هل فشل التونسيون في المصالحة الحقيقية؟

هل فشل التونسيون في المصالحة الحقيقية؟

31 مارس 2018
بن سدرين: الهيئة لا تقبل الابتزاز (ياسين قائدي/الأناضول)
+ الخط -

تشهد الساحة التونسية منذ أيام حالة من التوتر الشديد غير المسبوق بسبب الخلاف الكبير حول مسار العدالة الانتقالية في تونس، بين من يتحدث عن انتكاسته وانتكاسة المسار الديمقراطي بالتالي، وبين من يرى أن استكمال المسار ممكن ولكن عبر إيقاف عمل هيئة الحقيقة والكرامة.

ووصل الجميع إلى طريق مسدود وإلى حالة مواجهة بين معسكرين سياسيين واجتماعيين أيضاً، يقفان على طرفي النقيض بخصوص حل هذه الأزمة الخانقة. ورفض البرلمان التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة، بأغلبية 68 نائباً وامتناع نائبين عن التصويت، في حين لم يصوت أي نائب مع التمديد، وخصوصاً أن الكتل البرلمانية الداعمة للتمديد، وهم نوّاب حركة النهضة والكتلة الديمقراطية وكتلة الجبهة الشعبيّة، رفضت التصويت، لاعتبارها أصلاً أن التصويت على التمديد لا يحق للبرلمان وأنه حق حصري للهيئة بحكم القانون.

لكن الهيئة أعلنت، الأربعاء الماضي، أنها ستواصل عملها بالرغم من قرار البرلمان. وقالت رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين، إن الهيئة مضطرة لتمديد عملها (بعد أربع سنوات)، لأنها وجدت العديد من العراقيل من طرف مؤسسات ملزمة دستورياً بالتعاون معها. وأضافت بن سدرين، خلال ندوة صحافية، أن ما حدث هو أن بعض النواب وضعوا جانباً مسار العدالة الانتقالية واهتموا "بخطابات كراهية مفرطة" لا تليق بمؤسسة تشريعية. وتابعت "نحن لسنا طرفاً في جدل قانونية التصويت، وحين يتم الفصل في الجدل سنأخذه بعين الاعتبار، وفي الأثناء سنطبق القانون". ولفتت إلى أن الجدل والخلاف الذي سجلته الجلسة العامة في البرلمان للتصويت على قرار التمديد لعمل الهيئة، هو جدل سياسي وليس قانونياً. وقالت بن سدرين، في تصريح لإذاعة "شمس"، إن "القضية ليست سهام بن سدرين بل العدالة الانتقالية، والهيئة لا تقبل الابتزاز، والعدالة الانتقالية في الميزان". وأضافت أن "الأحزاب السياسية حاولت التدخل في أعمال الهيئة والتأثير على قراراتها، لكن الهيئة تصدت لكل أشكال محاولات التدخل في أعمالها أو التأثير على قراراتها، وبعض الأحزاب استعملت الاعتصامات والاحتجاجات للتأثير على الهيئة".

هذا الجدل حول العدالة الانتقالية وهيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها ليس جديداً ولا مفاجئاً. وكان بالفعل، كما تؤكد بن سدرين، مسألة سياسية بامتياز، ومحل مزايدة سياسية بين أحزاب الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة، وهما معسكران يختلفان باستمرار حول كل الملفات والقضايا، حول إدارة الشأن العام والخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومسار الانتقال الديمقراطي والمؤسسات والقوانين، وأيضاً حول الخيارات والعلاقات الدبلوماسية، وحتى حول تاريخ تونس. واعتبر مؤسس حزب حراك تونس الإرادة، الرئيس السابق المنصف المرزوقي، أن "إصرار بعض القوى السياسية على إنهاء مسار العدالة الانتقالية محاولة فاشلة لاستعادة النظام البائد وإغلاق قوس الثورة"، مؤكداً "تضامنه التام مع هيئة الحقيقة والكرامة، ورئيستها سهام بن سدرين"، قائلاً "رفضتم العدالة الانتقالية القائمة أساساً على المحاسبة والمصالحة، فلتكن عدالة فقط ومحاسبة للفاسدين من دون مصالحة". وأشار المرزوقي، في ندوة صحافية، الأربعاء، إلى أن "ما حصل أخيراً تحت قبة البرلمان، من قبل بعض النواب لإفشال مسار العدالة الانتقالية، خرق واضح للقوانين والدستور، وأن جلسة التصويت للتمديد بسنة من عدمه لهيئة الحقيقة والكرامة أعادت عملية الفرز بين من تطلع للاستبداد وللمنظومة السابقة وبين من دافع بكل قواه للمحافظة على مكتسبات الثورة والمسار الديمقراطي".

وفي الجهة المقابلة، يؤكد حافظ قائد السبسي أن "حركة نداء تونس تقوم بكل الإجراءات الضرورية والاتصالات اللازمة مع باقي الأحزاب لتصحيح مسار العدالة الانتقالية واستكماله، حتى بلوغ المصالحة الوطنية الشاملة، بعيداً عن كل أشكال الانحرافات التي سقطت فيها الهيئة السابقة من خلال ممارسات رئيستها، وذلك من خلال مبادرة لمشروع قانون عدالة انتقالية يراعي المسار الديمقراطي والتجارب المقارنة التي نجحت في مصالحة وطنية وتاريخية شاملة، خصوصاً في دولة جنوب أفريقيا". وأكدت حركة نداء تونس، في بيان، احترامها لمسار العدالة الانتقالية، كمسار جوهري متكامل لا يمكن اختزاله أو تلخيصه بهيئة الحقيقة والكرامة، ولا في الدور، الذي وصفته بـ"المختل والمشوّه"، الذي لعبته رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين. وحمّلت الحركة مسؤولية فشل عمل الهيئة إلى بن سدرين قبل غيرها، لافتة إلى أن ذلك تؤكده شهادة أغلبية الأعضاء المنتخبين لهيئة الحقيقة والكرامة، في إشارة إلى الأعضاء المستقيلين من الهيئة خلال الفترات السابقة.

وبين هذا الرأي وذاك، تقف حركة النهضة في الوسط، وهي أكثر الأحزاب المعنية بملف العدالة الانتقالية، بالنظر إلى كون الآلاف من أنصارها لوحقوا وسجنوا وعذبوا على امتداد عقود من الزمن، وهم ينتظرون مآل العدالة الانتقالية وإنصافهم. وهي بذلك تقف في موقف محرج وحساس للغاية بين إرضاء أنصارها من ناحية وتحصيل حقوقهم، وبين الأمر الواقع الذي فرضته الحقيقة السياسية والقانونية الجديدة. وقد كان بعض نوابها في البرلمان الأشد شراسة في الدفاع عن الهيئة ومهاجمة معارضيها. وأكدت النهضة، في بيان أخيراً، تمسّكها بمسار العدالة الانتقالية "خياراً وطنياً وعنواناً أساسياً من عناوين الديمقراطية في تونس، وجزءاً من الرأسمال الرمزي لبلادنا، هدفه كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، بما يمكّن من طَيّ صفحة الماضي وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة بعيداً عن منطق الثأر والانتقام والتشفي وانتصاراً لقيم العفو والتسامح". لكن البيان اعتبر أيضاً أن "العدالة الانتقالية استحقاق وطنيّ متعدّد المسارات يجب توفير شروط استكماله وإنجاحه، بقطع النظر عمن يدير هذا الملف"، مؤكداً "التزام الحركة الكامل باحترام مؤسسات الدولة ورموزها ورفضها لكلّ أشكال المسّ بها، أياً كانت المبررات والذرائع". وأشار البيان بوضوح إلى أن "النهضة" لا تتمسك بالهيئة كمسار وحيد للعدالة الانتقالية، ولا تتمسك أيضاً بمن يدير الملف، وهو ما يفهم منه أنها رفعت أيديها عن الهيئة ورئيستها، بعد أن كانت أبرز داعميها.

لكن هل هذا هو رأي كل "النهضة" وقياداتها وأنصارها، وما هو الثمن الذي ستدفعه الحركة أمام أنصارها إذا فشلت المسارات الأخرى؟ وتعتقد حركة "النهضة" أن البحث عن مسارات جديدة للعدالة الانتقالية أمر ضروري، لأن "شروط استكمال وإنجاح" المسار، كما قال البيان، لم تعد متوفرة، وهو ما يبيّن أنها اختارت شكل إدارة هذا الملف، ولكن هل ستتمكن من إقناع أنصارها بذلك، بعد كل مواقف قيادييها في البرلمان، مع كل ما يعنيه ذلك من إمكانية حصول انقسامات في صفوفها؟ في جانب آخر، تقف الجبهة الشعبية أيضاً في موقف مختلف سياسياً، برغم أنها انسحبت من التصويت في البرلمان أيضاً مع كتلة "النهضة". واعتبر القيادي البارز في "الجبهة"، زياد لخضر، أن مسار العدالة الانتقالية تم تخريبه منذ تمرير مشروع قانون المصالحة الإدارية. وحمل لخضر، في مداخلته في البرلمان، مسؤولية خراب المسار إلى "النهضة" و"النداء" ولرئيسة الهيئة سهام بن سدرين. وقال إن 'النهضة ونداء تونس يريدان توظيف مسار العدالة الانتقالية خدمة لمصالحهم، والجبهة الشعبية لا ترى نفسها في هذه المعركة الوهمية وهي غير معنية بها". وأضاف "لدينا نقد كبير لأداء هيئة الحقيقة والكرامة، فهي ممزقة، ولم تنجح في الحفاظ على تماسكها والمحافظة على كل أعضائها".

يبقى السؤال الأهم: هل سيحصل الضحايا على حقوقهم المعنوية والمادية، أم أنهم سيدفعون فاتورة الخلافات السياسية والأيديولوجية؟ والأكثر أهمية، هل سينجح التونسيون في تحقيق مصالحة حقيقية وصادقة وشاملة تمكن من طَي صفحة الماضي الأليم وإنهاء عذابات عائلات وأفراد دامت سنوات طويلة، حتى يتم النظر إلى المستقبل بشكل موحد ومن دون أحقاد؟ الواقع أن الخطابات التي استمع التونسيون إليها مباشرة على التلفزيون لا تبشر بخير، فالمسافة بين المعسكرين بعيدة جداً، والأحقاد كانت واضحة، والتهديدات أيضاً باستبدال العدالة الانتقالية بعدالة انتقامية تؤكد أن الحل لا يزال بعيداً جداً. وفي انتظار ذلك تواصل الهيئة عملها في ظل مأزق قانوني وسياسي كبير، سيزداد صعوبة مع تراجع مؤيديها. لكن الثابت هو أن تونس تزداد انقساماً قبيل انتخابات محلية ستتكفل بتعميق هذا الانقسام وحفر هوة جديدة بين التونسيين، وستكون العدالة الانتقالية ملفاً ثقيلاً جداً على الجميع.