هاني عبّاس... رسومات تترك المكان مفتوحاً

27 سبتمبر 2019
الصورة
رحلة لجوئه من اليرموك انتهت في سويسرا (العربي الجديد)
+ الخط -
بدأ رسام الكاريكاتير الفلسطيني السوري هاني عبّاس، رحلة لجوئه من مخيم اليرموك وانتهت في سويسرا. بينهما، رسم في عدد من الصحف، ونظم معارض فنية. فاز بعدة جوائز دولية، أبرزها جائزة Press Cartoonist Award بتنظيم من مؤسسة رسامو الكاريكاتير من أجل السلام، وأهداها لكل "من ضحى في سبيل قول الحقيقة والحرية والإنسانية". يعمل حاليًا كمدرس للفنون والكارتون في مدارس جنيف الدولية. اشتملت رسوماته على الحرب والحب والسلام والإنسان، وعبَّرت عن ضيق أفق الحرية في الوطن العربي، وفضحت عيوب السلطات والأنظمة العربية والعالمية. أخيرًا، أصبحت اهتماماته بعيدة عن الحدث اليومي. ولم تعد الأحداث السياسية من أولوياته، فاتجه صوب الإنسان أكثر وذهب في رسومه إلى "ما هو أهم، الإنسان".

 في بلادنا، الأنظمة تُكلفك حياتك مقابل تعبيرك بكلمة أو لوحة. في أوروبا القانون يكفل الحريات، بماذا تختلف مناخات الرسم بين هنا وهناك؟
المشكلة في بلادنا ليست بالقوانين أو الدساتير. وبحسب معرفتي، فإن كل الدساتير والقوانين في بلادنا تقول إن حرية الفكر والفن والاعتقاد مقدسة، ولا يحق لأي سلطة أن تنتقصها. المشكلة الحقيقية هي في طبيعة هذه الأنظمة الحاكمة، وعقليتها الأمنية المخابراتية. هذه الأنظمة التي صعدت إلى السلطة بالعنف، هي أكثر من يخاف من الفكر والثقافة والحريات، لأنها تدرك تماماً أن أي تطبيق لهذه المفاهيم في المجتمع سيؤدي بالضرورة إلى انهيارها، أو على الأقل انحسار دورها ومحاسبتها. فالعنف هو طريقة الحوار الوحيدة التي تعرفها وتتقنها هذه الأنظمة.
في أوروبا والعالم المتقدم عموماً، حيث يكون القانون هو السلطة الحقيقية في البلاد، نستطيع أن نلمس هامشا أكبر للحريات. ولا أقول هنا إنه هامش مفتوح ومطلق، فهناك الكثير من الضوابط الموجودة. الاختلاف بينها وبين الأنظمة الدكتاتورية هو في طريقة فهم ومناقشة وتقبل هامش الحريات. إذ يلجأ أي متضرر، سواء أكان شخصا، حزبا، مسؤولا، أم حكومة، إلى القانون الذي يضمن حقوق الجميع. يمكنك مثلاً في أوروبا السخرية من أي شيء وأي شخص، وهو ما تخسر لأجله حياتك في بلاد القمع. وهي بالمناسبة ليست الدول العربية فقط، إنما الكثير من البلدان حول العالم، بما فيها بلدان متقدمة علمياً وعسكرياً إلى حد ما. أي أن التقدم العلمي والتقني والعسكري لا يعني تقدماً في حقوق الإنسان وحفظ حرياته.
جانب آخر مهم جداً في هذا الموضوع، هو أن حرية النقد المتاحة في أوروبا، تُفقِد أي مبدع "لذة" النقد والتحدي، وربما لذة القلق والإحساس بالإنجاز. فالنقد متاح ببساطة ولا يكلف صاحبه سجناً ولا اعتقالاً وتعذيباً.


ثمة تساؤل يثيره الإبداع، وهو موضوعة المكان، بمعنى الرسم في سورية والرسم في أوروبا. المكانان مختلفان في كل شيء، ولكنهما صفة ثابتة لأي عمل ولا يمكن تصور عمل فني من دون مكان. كيف تتعامل مع المكان وما هي خصوصيته في رسوماتك؟
للمكان أهميته الكبيرة، وتأثيره كبير على أي منتج فني. يستطيع المكان أن يضع بصماته في المنتج الفني حتى من دون إرادة الرسام؛ عبْر طبيعة الألوان أو درجات الإحساس في العمل الفني.
بالنسبة لي، المكان هو أنا. ذاكرتي التي تختزن ملايين الصور والأحداث والتفاصيل. الذاكرة التي تستطيع فرض نفسها كحاضر وكمستقبل. في هذه الحالة، الحياة في مكان والإحساس في مكان آخر. في رسوماتي، يكون المكان مفتوحاً غالباً، إن لم أكن أرسم وأشير إلى حدث بعينه. وجع الإنسان في سورية مثلاً هو نفسه وجعه في الكثير من الأماكن حول العالم، ربما أكثر أو أقل. وليس فقط الآن، بل يمكن أن يكون وجعه في الماضي والمستقبل.

لماذا تشغل وسائل التواصل الاجتماعي الحديث حيزا كبيرا في رسوماتك؟
الواقع كذلك. انظر إلى الحيز الذي تشغله هذه الوسائط في حياتنا كمجتمعات بشرية الآن على جميع الأصعدة وبكل المستويات. بالتالي هذه الوسائط يمكن أن تكون مادة جيدة لإسقاطات عن حياتنا اليومية، ليس فقط بارتباطنا بها، ولا لتأثيرها القوي في حياتنا، بل كيف تحاكي هذه التقنيات مسارات مهمة من تكويننا النفسي والفكري، سواء بالكشف عنه وتفسيره أو فضحه.

تضمنت رسومات ناجي العلي جانبا تأريخيا للمرحلة التي عاصرها، فنستطيع أن نرصد في رسوماته ملامح المرحلة الفلسطينية وقتها. بالنسبة لأعمالك، ما هي المرحلة التي تحاول تأريخها فنيًا؟
بالتأكيد. وثّق الشهيد الفنان ناجي العلي مرحلة مهمة، أو ربما هي أهم مرحلة في تاريخ النضال الفلسطيني، ومرحلة مهمة من تاريخ الشرق الأوسط. بالنسبة لي، أحاول كذلك من خلال عملي توثيق هذه المرحلة الحالية، رغم أنني مُقل نسبياً وأرسم في المرحلة الأخيرة بشكل عام، بعيداً عن الحدث.
ربما صرت أرسم عن الإنسان بحد ذاته بشكل أكبر. الأحداث السياسية اليومية لم تعد من أولوياتي. أذهب في رسومي إلى ما هو أهم، الإنسان. الإنسان القادر على تغيير كل هذا العار السياسي الذي نعيشه. في زمن المعلومات المتسارعة أصبحت المعرفة في متناول اليد حرفياً عبر جهاز يوضع في جيبك. فنقْل المعلومة أو التعليق عليها، لم يعد برأيي جُل مهمتنا كفناني كاريكاتير. ما يهم هو إعادة النظر في أنفسنا، في الإنسان الذي هو نحن جميعاً. بناء الإنسان الطبيعي البعيد عن العقد والإيديولوجيات بأشكالها، هو أول خطوة لإعادة تموضعنا على الخريطة في مكاننا الصحيح والمتناسب مع حجمنا وإرثنا الحضاري والثقافي والبشري.




عُينت عضواً تحكيمياً في لجنة لاختيار رسوم الأطفال في مسابقة نظمتها الأمم المتحدة لأكثر من 17000 لوحة من 71 دولة، وهي المسابقة ذاتها التي فزت بها عندما كنت في الثالثة عشرة. كيف تُقيَّم هذه الجوائز والمسابقات ومعاييرها وأنت هاني الفنان؟
هذه قصة ملهمة بالنسبة لي. في المراحل الأولى من بروز أي موهبة، فنية كانت أو غيرها، تحتاج هذه الموهبة بشكل حقيقي وملح للدعم والتشجيع، فهي تكون كالطفل الوليد يحتاج إلى رعاية كبيرة، واهتمام في أول فترات حياته. وبالتالي، جائزة مهمة كهذه الجائزة، تعطي دفعاً كبيراً جداً لأي طفل، وتقول له إن لديك شيئاً جيداً ويجب أن تستمر. وهذا ما قدمته لي هذه الجائزة وأنا صغير في المخيم.
الحياة غريبة وتتحرك بشكل معقد. تحركت وحملتني رياحها إلى هنا إلى هذه المدينة. المدينة نفسها التي أرسلت لي جائزتي قبل 30 سنة تقريباً. ليطلبوا مني أن أكون عضواً في لجنة تحكيم هذه المسابقة نفسها.


تشاركنا بين الحين والآخر لوحات يبدو فيها الأب واضحاً في اللوحة وغائباً خارجها. ما سبب هذه الإشارات إلى الأب؟
الأب والأم وكل العائلة. ليس فقط الأب. أنا ابن لأب وأنا أب لطفلين. وما أرسمه هو ما أحس به أو ما يجري معي عامة. مثلاً قبل عدة أشهر، وفي أول يوم للثلج هنا، انتبهنا إلى أن حذاء الثلج السابق الخاص بابني أصبح صغيراً على قدمه، فنزلت معه إلى محل الأحذية المجاور واشتريت له جزمة جديدة خاصة بالثلج، ومشيت معه في الطريق إلى مدرسته، في الطريق انتبهت أنني أرتدي حذاء عادياً عندما بدأ الماء يتسرب إلى قدميّ. وهنا خطرت ببالي فكرة الأب الذي قص جزءاً من حذائه ليصنع حذاءً جديداً لابنه.

سمكة في سفينة نوح، تجربتك النثرية "الأولى والأخيرة" في الكتابة. هل لجأت إلى الكتابة لتعبر عما لا يستطيع الرسم التعبير عنه؟ أم أن هناك أسبابا أخرى؟
هي في الحقيقة يوميات، سجلتها كتابة ورسماً خلال فترة مهمة في حياتي وحياة المنطقة. الثورة والحرب واللجوء، شكلت تجربة تحتاج إلى سرد وقائع بشكلها الكتابي، إضافة إلى الرسوم، لا يتقدم أحدها على الآخر. من المهم أن نكتب قصتنا وننشرها في كتاب.
أحياناً في الرسم لا تستطيع أن تقدم تفاصيل أكثر. ربما لو أنني أرسم بأسلوب الكوميكس لكان الوضع أسهل بالنسبة لي بأن أروي الحكاية كاملة مرسومة. أقترح هذا المقطع من الكتاب: "عندما عبرت الحدود، كنت أقول لنفسي: لا تنظر إلى الخلف... لا تنظر إلى الخلف... كان (الخلف) مرعباً... و(الأمام) كان مرعباً أيضاً... لأني لاجئ عتيق... لاجئ حتى قبل أن أولد... إلا أن هذه المرة كانت قاسية... قاسية جداً. هنا... في اللجوء... تجد الأغنياء السابقين يقفون في طابور واحد مع الفقراء السابقين. عندما لم يتساو البشر ذهبت البلاد... عندما ذهبت البلاد... تساوى البشر... يا لهذه المعادلة المرعبة... تساوى الجميع في طوابير الإغاثة وطوابير المعابر وفي طوابير المعتقلات... وفي طوابير الصعود إلى السماء... المساواة القاسية... المساواة القاتلة".


ما هو وضع فن الكاريكاتير العربي في وقتنا الراهن، وما مدى جديته في الطرح والتغيير وأنت القائل "بيعمل لوحات عن مأساة اللاجئين.. وبنفس الوقت بيبوس بسطار من سبب هذا اللجوء"؟
لا يمكن أن نتحدث عن الكاريكاتير العربي ككتلة واحدة، توجد طبقات كثيرة لا تبدأ من الفكرة ولا تنتهي بتكنيك الرسم، مروراً بالتوجهات والرسائل. بالتأكيد حصل الكاريكاتير العربي كما الصحافة العربية على فرصة كبيرة جداً بداية الربيع العربي، ودفع العديد من الرسامين أثماناً كبيرة نتيجة لمواقفهم، من الفنان علي فرزات، إلى الفنان الذي قتُل في المعتقل تحت التعذيب أكرم رسلان، إلى معظم الرسامين السوريين المنفيين حالياً حول العالم.
شيء آخر مهم يمكن أن نذكره هنا، هو الانقسامات في التوجه. الآن، هناك اتجاهان واضحان إعلامياً. إعلام الأنظمة وإعلام الثورات، تضاف إليهما انقسامات داخلية في كلا "المعسكرين"، كالتوجهات الأيديولوجية أو القومية أو… إلخ. بالإضافة إلى جهات تمويل الإعلام المنقسمة هي نفسها تبعاً للانقسامات العربية الحالية.
هذا يحدث في كل العالم أيضاً. رسام كاريكاتير يفصل من عمله بسبب رسومات ضد ترامب مثلاً. هذا يحدث في هذا العالم الآن. ليكون رسام الكاريكاتير حراً بشكل كامل، يجب أن يعيش على كوكب آخر ويرسم عن هذه الكرة الأرضية ويتلقى مورد عيشه من الكائنات الفضائية، وقتها يمكنه أن ينتقد أي شخص ونظام على كوكب الأرض. وطبعاً بشرط ألا ينتقد المخلوقات الفضائية التي يعمل لديها.

لماذا تَراجع الحب في أعمالك؟
رسمت الكثير عن الحب. حتى في أقسى فترات القصف رسمت عن الحب. يمكن أن تراجع رسومي وأنا تحت القصف والحصار 2012 - 2013. هي موجودة على صفحتي. فالحب هو القوة الخفية التي تجعلنا نتحمل كل هذا الجنون.

 كنت عضواً في لجنة تحكيم الأفلام الروائية في مهرجان فريبورغ الدولي للسينما في سويسرا، وعضواً في لجنة الرسومات. هل هذا المجالات أفسحتها الحرية أم الإبداع؟
بالنسبة لمهرجان فريبورغ للسينما، فوجئت برسالة من مدير المهرجان يطلب مني الموافقة على أن أكون عضواً في لجنة التحكيم. فوجئت وأرسلت له أنني رسام كاريكاتير، ولم أعمل في السينما أبداً. الرجل رد بأنه يتابع رسومي ويرى أن هناك كمية كبيرة من الأحاسيس والمشاعر في رسومي وأنه يريد أن أحكم الأفلام على هذا الأساس. وهذا ما حصل، كان هنالك 14 فيلماً وأنا قيمت كل فيلم بكلمة واحدة!

المساهمون