوطني صائب، لكنه يحتاج أيضًا إلى عناصر داعمة ومحدِّدات، ما القوة السياسية أو المعنوية المتوقعة لأي مؤتمر وطني سوري، في اللحظة الحالية، التي يستطيع عبرها فرض أو تعميم تصوراته المحقَّة؟ إذ إن الاكتفاء برفع شعار استعادة القرار الوطني والسيادة من 
دون وضع محدِّدات لسياسة خارجية وطنية قابلة للتطبيق تجعله شعارًا بلا قيمة أو بلا قدرة على التأثير في الواقع المعقد المحيط بنا، حيث العالم كله موجود في سورية، وتؤدي دوله أدوارًا متفاوتة القدرة، ومتنافسة على الأرض السورية من دون أي فاعلية لأي جهة سورية. السؤال المهم أمام أي مؤتمر وطني فعلي مستقبلًا هو ما الأدوات والوسائل التي ينبغي توفيرها، واستخدامها من أجل أن يصبح السوريون، في الحد الأدنى، رقمًا صعبًا في المعادلات الإقليمية والدولية التي تتعلق ببلدهم؟
كذلك، لا تتحدَّد الاستقلالية بالتمويل الذاتي للمؤتمر فحسب، فهذه نظرةٌ تبسيطية، خصوصًا أن التمويل لم يكن المشكلة الرئيسية التي أفشلت مؤتمراتنا السابقة، فنحن أصل المشكلة وجوهرها، وفرض الأجندات الخارجية على السوريين لم يكن مصدره التمويل الخارجي فحسب، بل أيضًا كثرة المتدخِّلين في الشأن السوري، ما يعني صعوبة السير بين الحفر، وعلى حوافّ المصالح المتضاربة، ما يعني ضرورة وجود سياسيين محترفين يستطيعون العمل بأكبر قدر متاح من الاستقلالية لمصلحة سورية والسوريين، في ظل بيئةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ معقدة، قادرة على سحق الهواة والمتطفلين على العمل السياسي بسهولة، على الرغم من نياتهم الإيجابية أحيانًا.
ما معنى أن يصدر عن لجنة تحضيرية لـ "مؤتمر وطني سوري" أنها "لا تدّعي أن المؤتمر سيكون ممثلًا للشعب السوري، ولا تدعي أنه بديل عن أحد"؟ يعني هذا، بوضوح، عدم فهم طبيعة "المؤتمر الوطني السوري" المأمول ووظائفه؛ إذ إن مبرِّر عقد "مؤتمر وطني سوري" هو أن يكون بالفعل "ممثلًا للشعب السوري"، وإذا لم يكن كذلك فهو ليس مؤتمرًا وطنيًا، بل مجرّد تجمع سياسي مثل بقية التجمعات التي تملأ الساحة. وما معنى القول إن المؤتمر "لا يدّعي أنه بديل عن أحد"؟ يعني هذا أيضًا أن الداعين إلى المؤتمر يطمحون إلى أن يكون مؤتمرهم مجرّد "جسم جديد"، يُضاف إلى التشكيلات الموجودة على الساحة السورية. إن أي لقاء يُعقد باسم "المؤتمر الوطني السوري" هو بالضرورة بديلٌ عن التشكيلات السابقة، مثل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، وغيره، أو هكذا يجب أن يكون، وإلا فإنه لا ضرورة أو قيمة له، ما يعني أن أي مؤتمر وطني سوري حقيقي يُعقد مستقبلًا ينبغي أن يدخل في معركة سياسية حقيقية على الشرعية مع سائر التشكيلات التي لا تتوافق مع رؤيته الوطنية وسياسته الاستقلالية.
في الجانب التنظيمي
إن نجاح أي لقاء أو مؤتمر هو في التحضير له قبل عقده، وخطة العمل الواضحة والمحدَّدة التي يمكن أن تنبثق منه بعده، أما لحظة عقد المؤتمر فوظيفتها الإعلان والإشهار فحسب. بينما
 مؤتمراتنا هي على العكس، إذ يجري تضخيم لحظة عقدها، والاحتفاء بها من جهة أولى، ومناقشة المسائل كلها دفعة واحدة في أثناء اللقاء، بصورة سريعة لا يتمخض عنها سوى كلام عام يفهمه كل من الحاضرين بطريقته من جهة ثانية. والطريقة هذه تجعل الخلافات بعد المؤتمر أمرًا بديهيًا ومتوقعًا، ومن ثم الانحلال والتشظّي بحكم عدم وجود آلية تنظيمية واضحة لحل الخلافات.
لا توجد، غالبًا، معايير للدعوة أو لاختيار المدعوين في اللقاءات أو المؤتمرات كلها، إذ يسود منطق "اللمّة" أو "التجميع"، وكثيرًا ما جرت دعوة من لا ناقة لهم ولا جمل، أو دعوة من لا يقدِّم حضوره أو يؤخِّر، بدافع وحيد هو للقول إننا موجودون في الساحة وأقوياء. ولا توجد أيضًا محدِّدات لاختيار الجهات السياسية، وليس غريبًا أن تشارك في المؤتمرات "قوى سياسية" لا يوجد منها سوى اللافتة والشعار، وتغيب لديها المرجعية الفكرية والرؤية السياسية والبرنامج السياسي والنظام الداخلي والخطاب الإعلامي الواضح والممارسات السياسية المنسجمة مع وثائقها، هذا إن غضّينا النظر عن العدد القليل من الأفراد المنضوين فيها، وهذه مشكلة الجميع اليوم. كذلك، تفتقد مؤتمراتنا آلية مقبولة للتصويت أو اتخاذ القرار، خصوصًا بوجود ممثلين لقوى سياسية أو اجتماعية، إذ يتساوى آنذاك صوت أي فردٍ مستقلٍّ مع صوت أي فرد يمثل قوة سياسية أو اجتماعية ما.
صحيح أن التشكيلات السياسية جميعها، ومن بينها "الائتلاف الوطني" و"مؤتمر أستانة" وغيرها، التي تنطق باسم السوريين من دون أن يختاروها بأنفسهم مؤسسات ناقصة الوطنية على أقل تقدير، لكن ما الآليات المتوفرة اليوم التي يمكن أن تسمح للسوريين حقًا بأن يختاروا ممثليهم الفعليين بأنفسهم إلى أي مؤتمر؟ يمكن تجاوز النقطة هذه بحكم الأحوال القهرية والاستثنائية للسوريين في داخل البلد وخارجه. لكن ينبغي، في الحد الأدنى، وضع معايير موضوعية، دقيقة وصارمة، لاختيار المدعوين مستقبلًا إلى أي مؤتمر باسم "مؤتمر وطني سوري".
أما تعبير "شخصيات وطنية" أو "شخصيات عامة" المستخدم عند الدعوة إلى المؤتمرات، فقد جرى ابتذاله وتمييعه، ويبدو أن الظهور الإعلامي هو المعيار الوحيد والحاسم للحكم على شخصية ما بأنها وطنية أو عامة. وفي بعض الأحيان، يُستخدم معيار "الاعتقال السياسي" للشخصية لترشيحها، مع أن اعتقالات نظام الأسد لم تستثنِ أحدًا تقريبًا، سواء أكانت خلال سنوات الثورة السورية أو قبلها.
لا يقف الجانب الفوضوي في التنظيم عند الحدود هذه فحسب، بل إنه يطاول كل شيء تقريبًا. إذ نرى الفرد مثلًا موجودًا في مؤتمرات ومجالس وهيئات عديدة، ما يعني أن الحاسم لديه هو الحصول على مقعد بأي طريقة كانت، أو أن يحضر في مؤتمر ما بصفته مستقلًا مع أنه عضو في حزب سياسي ما، أو أنه يشارك في مؤتمر ما ويتبنّى آراءه فيما يظهر على الفضائيات ينطق بآراء مغايرة أو معارِضة.
من المشكلات المهمة أيضًا التي تتعلق بالمؤتمرات ضبابية المصطلحات المستخدمة في وثائقها، ما يجعل من التوافق الظاهري عليها أمرًا شائعًا، فيما تختلف مدلولاتها وتفاصيلها وشروحها لدى كل فرد أو قوة سياسية. يشيع مثلًا استخدام مصطلح "الدولة المدنية" في المؤتمرات كلها تقريبًا، ولدى القوى السياسية المختلفة والأفراد أيضًا، لكن دلالاته مختلفة ومتنوعة لدى الجميع، ما يعني وجود شكلٍ من التواطؤ المؤقت بين الجميع، بقصد إنجاح المؤتمر أو تقريب وجهات النظر أو تدوير زوايا الخلاف، لكن التواطؤ هذا سرعان ما ينكشف خلافًا انفجاريًا في وجه الجميع. يعني هذا ضرورة الاتفاق على مضامين المفاهيم ومدلولاتها، لا الاتفاق على الكلمات فحسب، ومن المفاهيم التي تحتاج إلى تدقيق وتفصيل وإيضاح نذكر مثلًا: الدولة، العلمانية، الوطنية، النظام الديمقراطي، الحداثة، حقوق الإنسان، الحرية، الكرامة... إلخ.
خلاصة
مما تقدّم يظهر أن خلافي الرئيس هو مع استخدام تعبير "المؤتمر الوطني السوري" ودلالاته 
وتوقيت عقده، من دون الانتباه إلى الأحوال الموضوعية والذاتية المحيطة به، لكنني أختلف حكمًا مع الذين يقفون ضده لأسباب شخصية، أو يتبعون نهج التشكيك في وطنية الداعين إليه ونزاهتهم، خصوصًا عندما تأتي الانتقادات والتشكيكات من "الائتلاف الوطني" و"شخصياته" و"مؤتمراته" و"حكوماته" و"لجانه الدستورية والتفاوضية" و"أذرعه" المختلفة. لا يوجد خطأ لم يقترفه "الائتلاف" واستطالاته المذكورة، والواقع يخبرنا بجلاء أنه لم ينجز أي خطوةٍ في أي مستوى، فضلًا عن تحوّله إلى لعبةٍ ساذجةٍ ومطيعة في أيدي الدول، وإلى أضحوكةٍ على لسان السوريين جميعهم.
ربما من المهم التخلي حاليًا عن اسم "المؤتمر الوطني السوري"، أو تأجيل اعتماده إلى لحظة يتوفر فيها حدٌّ أدنى من مستلزمات نجاحه، الموضوعية والذاتية، التي ذكرتها، أو على أقل تقدير اعتبار اللقاء المزمع عقده قريبًا، أو غيره، خطوة أو لقاء تشاوريًا على طريق "المؤتمر الوطني السوري" المأمول.
ولنجاح هذا اللقاء - الخطوة، أو اللقاء التشاوري، ينبغي الإعلان عن معايير واضحة ومحدَّدة للمدعوين والشخصيات التي يُطلق عليها اسم "شخصيات وطنية أو عامة"، ودعوة شخصيات من الطيف السياسي والاجتماعي كله في سورية، وضمان مشاركة مجموعة متنوعّة من المثقفين، وأخرى من ذوي الخبرة في إدارة جهاز الدولة، وحلّ المشكلة التنظيمية المتكرّرة المتمثلة بحضور شخصيات مستقلة، وأخرى تمثل قوى وتيارات سياسية، وإصدار وثائق رصينة تتضمن ملاحق مكمِّلة تعنى بدلالات المفاهيم والتعابير المستخدمة، وإبداع خطة عمل واضحة الأركان، وممكنة التطبيق، وقابلة لتحويلها إلى مهمّات فردية وأخرى تتعلق بالهيئات المنبثقة من اللقاء، وإيلاء حضور الشباب المتميِّز أهمية كبرى، فضلًا عن ضمان مشاركة فاعلة للمرأة السورية بحيث لا تكون مشاركتها مقصورة على حضورها من دون أي تأثير.
في تاريخنا السوري، هناك مثال ناجح هو المؤتمر السوري العام الذي امتدّ عمره من 7 يونيو/ حزيران 1919 إلى 19 تموز/ يوليو 1920، وكان أول سلطة تشريعية سورية معاصرة، وأول صيغة برلمانية في المنطقة العربية. وقد أعلن المؤتمر في 8 مارس/ آذار 1920 بيان استقلال سورية الكبرى باسم المملكة السورية العربية، ونصّ على تحويل البلاد إلى دستورية مدنية، وكفالة الحريات السياسية والاقتصادية، وحقوق الطوائف الدينية، والتساوي بين المواطنين، وعلى لامركزية الإدارة، كما تطرّق البيان لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ومبادئ الرئيس الأميركي ويلسون، ورفض المشاريع الصهيونية أو أي تقسيم لسورية.
ينبغي أن يكون "المؤتمر الوطني السوري" المأمول خطوةً بحجم ذلك "المؤتمر السوري العام" أو أكبر؛ فنحن أمام مهمةٍ نوعيةٍ، ينبغي أن يتمخض عنها ولادة جديدة لسورية، وينبغي أن يكون ما بعده ليس كما قبله.