هل كسبَ إرهابي نيوزيلندا المعركة؟

01 سبتمبر 2020
الصورة

ظلت مشاعر الإرهابي المنفذ جريمة مسجدَي نيوزيلندا في مارس/ آذار 2019، وهو الأكثر وحشية وبشاعة في العقود الأخيرة، متسمّرة، أمام فيض من الدموع والوجدان المعتصر الذي لم تذهب مرارته في أهالي الضحايا، في جلسة العرض الخاصة التي حدّدتها المحكمة المكلفة، والتي دانته وثبتّت نواياه الإرهابية بصورة قاطعة، وحكمت عليه بمؤبدّاتٍ، تكفي في التقدير السياسي الحالي لبقائه في السجن حتى موته. ولم يُحكم بالقتل على هذا المجرم الكريه، لأن النظام العدلي في نيوزيلندا لا يسمح بهذا الحكم تشريعياً.
تناول مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) في الصحافة المصرية، المعنى الإنساني للإعجاز القرآني في كلمتي "القصاص حياة" في الآية الكريمة "ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب" (سورة البقرة)، وكان جوابه ضمن جدل عاصف، يزعم إن قول العرب الجاهليين: القتل أنفى للقتل، أبلغ من قول القرآن الكريم، لكونه اختصر المعنى بثلاث كلمات. طوّح الرافعي بخصمه من حيث المعنى البليغ في الكلمتين، وأن القصاص هنا مختلفٌ، في شريعة السماء، عن إطلاق مصطلح القتل، فالقصاص يعني شريعة العدل والاقتصاص من الظالم، وليس القتل في حربٍ مفتوحة، فكسب الرافعي المرافعة الفكرية والبلاغية. وبالتالي، يُطرح السؤال الكبير: هل هناك مسؤولية على حكومة نيوزيلندا في ذلك؟ حيث إن بقاء القاتل الإرهابي حياً لا يكفي للقصاص، والأخطر أنه لا يكفي لضمان وقف الرسالة التي وجّهها خلال بثه الجريمة، ثم أكّدها في قاعة المحكمة، والتي تلقّاها منه، تنظيم داعش، اليميني الغربي.

بقاء القاتل الإرهابي حياً لا يكفي للقصاص، والأخطر أنه لا يكفي لضمان وقف الرسالة التي وجّهها خلال بثه الجريمة

تعقبتُ، قبل مدة، مواقف رئيسة الحكومة النيوزيلندية، جاسيندا أرديرن، التي لا يُمكن أن توصف بغير الرائعة، بعد الجريمة البشعة. كان السؤال ما إذا كانت قد عملت على تحييد اليمين لديها، وهل ساهمت في تحريك المؤسّسة التشريعية، والقوانين التنفيذية، للحدّ من صعود اليمين المتطرّف الذي يُعتبر الأرضية الممولة والمغذية لليمين الإرهابي، فاتضح أنها بالفعل عملت على ذلك. ولا أستطيعُ أن أجزم، بالطبع، بأن ما قدّمته الدولة النيوزيلندية، بكل جذورها وهيكلها التاريخي والسياسي، كان كافياً، لمواجهة رسالة تنظيم داعش اليميني الغربي. ولكن هناك ما يكفي للقول إن جاسيندا أرديرن كافحت ذلك، وأن نيوزيلندا، عضو التاج البريطاني، ستبقى بعيدة عن روح الغضب التي وجهها السكان الأصليون لمواطنيهم المسلمين، في تحية رجال الأرض الأصلية، الغاضبين لسفك دماء الإنسانية البريئة، فالعمق الغربي، في المسار التاريخي الشعوري المنحاز، لا تُسقطه مشاعر ذلك المجتمع الغربي الجميل، من سكان نيوزيلندا الذين اصطفوا للتضامن مع الضحايا.

سعت أوروبا والمنظمات اليهودية في إبقاء توثيق وصور العمليات الإرهابية التي نفذها النظام النازي اليميني الغربي ضد الضحايا اليهود

ستجدون مؤشراً مقلقاً، في إخفاء بقاء هذا الدرس لأجل الإنسانية، وهو الطفلة الضحية التي فرّغ الإرهابي اللعين في جسدها مخزن الرصاص، عند المسجد محتفياً، وهي تصيح فزعاً لأمها في غمرة الكارثة، فأسكت حياتها بحقده، فهذه الصورة من أشد نماذج البشاعة التي لا تقل مطلقاً عن ضحايا العملية الإرهابية في برجي نيويورك في سبتمبر/ أيلول 2001، فالقضية هنا ليست بالعدد، ولكن بجوهر التقصّد الخبيث الحقير المشترك. ويثير طمس صورة الطفلة وسحبها من التداول الإعلامي شكوكاً كبيرة لدي، ليس بالضرورة أن يكون ذلك بتآمر تقني، ولكن لأسباب سياسات تمييزية للدماء. والقول إن ذلك لا يحل الصراع يُجاب عليه عكسياً، إن هذه الجريمة قد تختفي حقيقة جنايتها البشعة تدريجيا بعد مدة، ولذلك سعت أوروبا والمنظمات اليهودية في إبقاء توثيق وصور العمليات الإرهابية، التي نفذها النظام النازي اليميني الغربي ضد الضحايا اليهود.
ولا يزالُ تنظيم داعش، اليميني الغربي، يَصعّد ويتمكّن، مع أن نظيره في الشرق يتوارى، إلا من خلال بعض العمليات، أو التوظيف الإقليمي والدولي له في منطقة الشرق، على الرغم من أن جذور داعش اليميني الغربي وضحاياه لو حُصرت في الحروب المعاصرة، وتشريعها ضد العالم الشرقي، بحكم أن الحداثة الغربية تراه عالماً متخلفاً يحتاج إبادات ممنهجة، فإنه لا مجال لمقارنة الخسائر مع اليمين الغربي الإرهابي، بأفراده أو بروح دوله، لكننا دوماً نؤكد على أهمية رفض الفكرة من الجانبين، وهي الفكرة التي ظل إرهابي نيوزيلندا يبعثها في المحكمة، إلى شركائه في الغرب.

لا يزالُ تنظيم داعش، اليميني الغربي، يَصعّد ويتمكّن، مع أن نظيره في الشرق يتوارى

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن مقارنة موقف الحكومة النيوزيلندية بموقف حكومة كيبيك في كندا، ولا بتغطيتها من المركز في أوتاوا، من حيث سلب المسلمين حق الإدانة، والعقوبة المطلوبة لإرهابي مسجد كيبيك الكبير في يناير/ كانون الثاني 2017، ومن حيث حملة حكومة كيبيك على الحقوق المدنية لمواطنيها المسلمين، والتي يزداد سعارها. وجاءت جناية اغتيال المريض النفسي الباكستاني المسلم، أحمد شودري، من شرطة مركز بيل في تورونتو، لتعيد المخاوف من رياح العنصرية التي ترفع أسهم اليمين في الحضور والتصويت، كما تشهد بذلك الإحصاءات.
وفي الدول الإسكندنافية موجة جديدة من العنصرية، فعلى الرغم من أن هناك مواجهة لم تهدأ في الشارع الغربي، من مظاهرها إسقاط تماثيل تُجّار العبودية والقمع العنصري التاريخي، وبعضها تم بموقف أخلاقي من مسؤولين، وبعضها، كما جرى في مونتريال الكندية أخيرا، كان بأيدي المتظاهرين، إلا أن ذلك يشير إلى مخاطر تهدّد كل شركاء السلم الأهلي في الغرب، بمن فيهم المواطنون الغربيون ومواطنوهم المسلمون.
نعيد اليوم التذكير بأهم ملفٍ يخص المواطنين العرب والمسلمين في الغرب، وأبرز إشكالية تواجههم، وهو العجز الكبير عن تأسيس وتأهيل شراكة، تنشئ مجتمعاً مدنياً بين نشطائهم، ولأجيال المستقبل، لا تعتمد على صورتهم جماعة عُمّال أو سكان، يؤدّون صلواتهم في المساجد، وإنما عبر تكييف اجتماعي وثقافي متقدّم، يُدرك أن حقوق المسلمين المدنية لن تُحقّق إلا عبر ثقافة المجتمع المدني، وكذلك قوة مدافعتهم القانونية، وعبره تُنظّم العلاقة الضرورية لنا، مع المجتمع الغربي لدول أوروبا وأميركا الشمالية، يحتاج أن نقيم له جسوراً مختلفة من التواصل، قبل سقوط السقف على الجميع.